مقالات
تعيش منطقة غرب آسيا حالة ترقُّب دائم لا تعود أسبابها إلى غياب المبادرات الدبلوماسية، بل إلى طبيعة المقاربات التي تُطرح تحت مسمّى “الحوار”، في ما هي في جوهرها منظومة من الشروط المسبقة المصاغة بعناية لتفريغ أي مسار تفاوضي من مضمونه الحقيقي. فمن وجهة النظر الإيرانية، لا تعكس الدعوات المتكرّرة إلى التفاوض رغبة صادقة في تسوية النزاعات، بقدر ما تكشف عن فجوة عميقة بين مفهوم التفاوض كآلية متكافئة لإدارة الخلافات، وبين ما يُمارَس فعليًا بوصفه دبلوماسية إملاءات، يُطلب فيها من طرفٍ واحد التخلي عن ركائز قوته السيادية قبل الجلوس إلى طاولة الحوار.
من الضغط الأقصى إلى الإكراه الدبلوماسي المقنّع
في هذا السياق، تُقدَّم الشروط الأميركية والغربية على أنها إجراءات لبناء الثقة وتهيئة المناخ السياسي، غير أن تفكيكها سياسيًا وقانونيًا يظهر أنها ليست سوى إعادة إنتاج لسياسة “الضغط الأقصى” بصيغة أكثر نعومة. فالمطالب التي تبدأ بالتفكيك شبه الكامل للبنية التحتية النووية، ولا تتوقف عند حدود تقييد القدرات الدفاعية التقليدية، لا تهدف إلى إنشاء بيئة تفاوضية متوازنة، بل إلى فرض نتائج محدّدة سلفًا، تُختزل فيها المفاوضات إلى آلية تنفيذ لا إلى ساحة نقاش متكافئ.
وتستند القراءة الإيرانية لهذه المقاربة إلى تجربة تاريخية طويلة أثبتت أن التفاوض القائم على الإخضاع لا ينتج استقرارًا، ولا يفتح الباب أمام تسويات مستدامة. فالاتفاقات التي تُفرَض تحت الضغط غالبًا ما تكون هشة، سرعان ما تنهار عند أول تحوّل سياسي أو أمني، لأنها لا تقوم على توازن المصالح، بل على اختلال موازين القوّة. ومن هنا، ترى طهران أن الإصرار على هذا النهج لا يعكس فهمًا حقيقيًا لتعقيدات المنطقة، بقدر ما يعكس محاولة لإدارة الأزمات لا حلّها، وإبقاء خطوط التوّتر مفتوحة كأداة ضغط دائمة.
السيادة بين القانون الدولي ومنطق المساومة
في قلب هذا الجدل، يبرز الملف النووي بوصفه نموذجًا صارخًا لتسييس الحقوق السيادية. فمن منظور القانون الدولي، لا يُعدّ الحق في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية امتيازًا تمنحه القوى الكبرى أو تسحبه متى شاءت، بل حقًا قانونيًا واضحًا تكفله معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ويرتبط بمسارات التنمية والتقدّم العلمي والتقني. إن تحويل هذا الحق إلى ورقة ضغط تفاوضي، وفق الرؤية الإيرانية، لا يفرغ المعاهدات الدولية من مضمونها فحسب، بل يحوّل النظام الدولي نفسه إلى منظومة انتقائية، تُطبَّق فيها القواعد على الضعفاء وتُعطَّل أمام الأقوياء.
ولا يتوقف منطق الشروط التعجيزية عند هذا الحد، بل يمتد إلى القدرات الدفاعية، ولا سيما الصاروخية منها، في تجاهل كامل للواقع الجيوسياسي المعقّد لغرب آسيا. فالدعوات إلى تقييد أو تفكيك هذه القدرات تتناقض، من المنظور الإيراني، مع أبسط مبادئ الأمن القومي، خصوصًا في بيئة إقليمية تتسم بتراكم التهديدات وبتاريخ طويل من التدخلات الخارجية. وقد أظهرت تجارب العقود الماضية أن الفراغ الدفاعي لا يولّد طمأنينة، بل يشجّع على العدوان، وأن الردع في مثل هذه الظروف ليس خيارًا هجوميًا، بل أداة وقائية للحفاظ على توازن هش ومنع الانزلاق نحو مواجهات أوسع.
وفي السياق ذاته، تُواجَه التحالفات الإقليمية بقراءة دولية تختزلها في إطار “الوكالة” أو “التبعية”، متجاهلة جذورها الاجتماعية والسياسية. فمن وجهة النظر الإيرانية، نشأت هذه العلاقات في معظمها استجابةً طبيعية لوقائع الاحتلال والهيمنة وغياب العدالة الدولية، ولم تكن نتاج ترتيبات ظرفية أو توظيف عابر. إن المطالبة بفك الارتباط مع هذه القوى لا تُفهم باعتبارها مطلبًا تقنيًا، بل محاولة لإعادة هندسة الخريطة السياسية للمنطقة عبر تفكيك شبكات الأمان الجيوسياسية التي تشكّل عمقًا إستراتيجيًا للدول، ودفعها نحو عزلة مدروسة تضعف قدرتها على المناورة.
وتزداد الصورة تعقيدًا حين تُدرج قضايا الهوية والموقف الأخلاقي ضمن صلب المفاوضات، عبر فرض شروط تتعلق بالاعتراف بكيانات أو تبنّي مواقف من قضايا إقليمية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. فإقحام هذه الملفات في مسارات تفاوضية يُفترض أن تكون تقنية أو أمنية، يُقرأ في طهران على أنه محاولة متعمّدة لتعجيز الطرف المقابل لا سعيًا إلى حلول واقعية. فهذه الشروط لا تُطرح من أجل التسوية، بل تُستخدم ذريعة سياسية وأخلاقية لإدامة الضغوط، ثمّ تحميل الطرف الرافض مسؤولية فشل الدبلوماسية، رغم أن الشروط نفسها صُممت لتكون مرفوضة مسبقًا.
ما يربط بين هذه المطالب المتعددة هو منطق واحد يمكن وصفه بالتفكيك التدريجي. فكلّ تنازل يُنتزع تحت الضغط لا يُقدَّم كخطوة نهائية، بل كاختبار لمدى قابلية الطرف الآخر للتراجع، ما يفتح الباب أمام مطالب إضافية. والغاية البعيدة لهذا المسار، وفق الرؤية الإيرانية، لا تقتصر على تعديل سلوك أو معالجة ملف بعينه، بل تستهدف إضعاف البنية الصلبة للدولة اقتصاديًا وسياسيًا، وصولًا إلى خلق اختلالات داخلية يمكن استثمارها لاحقًا لإعادة رسم موقعها ودورها الإقليمي.
أمام هذا الواقع، لا ترى إيران أن الخيار يكمن في الانغلاق أو رفض الدبلوماسية من حيث المبدأ، بل في إعادة تعريف شروطها. فالتجربة أظهرت أن الوعود الاقتصادية التي تُقدَّم مقابل تنازلات سيادية غالبًا ما تكون مؤقتة أو مشروطة، في حين تبقى الخسائر الإستراتيجية دائمة وغير قابلة للتعويض. ومن هنا، يُنظر إلى تعزيز القدرات الذاتية اقتصاديًا وتقنيًا وعسكريًا بوصفه الضمانة الأساسية لتحويل التفاوض من أداة ضغط إلى وسيلة دفاع عن الحقوق، في نظام دولي لا يعترف إلا بمن يمتلك عناصر القوّة الكفيلة بحماية سيادته ومنع تحويل الدبلوماسية إلى أداة تفكيك ناعم.