مقالات مختارة
وزارة داخل الوزارة | صناديق التعاضد: مليارات بلا رقابة؟
موارد ضخمة من دون رقابة وعقود بلا أساس قانوني وتمويل خارجي يثير شكوكًا حول السيادة المالية
فاتن الحاج - صحيفة الأخبار
في أروقة وزارة التربية، تختبئ "صناديق التعاضد" التي أُنشئت في الأصل لتكون شبكة أمان داعمة للمدارس والثانويات الرسمية المتعثّرة، ولتؤمّن استمرارية العمل الإداري والتربوي، سواء في مديرية التعليم الثانوي في وزارة التربية أو في المناطق التربوية. غير أنّ هذه الصناديق، التي راكمت قبل الأزمة المالية والاقتصادية مليارات الليرات، تحوّلت مع مرور الوقت إلى ملف إشكالي يثير تساؤلات جدّية حول الشفافية، وأوجه الانفاق، والرقابة الغائبة.
لفهم جذور هذه القضية، لا بد من العودة إلى ظروف تأسيس هذه الصناديق، والآليات التي نصّت عليها القرارات الرسمية لتمويلها وإدارتها، قبل التوقّف عند الإشكاليات التي رافقت تطبيقها. فصناديق التعاضد تشمل فئات متعدّدة وقد خُصّصت لتلبية حاجات مختلفة داخل القطاع التربوي، ولكل منها موارده الخاصة ومهامه المحدّدة.
من بين هذه الصناديق، صندوق المناطق التربوية، الذي أُنشئ بموجب القرار الرقم 1337/م/98 تاريخ 26/10/1998، ويُموَّل من 10% من مساهمات المدارس الرسمية، إضافة إلى الهبات والتبرّعات. كذلك أُنشئ صندوق الثانويات الرسمية بموجب القرار الرقم 700/م/2005 تاريخ 14/6/2005، ويعتمد في تمويله على 10% من مجموع واردات صناديق الثانويات سنويًا.
أمّا صندوق ضمان الخدم، فيُموَّل من خلال اشتراك تدفعه كلّ مدرسة أو ثانوية وفق عدد تلامذتها، ويهدف إلى تسديد اشتراكات الضمان الاجتماعي الخاصة بالأجراء والحراس العاملين في المدارس والثانويات الرسمية وفي المناطق التربوية. ويضاف إلى ذلك صندوق اللجنة العليا للأنشطة التربوية المدرسية، التابع لوحدة الأنشطة الرياضية والكشفية، والذي يُموَّل بدوره من اشتراك تسدّده المدارس والثانويات بحسب عدد تلامذتها، بهدف تنظيم الأنشطة والفعاليات والمسابقات المدرسية.
من حيث المبدأ، تُشرف على صناديق التعاضد وتديرها لجنة يرأسها رئيس المنطقة التربوية المعنية، أو مدير التعليم الثانوي في ما يخص صناديق الثانويات، وتضم عددًا من المديرين، يعاونهم موظف يتولّى مهام المحاسبة. وقد نصّ قرار إنشاء هذه الصناديق صراحةً على ضرورة إعداد مشروع موازنة سنوية لكل صندوق، والحصول على الموافقات الأصولية لتنفيذها، أو لانفاق أي مبالغ تتجاوز السقوف المُحدّدة قانونًا.
غير أنّ الواقع يشي بممارسات مختلفة. فمع أنّ التقديرات تشير إلى أنّ موجودات هذه الصناديق تجاوزت 9 مليارات ليرة قبل اندلاع الأزمة المالية عام 2019، وأنّ الانفاق السنوي لكل صندوق تخطّى المليار ليرة، إلا أنّ غالبية اللجان المشرفة كانت تودع وزارة التربية مشاريع موازناتها من دون إرفاقها بقطع الحساب، أي من دون المستندات التي تثبت أوجه الصرف والإجراءات المُعتمدة. وبذلك، تحوّلت هذه الصناديق عمليًا إلى "صناديق سوداء" مغلقة أمام الرقابة والمُساءلة، ما فتح الباب واسعًا أمام الهدر والشكوك.
لكنّ الأخطر لا يقتصر على حجم الأموال المتداولة، بل يتعدّاه إلى كيفية التصرّف بها، إذ جرى استخدام أموال صناديق التعاضد للتعاقد مع أكثر من 100 شخص في وحدات إدارية مختلفة داخل وزارة التربية، من دون أي سند قانوني يجيز ذلك. ويشمل هؤلاء عمّال مكننة، حجّابًا، ومياومين يؤدّون أعمال النظافة ونقل البريد وغيرها من المهام. ويضاف إلى ذلك أن أكثر من 80 متعاقدًا في المناطق التربوية يعملون أيضًا على حساب هذه الصناديق، في حين كانت تتم هذه التعاقدات بموافقات تصدر عن وزير التربية.
عمليًا، تُستخدم صناديق التعاضد كأداة لسدّ العجز المزمن في التوظيف الرسمي داخل وزارة التربية، عبر عقود غير قانونية تُبرم من دون أي إطار واضح للمحاسبة. غير أنّ الخطورة لا تكمن في هذا الاستخدام فحسب، بل في واقع أنّ هذه الصناديق باتت اليوم تُموَّل من المال العام.
فبعدما التزمت الحكومة اللبنانية بمجانية التعليم في مرحلة التعليم الأساسي في المدارس الرسمية، بدأت بتسديد المساهمات المتوجّبة عن كلّ تلميذ لمصلحة صناديق المدارس الرسمية وصناديق التعاضد المعنية، وذلك من الاعتمادات المرصودة للوزارة ضمن الموازنة العامة. ورغم المطالبات المتكرّرة بضرورة إخضاع صناديق المدارس وصناديق التعاضد لرقابة ديوان المحاسبة، لم يُتَّخذ أي إجراء فعلي في هذا الاتّجاه حتّى الآن، ما أبقاها عمليًا خارج أي مُساءلة حقيقية.
ومع انهيار الوضع المالي وتدهور سعر الصرف، دخلت منظمة اليونيسف على خط تمويل صناديق المدارس بالدولار، وفق آليات صرف محدّدة، ومن خلال تطبيق إلكتروني خُصّص لإعداد الموازنات ومتابعتها. غير أنّ هذه الأموال كانت تُحوَّل مباشرة إلى صناديق التعاضد، وسط غياب أي وضوح بشأن ما إذا كانت الموافقات الرسمية اللازمة قد صدرت لقبول هذه الهبات، أو ما إذا جرى إدراجها ضمن حسابات المدارس المعنية استنادًا إلى اتفاقيات سابقة مع الجهات المانحة.
كما أنّ هذه الهبات الدولية لم تُفلِح في إنقاذ الواقع المالي لهذه الصناديق. فسرعان ما تبيّن أنّ بعض صناديق التعاضد بات عاجزًا حتّى عن تأمين رواتب المتعاقدين العاملين على حسابه، نتيجة ضعف الواردات. وهو ما يكشف أنّ الأزمة أعمق من مسألة إجرائية تتعلّق بالموافقات الرسمية، بل تطاول في جوهرها بنية هذه الصناديق وقدرتها الفعلية على الاستمرار.
امتدّ العجز أيضًا ليكشف فوضى أعمق في إدارة صناديق التعاضد لضمان الخدم، إذ تُصرف الأموال بلا أي آلية واضحة، ما أدّى إلى تراكم متأخّرات تفوق المليار ليرة لصالح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قبل الأزمة، نتيجة فوضى التصريح عن الأجراء والتخلّف المزمن عن تسديد الاشتراكات.
وبين الأهداف المُعلنة والواقع المليء بالثغرات، تتجلّى صناديق التعاضد المدرسية كنموذج صارخ لإدارة المال العام في لبنان. فهي تجمع موارد ضخمة من دون أيّ رقابة جدّية، وتُبرِم عقودًا بلا أساس قانوني، في ما يثير التمويل الخارجي أسئلة خطيرة حول السيادة المالية. هذه الصناديق، التي كان يُفترض أن تكون أداة دعم للمدارس الرسمية، تحوّلت إلى مرآة للفوضى البنيوية التي تطبع الإدارة اللبنانية، حيث يختلط المال العام بالهبات الدولية في غياب الشفافية والمحاسبة.
وبذلك تحوّلت الصناديق عمليًا إلى "وزارة داخل الوزارة" وربما إلى مجلس خدمة مدنية لتوظيف العاملين، ما يطرح سؤالًا ملحًّا: أين الأجهزة الرقابية والقضائية، ولا سيما التفتيش المالي والنيابة العامة المالية، من هذا الملف؟