تكنولوجيا
خطر “التعفن الدماغي” الرقمي على التفكير العميق
الملخص: الاستهلاك غير الواعي للمحتوى الرقمي السريع، وعلى رأسه مقاطع Reels، يعيد تشكيل الانتباه والتفكير الإنساني نحو السطحية والاندفاع، ويضعف القدرة على التركيز العميق لدى الكبار والصغار على حد سواء.
أستاذ جامعي وباحث في الذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات، أُعنى بنشر المعرفة وتبسيط مفاهيم التكنولوجيا بلغةٍ سهلة تُناسب الجميع.
أكتب لأجعل التقنية مفهومة وآمنة في حياتنا اليومية، ولأساهم في بناء وعي رقمي مسؤول.
في السنوات الأخيرة، لم يعد مصطلح التعفن الدماغي الرقمي مجرد تعبير ساخر متداول على وسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح توصيف غير رسمي لظاهرة معرفية وسلوكية آخذة في الاتساع، ترتبط بالاستهلاك المفرط وغير الواعي للمحتوى الرقمي السريع، وعلى رأسه مقاطع الـ Reels والفيديوهات القصيرة ذات التدفق اللانهائي. هذا النمط من الاستهلاك لا يغيّر ما نشاهده فقط، بل يعيد تشكيل الطريقة التي نفكر وننتبه ونتعلم بها.
يقوم هذا المفهوم على فكرة أساسية تؤكدها أبحاث علم النفس المعرفي، وهي أن الدماغ يتكيف وظيفياً مع طبيعة المدخلات التي يتعرض لها باستمرار. عندما يصبح المحتوى اليومي مجزأ، سريع الإيقاع، قصير المدة، ومبنياً على الإثارة اللحظية، يتعود الدماغ على نمط معالجة سطحي قائم على القفز السريع بين المحفزات بدل التعمق فيها. مع الوقت، تتراجع القدرة على التركيز المستمر، ويصبح الانتقال من فيديو إلى آخر أسهل من البقاء مع فكرة واحدة أو نص طويل أو مهمة ذهنية معقدة.
تتجلى مصاديق التعفن الدماغي الرقمي في سلوكيات باتت مألوفة لدى الكبار والصغار على حد سواء. من أبرزها صعوبة إكمال قراءة مقال أو كتاب، الشعور بالملل السريع من الشرح المطوّل، الحاجة المستمرة للتحقق من الهاتف، والانجذاب القهري للمحتوى القصير حتى في أوقات العمل أو الدراسة. تشير دراسات حول تعدد المهام إلى أن المستخدمين الذين يستهلكون هذا النوع من المحتوى بكثافة يظهرون أداء أضعف في مهام الذاكرة العاملة والتحكم التنفيذي، أي في القدرة على تنظيم الانتباه ومقاومة المشتتات.
على المستوى العصبي، لا يعني ذلك حدوث تلف في الدماغ، بل تغيّراً في أنماط التنشيط العصبي. توضح أبحاث الدوائر العصبية أن الدوائر المرتبطة بالمكافأة الفورية والاستجابة السريعة تتعزز مع الاستخدام المستمر للمحتوى السريع، في حين تُهمَل الدوائر المسؤولة عن التفكير العميق، التحليل المتسلسل، والصبر المعرفي. هذا الخلل الوظيفي يفسر شعوراً شائعاً لدى كثيرين، يتمثل في الإرهاق الذهني رغم غياب الجهد الفكري الحقيقي.
تزداد خطورة هذه الظاهرة عند الأطفال والمراهقين، لأن أدمغتهم لا تزال في طور النمو والتشكّل. تشير الأدبيات العلمية إلى أن التعرض المبكر والمفرط لمحتوى رقمي سريع قد يؤثر سلباً في تطور الانتباه المستدام، والقدرة على التعلم العميق، وحتى في التنظيم العاطفي. في المقابل، لا يقل الخطر على البالغين، إذ يرتبط هذا النمط من الاستهلاك بانخفاض الإنتاجية، ضعف التركيز المهني، وتآكل القدرة على التفكير النقدي واتخاذ القرار الواعي.
أحد أخطر أبعاد التعفن الدماغي الرقمي يتمثل في الدور الخفي للخوارزميات. فالمستخدم في كثير من الأحيان لا يختار ما يشاهده، بل يُدفع إليه تدريجيا عبر أنظمة توصية مصممة لتعظيم زمن المشاهدة، لا لتعظيم القيمة المعرفية. هذا التحول من “المشاهدة الاختيارية” إلى “الاستهلاك القسري” يضعف استقلالية المستخدم، ويحوّل الانتباه البشري إلى مورد اقتصادي يُستنزف بلا وعي.
الدعوة إلى الحذر هنا ليست دعوة لمعاداة التكنولوجيا أو الانسحاب من العالم الرقمي، بل إلى استعادة الوعي والسيطرة. تشير الأبحاث إلى أن الآثار المعرفية لهذا النمط من الاستهلاك قابلة للتراجع عندما يغيّر الفرد سلوكه الرقمي. اختيار المحتوى بدل ترك الخوارزميات تختار، تقليل التصفح اللانهائي، تخصيص وقت للقراءة العميقة، والتعامل مع المنصات بوصفها أدوات لا موجّهات، كلها خطوات بسيطة لكنها فعالة في حماية الانتباه والقدرة العقلية.
في عالم يُقاس فيه النجاح بعدد الثواني التي تُسرق من انتباهنا، يصبح الوعي الرقمي شكلا جديدا من أشكال المقاومة. مقاومة لا تقوم على الانقطاع، بل على الاختيار.