خاص العهد
في خطوة أثارت جدلًا واسعًا على المستوى الإنساني والسياسي، أقدمت دولة الكويت على إدراج ثمانية مستشفيات لبنانية على قائمتها لمكافحة الإرهاب، بزعم ارتباطها بحزب الله. القرار لم يقتصر على الإجراءات المالية أو التجارية، بل شمل أيضًا تجميد أي تعامل مع هذه المستشفيات من قبل البنوك والشركات الكويتية، مما يهدد حق المواطنين اللبنانيين في الحصول على العلاج.
وقد كانت المستشفيات تُحترم ويُحظر استهدافها حتى في أصعب الحروب العالمية، بينما اليوم أصبحت هذه المؤسسات الطبية موضع شبهة رسمية على أساس سياسي، رغم دورها الحيوي في تقديم الرعاية لمئات الآلاف من المرضى سنويًا، بما في ذلك عمليات القلب المفتوح والخدمات الطبية المتقدمة الأخرى.
المستشفيات التي شملها القرار هي مستشفى الشيخ راغب حرب الجامعي في النبطية، ومستشفى صلاح غندور في بنت جبيل، إضافة إلى مستشفى الأمل ومستشفى دار الحكمة في بعلبك، ومستشفى سان جورج في الحدث، ومستشفى البتول في الهرمل، ومستشفى الشفاء في خلدة، ومستشفى الرسول الأعظم (ص) على طريق مطار بيروت.
هذه المستشفيات تعالج نحو مليون مريض سنويًا من مختلف الطوائف والمناطق اللبنانية، وتقدّم خدمات طبية حيوية لا تقتصر على فئة معينة، بل تؤدي دورًا وطنيًا جامعًا في الرعاية الصحية.
الوزير جبق.. سابقة لم يشهدها التاريخ
في هذا السياق، وصف الدكتور جميل جبق، وزير الصحة الأسبق، القرار بأنه سابقة خطيرة في تاريخ البشرية، مشيرًا إلى أن حتى خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، كانت المستشفيات تُحترم ويحظر استهدافها، وكانت الإشارات الطبية على المباني كافية لتجنب ضربها، مضيفًا أن ما يحدث اليوم غير مسبوق إطلاقًا.
وأوضح جبق في تصريح لموقع العهد الإخباري أن القرار يستهدف مستشفيات تعالج المرضى من جميع الطوائف والمناطق اللبنانية، مؤكدًا أنها مؤسسات طبية وليست سياسية، سائلًا عن المنطق الذي يسمح لدولة بتصنيف مستشفى يقدم خدمات طبية بحتة كمؤسسة إرهابية أو منع التعامل معه.
وحذر جبق من أن القرار يأتي في وقت تتدهور فيه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية في لبنان، معتبراً أن هذه المستشفيات يجب أن تكون ملاذًا للمرضى ودعمًا للعلاج لا هدفًا للعقوبات والملاحقة.
وأضاف أن ما يترجمه القرار عمليًا هو معاقبة كل من يلجأ لهذه المستشفيات ومنعه من حقوقه الأساسية، وهو تصرف غير إنساني وغير أخلاقي، خاصة وأن القرار صدر عن دولة شقيقة.
على الصعيد السياسي، شدد جبق على ضرورة تحرك مجلس الوزراء اللبناني، داعيًا إلى استدعاء السفير الكويتي على الأقل لاستيضاح خلفيات القرار وتداعياته، مؤكدًا أن وزارة الخارجية اللبنانية هي الجهة المخوّلة متابعة الملف، إلا أن الغموض يكتنف دورها حاليًا، وقد يكون القرار مرتبطًا بضغوط أو إملاءات خارجية.
كذلك، حذر الوزير الأسبق من أن القرار يشكّل إجحافًا بحق نصف سكان لبنان وأكثر، ويمس المجتمع اللبناني بأسره، داعيًا إلى تصحيح القرار وإعادة العلاقات بين لبنان والدول الشقيقة إلى نصابها الصحيح.
ورأى أن تصنيف المستشفيات اللبنانية كمؤسسات إرهابية يُعد انحرافًا صارخًا عن الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية التي تحمي المؤسسات الطبية.
وختم الوزير جبق حديثه لموقعنا بالقول: "في لحظة يعاني فيها اللبنانيون من أزمات اقتصادية وصحية واجتماعية، تأتي هذه الخطوة لتزيد العبء على المواطنين، وتضع المجتمع اللبناني أمام تحدٍ إنساني وأخلاقي غير مسبوق، يهدد حياة المرضى وكرامة العاملين في القطاع الصحي".
عبيد: القرار يفتقر للأدلة القانونية
علق الخبير القانوني الدكتور حسين عبيد لموقع العهد الإخباري على القرار، واصفًا إياه بأنه خطوة غير قانونية وتدخل مباشر في شؤون دولة أخرى.
وأوضح عبيد أنّه من الناحية القانونية لا يمكن لأي دولة فرض عقوبات على مؤسسات استشفائية في دولة أخرى بدون وجود سبب قانوني واضح أو معطيات جنائية مثبتة.
وأشار إلى أنّه في حال كانت لدى هذه المستشفيات أي مخالفات إدارية أو مالية، كان من الممكن لدولة الكويت التواصل رسميًا مع وزارة الصحة اللبنانية أو الجهات المختصة عبر القنوات الدبلوماسية للتحقق أو المطالبة بتصحيح أي مخالفات، بدلاً من فرض عقوبات شاملة تعطل عملها الإنساني والطبي.
وأضاف عبيد: "ليس لها حق أن تفرض هذه العقوبات على مؤسسات استشفائية تقوم بدورها الطبي والإنساني دون أي دليل أو معطيات قانونية. هذا أمر غريب ويشكل سابقة خطيرة."
وأكد الخبير القانوني أنّه على الدولة اللبنانية، من خلال وزارة الصحة أو وزارة الخارجية، استيضاح سبب القرار ومدى صحته، مشددًا على ضرورة معرفة الأسباب الحقيقية التي دفعت الكويت إلى اتخاذ هذه الخطوة، خاصة وأنها جاءت، بحسب المعلومات المتوفرة، نزولًا عند توجيهات من وزارة الخزانة الأمريكية، ما يطرح تساؤلات حول مدى تأثير القوى الخارجية على القرار.
وأوضح عبيد أنّ هناك غموضًا واضحًا حول الجهة الكويتية التي أصدرت القرار، معتبرًا أن الوضوح القانوني أساسي لتحديد المسؤوليات، سواء كانت الحكومة الكويتية أو وزارة الصحة أو أي هيئة قضائية أو أمنية، لافتًا إلى أن هذا الغموض يضاعف الإشكالية القانونية والسياسية للقرار.
وأشار الدكتور عبيد إلى أنّ هذا القرار يأتي ضمن سياق استهداف بيئة سياسية واجتماعية وصحية محددة، ويشكل ضغطًا على المؤسسات اللبنانية في المجالات الصحية والمالية والاجتماعية، بما يخالف المبادئ القانونية الدولية المتعلقة بحرمة المستشفيات وحق الشعوب في الرعاية الطبية.
وختم عبيد بالقول إنّ هذه القضية تتطلب موقفًا رسميًا من الدولة اللبنانية واستفسارًا مباشرًا لدى الكويت لتوضيح الملابسات القانونية والسياسية المحيطة بالقرار، مشددًا على أن أي تجاوز للمعايير القانونية يعرض هذه الخطوة للمساءلة الدولية ويؤثر على العلاقات بين الدول الشقيقة.