اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي وزارة الاقتصاد تطلق مبادرة "سوا بالصيام" لخفض أسعار 21 سلعة غذائية  

مقالات

سنكمل الطريق.. أي مشروع وطني إستراتيجي للمقاومة!؟
مقالات

سنكمل الطريق.. أي مشروع وطني إستراتيجي للمقاومة!؟

106

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

يدفع شعار "سنكمل الطريق" الخاص بإحياء ذكرى الشهداء القادة لهذا العام إلى إجراء قراءة عامّة لمشروع المقاومة في لبنان من منطلقات إستراتيجية لا تنحصر في إطار الخيارات العسكرية بل تتجاوزها لتطلّ على الرؤية الشاملة للبنان من وجهة نظر وطنية صرفة، وهذا ما يستوجب مقاربة تجمع بين التاريخ والجغرافيا السياسية والواقع السوسيولوجي للبنان. 

منذ العام 1982 وحتّى اليوم، تحوّل مشروع المقاومة من "حالة عسكرية استثنائية" إلى "عنصر بنيوي" في الدولة والمجتمع اللبناني. ويمكن تفريع هذه القراءة إلى عدة عناوين رئيسية أهمها:

1. التطوّر الإستراتيجي من التحرير إلى الردع فالحماية الوطنية، ويمكن تقسيم هذا العنوان إلى عدة مراحل مفصلية أسهمت في تشكيل الوعي الوطني:

-    أولًا: مرحلة الانطلاق والتحرير (1982 - 2000): ركّز الهدف الأساسي للمقاومة في هذه المرحلة على إنهاء الاحتلال "الإسرائيلي" الذي وصل إلى العاصمة بيروت، وخاضت من أجل ذلك معارك ضارية حققت فيها الانتصار خصوصًا في عدواني العام 1993 والعام 1996، وكرّست معادلة توازن العرب وفرضت اتفاقًا مكتوبًا مع العدوّ لضمان الأمن للجنوب خصوصًا وللبنان عمومًا، إلى أن نجحت في فرض أول انسحاب "إسرائيلي" من أرض عربية دون قيد أو شرط أو "اتفاق سلام"، ما أعاد للبنان سيادته على معظم أراضيه باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وما تحقّق كان هدفًا وطنيًا بامتياز استفادت منه الدولة والحكومة في إعادة تشكيل النظام بعيدًا عن الضغوطات السياسية والعسكرية التي يفرضها الاحتلال والقوى الاستعمارية الكبرى.

-   ثانيًا: مرحلة التوازن والردع (2000 - 2006): طوّرت المقاومة مشروعها الإستراتيجي من "تحرير الأرض" إلى "حماية الدولة"، فقد أسّس الانتصار التاريخي للمقاومة في عدوان تموز 2006 لمعادلة ردع منعت الاحتلال من ممارسة عدوانه وتنفيذ اجتياحاته البرية الواسعة التي كانت سمة مرحلتي السبعينيات والثمانينيات، وفرض هذا الانتصار نوعًا من الاستقرار الداخلي على المستويين الأمني والعسكري استمر على مدى 18 عامًا، واستطاع خلالها الجيش اللبناني الانتشار حتّى الحدود مع فلسطين المحتلة ووجهًا لوجه أمام جنود العدوّ في الجانب الفلسطيني المحتل.

-    ثالثًا: مرحلة التكامل الإقليمي وحماية الثروة الوطنية (2006 وما بعدها): قدّمت المقاومة نفسها وإنجازاتها للدولة اللبنانية عنصر قوة لممارسة سيادتها على مواردها الذاتية، وسخّرت سلاحها لحماية الثروات الوطنية البحرية (الغاز والنفط) وكذلك في ترسيم الحدود، ما جعل سلاحها "قوة تفاوضية" خلف الدولة، ومنعت العدوّ من التمادي في قضم الأرض اللبنانية وأجبرته على الالتزام بشريط ترسيم محدّد في البرّ والبحر بما يكفل الحفاظ على المقدّرات الإستراتيجية اللبنانية.

2. المقاومة جزء أساسي في بناء الهوية الدفاعية الوطنية، فعلى الرغم من التباينات التي يحاول خصوم المقاومة تسويقها لإسقاط الخيار العسكري والترويج للبديل الدبلوماسي الذي لم يأتِ على لبنان إلا بالمزيد من فقدان السيادة والتنازلات أمام الأميركي و"الإسرائيلي"، إلا أن المقاومة كرّست مجموعة ثوابت وطنية انعكست على لبنان مزيدًا من الاستقلال والمنعة وأهمها:

-   كسر مقولة "قوة لبنان في ضعفه"، والتي سعى مطلقوها المهادنون للاحتلال إلى تسويغ الوهن والاستسلام، واستبدالها بقاعدة "قوة لبنان في مقاومته وقدرته على المواجهة"، ودخلت هذه القاعدة في إطار المشروع الوطني الإستراتيجي الذي يجتمع عليه اللبنانيون من خلال الإيمان بالقدرة على الانتصار وتجاوز عقدة الهزيمة.

-    الاندماج في كيان الدولة: وهناك نقطتان مفصليتان في هذا السياق، أولاهما إسقاط المحاولات التي سعت إلى تصوير حزب الله والمقاومة على أنهما خارج النسيج الوطني، وهذا أمر يجافي الحقيقة ويعارض الوقائع السياسية والمحطات التاريخية ولا سيّما بعد اتفاق الطائف، حيث انخرط حزب الله في الندوة البرلمانية في العام 1992 وفي العمل الحكومي في العام 2005، وأثبت حضوره الشعبي والاجتماعي والمؤسساتي على مساحة الوطن كلّه، وثانيتهما إسقاط السجال الداخلي المفتعل حول سلاح المقاومة، فوجهة هذا السلاح فقط نحو الاحتلال الصهيوني الذي كان وما يزال يتهدّد لبنان، والعامل الأهم في هذا الإطار التنسيق الدائم والعالي المستوى مع الجيش اللبناني قيادة وتشكيلات، وهو ما كرّس معادلة الجيش والشعب والمقاومة، والتي أصبحت واقعًا ميدانيًا حمى لبنان أيضًا من مخاطر الإرهاب التكفيري على الحدود الشرقية، حيث تلاحم سلاح المقاومة والجيش في معركة تحرير الجرود.

3. التضحيات البشرية والمادية، حيث لا يمكن إغفال الأثمان الباهظة والكبيرة التي دفعتها المقاومة وبيئتها، والتي تمثّلت في أبعاد عدّة أهمها:

-    بنية المقاومة السياسية والعسكرية: لعلّ أكبر هذه الأثمان تجلّى في استشهاد ثلة كبيرة من القادة والكوادر العاملة في حزب الله والمقاومة في المجالات كافة السياسية والإعلامية والعسكرية والطبية والاجتماعية وغيرها، وخصوصًا في حرب أيلول 2024، وفي مقدمتهم سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين، ولكن هذا المنحى في التضحيات ليس غريبًا عن المقاومة منذ بداية الصراع مع العدوّ الصهيوني، فلطالما قدّم حزب الله قادته وكوادره ومجاهديه شهداء على مذبح القضية الوطنية، وإلا لما استطاعت المقاومة تحقيق الإنجازات الكبيرة وصوغ المعادلات، والوقائع الميدانية التاريخية تشهد بذلك، ولعلّ الواقعة الأهم منع العدوّ من تحقيق أي تقدّم بري عند الحدود خلال حرب أيلول 2024 على الرغم من حشده أكثر من 75 ألف جندي وتفوّقه في البحر والجو والفضاء والترسانة الحربية الهائلة، ومنعه من تحقيق هدفه بالقضاء على المقاومة.

-    البيئة الحاضنة: تكبّدت بيئة المقاومة، خصوصًا في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع عبئًا كبيرًا نتيجة فقدان القادة والشباب بما يمثل نزفًا للقوة البشرية اللبنانية، فضلًا عن النزوح والدمار بسبب الاجتياحات والاعتداءات "الإسرائيلية" المتكرّرة، وهذا ما أدّى إلى نشوء ضغوط هائلة نفسية واقتصادية واجتماعية على المقاومة وبيئتها، إلا أن الصبر والصمود الذي تبديه هذه البيئة أجهض كلّ محاولات البناء على الخسارة لتسويق الهزيمة والاستسلام، ولا يمكن تصنيف موقفها على مستوى الرؤية الوطنية إلا أنه ضريبة كرامة دفعتها المقاومة وشعبها والمؤمنون بها ليبقى الوطن عزيزًا وسيدًا ومقتدرًا، وكلّ  هؤلاء من شهداء وجرحى وأسرى لبنانيون مترسّخون في الوطنية.

4. التحدّي الوجودي، فقد نجح المشروع الإستراتيجي الوطني للمقاومة في تحويل لبنان من ساحة مستباحة إلى عنصر إقليمي فاعل وليس مجرد رقم في المعادلات الإقليمية والدولية، ما يستدعي مأسسة هذه القوّة ضمن إستراتيجية دفاعية وطنية شاملة تضمن حماية لبنان، بحيث تستفيد الدولة من قدرات المقاومة وتحصين استقلالها وسيادتها، فمشروع المقاومة لا يتعارض مع مشروع الدولة بل أحدهما مكمّل للآخر، والحل هنا لا يكون في نزع سلاح المقاومة بل في استثماره لدعم الجيش والقوى الأمنية الرسمية حال حصول أي عدوان خارجي على لبنان (جرى التداول في هذا الطرح على طاولة الحوار الوطني في العام 2012)، وبالتالي فلا وجود لأي تعارض بل تكامل للمهام وتوزيع للأدوار، والأجدى تسليح هذه المقاومة بشكل أكبر وأفعل بموازاة الجيش، خصوصًا أن "الفيتو" الأميركي يمنع بناء جيش قوي قادر على التصدي للعدوان وإحباط الأهداف التوسعية "الإسرائيلية"، وهذا ما يحمي لبنان من استهداف مؤسساته الرسمية في حال وقوع حرب.

أما بالنسبة لقرار الحرب والسلم فهو طرح خارج عن دائرة النقاش، فالحرب مفروضة أساسًا مع استمرار تربّص العدوّ بلبنان شرًا، ولا يمكن الحديث عن السلم في ظل ما يعلنه هذا العدوّ بشكل دائم من مشاريع توسّعية تحت عنوان "إسرائيل الكبرى"، وهذا يقودنا إلى تفنيد مقولة "حصرية السلاح وشرعيته"، فهذا السلاح مشرّع قانونًا (في لبنان والأمم المتحدة) وسياسيًا وشعبيًا وبحكم الأمر الواقع الذي يفرضه الاحتلال، فأي عدوان يستلزم وجود منظومة دفاعية كفيلة بالرد والمبادرة تحت عنوان "الدفاع عن النفس" وتطبيقًا لمبدأ "الانتماء للأرض"، فالمقاومون كما عامة الشعب هم أبناء الأرض والقرى اللبنانية التي يستهدفها العدوان الصهيوني، وتحرّكهم للدفاع عن انتمائهم لا يحتاج لإذن من أحد وهو فعل وطني وسيادي بامتياز.

وفي السياق ذاته فإن حقيقة الإنجاز تكرّس شرعية المقاومة ووجود سلاحها، فقد منح تحرير العام 2000 وما بعده المقاومة الشرعية التي تفوق بأهميتها ودستوريتها أي اعتراف قانون محلي أو دولي، وقد أهدت المقاومة هذا الإنجاز للدولة اللبنانية بكلّ أطيافها السياسية والحزبية والدينية في خطوة وطنية رائدة، وما تجاوب المقاومة راهنًا مع إجراءات انتشار الجيش جنوبي الليطاني إلا دليل آخر على إستراتيجية مشروعها الوطني، حيث لم تفرض إدارة ذاتية أو تنشئ كانتونات، ما يؤكد أن الهدف استعادة سيادة الدولة وليس تنفيذًا لأجندة إقليمية أو خارجية كما تدّعي الأبواق الأميركية و"الإسرائيلية" في لبنان، وطالما أن المقاومة أثبتت إمكانية المواجهة وتحقيق الإنجاز على الرغم من محدودية القدرات، فهذا يعني أنه كلّما تضاعفت قوة المقاومة ازدادت القدرة على الانتصار، وبالتالي تزداد قوة لبنان أكثر ويصبح بجيشه وشعبه ومقاومته ومؤسساته قادرًا على حفظ حدوده وحماية أبنائه ومؤسساته وتحصين استقلاله وسيادته، وهذا هو جوهر مشروع المقاومة الإستراتيجي، أما من يدعو إلى هيمنة أميركا و"إسرائيل" على لبنان فهو الدخيل على الوطن.

الكلمات المفتاحية
مشاركة