مقالات
كاتب من مصر
للمقاومة فلسفتها في إحياء المناسبات، وتلك الفلسفة تختلف عن الاحتفالات البروتوكولية أو التقليدية للدول والشعوب، فهي لا تقوم على مجرد التذكير، رغم أن الذكرى تنفع المؤمنين، ولا تقوم على مجرد الوفاء، رغم أن الوفاء من شيم المقاومين، وإنما تقوم على تجديد العهد وإكمال الطريق.
وتكتسب ذكرى القادة الشهداء ملمحًا خاصًا، لأن طريق الشهداء هو طريق الفداء والتضحية، وهو اختبار لقوة الإيمان وليس التلفظ أو التظاهر به، وبالتالي فإن تجديد العهد للشهداء واستكمال طريقهم، يخرج من نطاق الوفاء والتذكير ببعدهما الأخلاقي، إلى نطاق استكمال الطريق والالتزام حتّى الشهادة، ببعدهما العسكري والإستراتيجي.
ومن منظور عربي عام ومصري خاص، شكل القادة الشهداء بعثًا للحماسة والحمية التي كادت تضيع مع الدخول في عصر تم وصفه زورًا بالسلام، وأريد به طمس الذاكرة القريبة للمصريين الذين قدموا الشهداء ومنهم القادة على الجبهات من أمثال الشهيد عبد المنعم رياض.
وإن كانت المقاومة الفلسطينية وعملياتها المستمرة بعد "كامب ديفيد"، بمثابة الحفاظ على أصل القضية، فقد شكلت المقاومة في لبنان أملًا جديدًا في قومية القضية عربيًا وإسلاميًا، وإنعاشًا لمقاومة الشعوب، وتجديدًا للثقة في رجال الدين، بعد أن انحرف الخطاب الديني الرسمي ليهلل للسلام ويبارك للاتفاقيات مع الصهاينة.
فقد كان نموذج الشيخ راغب حرب كرجل دين نموذجًا ملهمًا بعد أن ساءت سمعة التيارات الدينية التي تماهت مع الأنظمة التي شنت الدعايات على المقاومة وحركات التحرر الوطني واتّخذت من مؤتمرات إسلامية منصات للدعاية ضدّ جمال عبد الناصر وقادة التحرر الوطني، وبدت المقاومة حكرًا على اليسار والتيارات العلمانية.
وبالتالي كان نموذج الشهيد الشيخ راغب حرب وأستاذه السيد موسى الصدر والتزامن مع الثورة الإسلامية في إيران، وتأسيس حركة الجهاد على يد الشهيد فتحي الشقاقي، بمثابة رد اعتبار للإسلام بوجهه المقاوم، وهو ما فتح الباب لتيارات جديدة بمصر استطاعت الجمع بين الفكر اليساري بوجهه الاقتصادي وبين الفكر الإسلامي المقاوم، بعد أن كانت توجهات التيارين متباعدة ومتناقضة.
وتناقلت منصات الحركات السياسية كلمات الشيخ راغب حرب، ومن أشهرها "الموقف سلاح والمصافحة اعتراف"، إلى جانب الأقوال المأثورة لقادة المقاومة في جميع التيارات باختلاف توجهاتها.
ومع نشأة حزب الله وتنامي المقاومة للاحتلال "الإسرائيلي"، وبروز الشهيد السيد عباس الموسوي بطلته المحبّبة وخطابه الثوري الحماسي، تجدد الأمل في جبهة لبنان بعد حالة الإحباط التي خلّفها خروج المقاومة الفلسطينية منها، وشكلت شهادته عبر الاغتيال الغادر صدمة وحزنًا لدى أنصار المقاومة في مصر، وهو ما تم تعويضه سريعًا بقيادة تاريخية أسطورية لسيد شهداء المقاومة السيد حسن نصر الله والذي رفعت صوره بميادين مصر إلى جانب الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
أما الشهيد عماد مغنية فقد تحول إلى بطل أسطوري يشبه الأبطال في التراث المصري، عبر رحلته الجهادية التي تميّزت بالدهاء والشجاعة والعبقرية العسكرية، وتحولت ثنائية الشهيد نصر الله والشهيد مغنية إلى ثنائية شعبية على غرار الكثير من قصص التراث البطولية، ولا سيما بعد حرب تموز وما رشح عنها من بطولات عسكرية وسياسية أسطورية.
ورغم الدعايات التكفيرية التي لاحقت حزب الله وقادته في مصر عبر أبواق الحركات التكفيرية المدعومة والموجهة من استخبارات خليجية، إلا أن هذه الدعايات أكدت صوابية وشرف المقاومة الإسلامية في لبنان وقادتها لدى أصحاب الوعي في التيارات السياسية وكذلك الشعبية، لأنها ذات الأبواق التي كفّرت زعماء مصر والعرب المقاومين.
ورغم تأثر بعض القطاعات بهذه الدعايات، إلا أنه تغير لاحقًا بعد أن أثبتت الأحداث مصداقية المقاومة ولا سيما في طوفان الأقصى وأن محورها حصرًا هو الذي تصدّى للكيان وأميركا في حين تخلت الأنظمة وحركات التكفير عن فلسطين وشعبها الذي يواجه حربًا للإبادة.
يكفي شرفًا للقادة الشهداء أنهم كانوا على قوائم العدوّ ومكافآته المالية لمن يرشد عنهم، وهو مصداق لخطرهم الإستراتيجي على المشروع الاستعماري، ويكفي أنهم استشهدوا في مواقع القيادة التي قد توفر الحماية لأصحابها في العديد من الحركات والتيارات فيما تدفع بالجنود والشباب لخطوط النار، ويكفي أنهم أكملوا مسيرة من سبقهم ولم يشكّل الموت لهم فزاعة تثنيهم عن خيار المقاومة والفداء.
إن القادة الشهداء شكلوا قدوة، ليس لمن تبعهم في لبنان فقط، بل في خارج لبنان، فوجدنا قادة حماس والجهاد وكلّ حركات المقاومة مشاريع شهادة، ومنهم من ارتقى شهيدًا ومنهم من يشتاق للشهادة ويعدّها وسامًا وتكريمًا لرحلة الجهاد والمقاومة.
وهؤلاء القادة هم من حددوا عوامل الفرز والمصداقية والتي تستطيع الشعوب العربية والإسلامية بتطبيقها والقياس بها، أن تحكم على الحركات والأنظمة والأفراد وعلى مواقفهم ومصداقيتهم وشرفهم.
وفي مصر التي تتطلع لعودة زمن المقاومة، فإنهم في لوحة الشرف المصرية إلى جانب أبطال مصر التاريخيين، وليس في مصر وحدها بل في كامل الدول العربية والإسلامية، بل ولن نبالغ إن قلنا في أوروبا وأميركا وكافة أنحاء العالم الذي استيقظت قطاعات ليست هينة من شعوبه مع تنامي المقاومة وسقوط سرديات الصهاينة وراعيهم الأميركي.
ومع شعار "سنكمل الطريق"، يبقى الأمل دومًا في المقاومة واستمراريتها، ويبقى أمل الأمة في النجاة من الاستعباد، لأن الطريق هو طريق المقاومة والكرامة، ولا طريق غيره للنجاة.