اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات الإيرانية.. عراقجي: تقدُّم جيد ومسار أوضح

مقالات

مكاسب العراق من خفض التصعيد بين أميركا وإيران
مقالات

مكاسب العراق من خفض التصعيد بين أميركا وإيران

68

كاتب من العراق

في الوقت الذي تبدو صورة المفاوضات الجارية حاليًّا بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، غامضة وضبابية، أبدت أوساط ومحافل سياسية عراقية حرصها على مراقبة التطورات ومتابعة المستجدات التفصيلية في هذا الملف بدقة وعناية، والعمل على دفع الأمور إلى الأمام في سياق جهود بغداد ومساعيها المتواصلة بأكثر من اتّجاه، وعلى أكثر من صعيد لنزع فتيل التوترات وتخفيف حدة الأزمات في المنطقة.

  وخلال الشهور القلائل الماضية، تحدث عدد من كبار المسؤولين الحكوميين العراقيين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ووزير خارجيته فؤاد حسين، عن أهمية توصل كلّ من واشنطن وطهران إلى اتفاق أو تفاهم يفضي إلى احتواء خلافاتهما، معتبرين أن أي تفاهم بين الطرفين المتخاصمين منذ سبعة وأربعين عامًا، من شأنه أن ينعكس إيجابًا على العراق وعموم المحيط الإقليمي.

  وربما لا يكون خافيًا على المتابعين والمهتمين، طبيعة الحراك العراقي المعزز للحراك العماني من أجل فك بعض العقد المستعصية والعراقيل القائمة في طريق التفاهم الإيراني - الأميركي.

  ولعلّ ما يسجل للدبلوماسية والسياسة الخارجية العراقية خلال الأعوام الثمانية المنصرمة نجاحها في إحداث حلحلة إيجابية في بعض ملفات المنطقة الشائكة، من قبيل ملف العلاقات الإيرانية - السعودية، إذ احتضنت بغداد عددًا من جولات الحوار بين الطرفين المتخاصمين، وساهمت مع مسقط في تقريب وجهات النظر وكسر العديد من الحواجز بين طهران والرياض. ولم تكن بشكل أو بآخر بعيدة عن ترتيبات الهدنة بين السعودية وحركة أنصار الله اليمنية (الحوثيين).

  وتعود خلفيات الاهتمام العراقي بإبرام اتفاق إيراني - دولي حول برنامجها النووي إلى عام 2012، في عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، عندما استضافت ورعت بغداد مباحثات بين طهران ومجموعة خمس زائد واحد، من أجل تقريب المواقف والتأسيس لأجواء حوار إيجابي مثمر يفضي إلى نتائج ومخرجات عملية. وبالفعل، كان ذلك الاجتماع بداية لانخراط العراق في العمل الجاد للتوصل إلى اتفاق واقعي يرضي الفرقاء، ويساهم في تخفيض حدة التوّتر في المنطقة، ومن ثمّ إخراجه من دوامة التصادم والاحتقان بين الخصوم الإقليميين والدوليين.

  ولا شك أن هناك تأثيرًا متبادلًا على نطاق واسع وكبير بين الشأنين العراقي والإيراني، ذلك التأثير الذي فرضته عوامل جغرافية وتاريخية وسياسية وأمنية واقتصادية وثقافية ودينية، من الصعب بمكان - إن لم يكن مستحيلًا - تجاهلها والتغافل عنها مهما كانت الظروف والأحوال.

 ومما لا خلاف ولا اختلاف حوله هو أن إيران منذ سقوط نظام صدام في ربيع عام 2003، تعاطت بصورة إيجابية مع العراق، رغم التراكمات السلبية لمرحلة حرب الثمانية أعوام (1980 - 1988) بين الطرفين، فقد كانت في مقدمة الدول التي فعّلت ونشطت تمثيلها الدبلوماسي في بغداد، ووسعته لاحقًا عبر فتح قنصليات لها في المحافظات الأساسية في الجنوب والوسط والشمال، كالبصرة والنجف وكربلاء وأربيل والسليمانية، ودعمت العملية السياسية، رغم ملاحظاتها وتحفظاتها على الوجود والدور الأميركي السلبي فيها، وعززت علاقاتها الاقتصادية مع العراق، وقدمت له الإسناد والدعم الضروري في مجالات الطاقة والإعمار، والأهم من ذلك كله، ألقت بكلّ ثقلها إلى جانبه حينما اجتاح تنظيم "داعش" الإرهابي في صيف عام 2014 مدينة الموصل ومناطق ومدنًا عراقية أخرى، وكاد أن يستبيح العاصمة بغداد والمدن التي تحتضن العتبات الدينية المقدسة، لولا فتوى الجهاد الكفائي للمرجع الديني السيد علي السيستاني والدعم الإيراني.

وبقدر ما كانت إيران حريصة على استقرار العراق وأمنه وازدهاره، انطلاقًا من ثوابتها السياسية والدينية من جانب، ومصالحها السياسية والأمنية والاقتصادية من جانب آخر، بقدر ما كان العراق يحرص على إنهاء حالة الخصام والعداء بين إيران ومحيطها العربي بالدرجة الأساس، وكذلك مع المجتمع الدولي، إدراكًا منه أن إنهاء ذلك الخصام والعداء يمثل مدخلًا مهمًا ومفتاحًا رئيسيًا من مفاتيح استقراره السياسي وازدهاره الاقتصادي وتماسكه الأمني.

وبما أن إعادة إحياء الاتفاق النووي، ستعود على إيران بمنافع ومكاسب سياسية واقتصادية كبيرة، لعلّ أبرزها التخفيف من الضغوط والأزمات الاقتصادية التي ألقت بظلالها الثقيلة على الشارع الإيراني خلال الأعوام الماضية، وتحريك عجلة الاقتصاد بوتيرة أسرع، وفتح آفاق جديدة له، لذا فإن العراق سوف يكون أحد أبرز الأطراف التي تستفيد من تفاهمات طهران مع واشنطن بشأن برنامجها النووي، لأن ذلك من شأنه أن ينشط مجمل حركة التبادل التجاري، والتعاون الاقتصادي، وتعزيز المشاريع والخطط الاستثمارية، علمًا أن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز الاثني عشر مليار دولار سنويًا، ويؤمل أن يصل في غضون خمسة أعوام إلى عشرين مليار دولار. فضلًا عن ذلك، فإن إعادة إحياء الاتفاق النووي، من شأنها أن تضمن تزويد إيران للعراق بكميات الغاز المطلوبة لتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية.

وعلى الصعيد السياسي، فإن إعادة إحياء الاتفاق النووي، تعني نزع فتيل التوتر، وخفض مستويات التأزيم والاحتقان إلى حد كبير، ويتعزز ذلك، بالمصالحات والتسويات الإقليمية بين الفرقاء، وكلّ  ذلك وغيره، لا بد أن ينعكس على عموم الواقع السياسي العراقي بتعقيداته وتشابكاته وتناقضاته وتنوّع أولوياته، وهو من زاوية أخرى، يعني إمكانية تحقيق المزيد من المكاسب الأمنية، التي تشكّل مقدمات وأرضيات مهمّة للاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي، والسلم المجتمعي.

وارتباطًا بالكيان الصهيوني، فإن معرفة حقيقة ومستوى القلق من العودة إلى الاتفاق النووي، أو من أي تفاهمات إيرانية - أميركية، وما يترتب عليها من مكاسب ومنافع لإيران، باعتبار أن "إسرائيل" تعدّ الأخيرة عدوّها الأخطر والأكبر، والعكس صحيح أيضًا، يفضي ذلك الفهم إلى الإقرار ببديهية ما يكسبه ويحققه أصدقاء إيران من العودة إلى الاتفاق، ولا شك أن العراق من أهم أصدقاء إيران وأبرز وحلفائها. وكثيرًا ما ردّد ساسة وقادة أمنيون وعسكريون صهاينة خلال الأعوام القلائل الماضية أن "التخلي عن اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية - التي بالرغم من عيوبها كانت ناجحة لصالح إستراتيجية قسرية ضدّ إيران - فشلت بجميع المقاييس في تحقيق النتائج التي تنبأ بها بثقة أولئك المؤيدون لترامب"، ناهيك عن أن وسائل إعلام "إسرائيلية" واسعة الانتشار، تنقل عن كبار القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين في "تل أبيب"، قولهم "إن "إسرائيل" غير معنية بأي اتفاق لا يدفع نحو تفكيك القدرات الإيرانية كافة. اتفاق جيد ينبغي له أن يعيد إيران إلى الوراء بدلًا من تجميد الخطة أو تأجيلها قليلاً".

 بيد أنه في كلّ الأحوال، لا ينبغي الاستغراق في التفاؤل كثيرًا، كما لا يجوز الاستغراق في التشاؤم بغياب التفاهم أو الاتفاق، لأن ثوابت الفرقاء ومساراتهم ومنهجياتهم لن تلتقي وتتوافق كثيرًا، وأي اتفاق مهما كانت مضامينه وحدوده وأبعاده لن يحوّل الخصوم إلى حلفاء، ولا الأعداء إلى أصدقاء، والعراق لن يكون خارج كلّ المعادلات بتفاعلاتها وتداعياتها المحتملة والممكنة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة