اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي فعالية "عام على مواراة الشمس" عصر الأحد في مرقد سيد شهداء الأمة

مقالات

بين ماكس فيبر وجنوب الليطاني: سيرة الدولة المستقيلة
🎧 إستمع للمقال
مقالات

بين ماكس فيبر وجنوب الليطاني: سيرة الدولة المستقيلة

127

تقوم الدولة في النظرية السياسية الحديثة على ثلاثة أركان هي الأرض المحددة والشعب المستقر والسلطة السيادية التي تحتكر العنف المشروع، وفق تعريف عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر. لكن هذا التعريف التقني لا يكفي وحده، إذ تحتاج الدولة أيضاً إلى شرعية نابعة من قبول طوعي من مواطنيها وإلى سردية جامعة تبرر وجودها وتمنح معنى للانتماء إليها، وعندما تغيب هذه السردية أو تتفتت بين روايات متصارعة يتحول الكيان السياسي إلى إطار قانوني هش لا ينتج ولاءً وطنياً بقدر ما يترك المجال مفتوحاً أمام ولاءات فرعية طائفية أو عشائرية أو حزبية أو حتّى خارجية.
تعتمد فكرة الانتماء في الدولة الحديثة على ما سماه الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو بالعقد الاجتماعي حيث يتنازل الفرد عن جزء من حريته لصالح سلطة عامة تحميه وتضمن حقوقه. غير أن هذا العقد يفترض مساواة قانونية وعدالة مؤسساتية، فإذا اختل التوازن بين الواجبات والحقوق تتآكل الثقة ويتحوّل الانتماء من رابطة مواطنة إلى علاقة اضطرارية. وفي المقابل حين تعجز الدولة عن إنتاج هوية وطنية جامعة تبرر وجودها تبرز الهويات المغلقة بوصفها ملاذاً نفسياً وسياسياً حيث يصبح الانتماء إلى الطائفة أو الجماعة أقوى من الانتماء إلى الوطن ليس بدافع الأيديولوجيا فقط بل بدافع الحماية والمصلحة.

إن إعلان الدولة اللبنانية بسط سلطتها ووصايتها على منطقة جنوب الليطاني يضعنا أمام إشكالية السيادة الاسمية، فحين تعجز هذه السلطة عن حماية أبناء تلك المنطقة من القتل اليومي الممنهج يصبح التساؤل مشروعاً عن أي دولة نتكلم، فالسيادة ليست مجرد انتشار عسكري أو بروتوكولات دولية بل هي قبل كلّ شيء قدرة الدولة على صون حياة مواطنيها. إن استشهاد الطفل علي حسن جابر وهو ابن عسكري في قوى الأمن الداخلي يختصر الحكاية كلها، إذ كيف لدولة أن تطلب الولاء من أبنائها وهي تعجز عن حماية دمائهم من عدوان غاشم يستهدفهم في أرزاقهم وأرواحهم دون أن تحرك ساكناً أو توفر لهم الحد الأدنى من مقومات الصمود.

ماذا فعلت الدولة لتحمي مواطنيها؟ وماذا قدمت لأهالي الضحايا؟ وهل أمنت أماكن إيواء لهم أو بنت الملاجئ لتقيهم الهجمات المتوحشة؟ وهل سألت ماذا يأكلون وماذا يشربون؟ إن استشهاد علي جابر ووالده ظلماً وعدواناً يجسد قمة المأساة، حيث تظفر الدولة بدماء أبنائها بينما تعجز عن صون أرواحهم. وبحسب أرقام الدولية للمعلومات فإن الفترة الممتدة من تشرين الثاني 2024 حتّى تشرين الثاني 2025 شهدت سقوط 340 شهيداً و977 جريحاً وتسجيل 4830 خرقاً، أما الحصيلة الكلية منذ تشرين الأول 2023 ولغاية اتفاق وقف إطلاق النار فقد بلغت 4068 شهيداً و16690 جريحاً ودمار 53 ألف وحدة سكنية وتضرر 317 ألفاً، مع تجاوز إجمالي الخروقات "الإسرائيلية" حاجز 11 ألف خرق في استباحة كاملة لكل السياسات الحمائية المفترضة.

ثمة فرق جوهري بين دولة موجودة في النصوص والدولة القائمة فعلاً في الممارسة اليومية، فالدولة التي تملك علماً ونشيداً وسفارات لكنّها تفتقر إلى سيادة كاملة على قرارها أو إلى قدرة عادلة على توزيع الموارد هي رمز فارغ، المواطن اللبناني اليوم يحمل جواز سفر لكنّه لا يشعر بأن الدولة تمثله أو تحميه، ويدفع ضرائب من قلقه وصموده دون أن يلمس خدمات حقيقية، ويصوت في انتخابات لا تغير من واقع السياسات شيئاً. هكذا تتكرس الفجوة العميقة بين الدولة كفكرة والدولة كواقع مرير يترك المواطن وحيداً في مواجهة البرد والجوع والعدوان. وللتذكير فإن ما دفع أهل الجنوب تحديداً لحمل السلاح والدفاع عن أنفسهم هو غياب الدولة عن القيام بواجباتها تجاههم وحرمانهم لأبسط حقوق العيش منذ تأسيس هذا الكيان، والآن ثبت بالفعل والقتل اليومي أن الدولة ما زالت غائبة كلياً عمّا يجري في الجنوب، فعندما تتسلل قوة "إسرائيلية" وتخطف لبنانياً من بيته وتروع عائلته وتقتل عامل بلدية وأطفالاً ونساءً وشيوخاً لا علاقة لهم سوى الانتماء إلى هذه الأرض فعلى الدولة أن تستقيل وعلى الشعب حماية نفسه بشتى الوسائل.

هل يعقل أن نتسمر أمام هول ما حصل للشهيد أحمد ترمس أو نصمت أو نلطم لما نواجهه من صلف وقهر، باتت الدولة وأركانها جزءاً كبيراً منه؟ ففي اللحظات الأخيرة قبل الغارة على طلوسة، تلقّى أحمد ترمس اتصالًا هاتفيًا عرّف فيه المتصل عن نفسه بأنه من الجيش "الإسرائيلي"، واضعًا أمامه خيارًا قاسيًا: إمّا أن يُستهدف مع من كانوا برفقته في المنزل، أو أن يكون الهدف وحده. لم يحتج الرجل إلى وقتٍ طويل ليفصل بين حياته وحياة الآخرين. طلب ممن حوله البقاء في الداخل، وخرج بهدوءٍ لافت، كأنّه اتّخذ قراره منذ زمن. توجّه إلى سيارته وأبعدها عن المنزل السكني، ساحبًا الخطر معه، قبل أن تُطلق المسيّرة صاروخين أصابا المركبة مباشرة. في تلك الثواني القليلة، اختار أن يحمل الموت وحده، وأن يترك للآخرين فرصة النجاة.

لا هيبة لمسؤول في هذه الدولة، ولا شرف يعلو فوق شرف الشهداء، وعلى الدولة التي لا تستطيع حماية مواطنيها أن تستقيل، فالتبجح بالإنجازات هو إقرار بالعجز إذا لم يكن الإنجاز الأول هو حماية الوطن والسيادة من الخروقات والمواطنين. إن من يقسم اليمين الدستورية على حماية شعبه عليه أن يتعظ ويقرأ جيداً المادّة الثانية من الدستور اللبناني التي تنص على وحدة الأراضي اللبنانية وحظر أي شكل من أشكال التقسيم أو الفدرلة القسرية أو الانفصال الذي يؤدي إلى اقتطاع جزء من الإقليم، كما تؤكد على حظر التنازل السيادي ومنع السلطة التنفيذية أو التشريعية من إبرام أي اتفاق يؤدي إلى التنازل عن جزء من الأراضي لصالح دولة أخرى، فالدولة التي تفرط في جوهر مادتها الدستورية الثانية وتصمت عن استباحة أرضها ودماء أطفالها تفقد مبرر وجودها الأخلاقي قبل القانوني.

الكلمات المفتاحية
مشاركة