مقالات مختارة
علي حيدر - صحيفة الأخبار
يُجسِّد العدوان "الإسرائيلي" في البقاع حلقة إضافية في مسار تصعيدي مُتدرّج يستهدف لبنان والمقاومة. فحين تُستهدف مبانٍ بهذه الكثافة التدميرية، وتسقط أعداد كبيرة من الضحايا دفعة واحدة، فإن الدلالة لا تنحصر في بعدها الميداني، بل تتجاوز ذلك إلى الإيحاء بمحاولة واضحة لتعديل قواعد الاشتباك، وفرض معادلة جديدة تحت منطق الأمر الواقع.
غير أنّ دلالة هذا العدوان، والاعتداءات التي سبقته، لا تختصر بطبيعته أو توقيته، بل في السياق الذي يندرج فيه. فقد اختارت المقاومة في المرحلة الماضية تجنّب الانزلاق إلى مواجهة واسعة، إفساحاً في المجال أمام المؤسسات الرسمية للاضطلاع بدورها في حماية المواطنين، وسعياً إلى الحدّ من الكلفة المجتمعية لحرب قد يعمل العدوّ على توسيعها. إلا أنّ هذا الخيار لم يؤدِّ إلى تقليص الخسائر، بل أسهم عملياً في إعادة توزيع الأثمان على الزمن بدل إلغائها.
هنا تبرز معضلة يمكن وصفها بـ"خيار اللاخيار". فالامتناع عن الردّ العسكري لم يوقف الاعتداءات، ولم يؤدِّ إلى بلورة مقاربات رسمية أكثر فاعلية، بل سمح بترسيخ نمط عدواني أخذت كلفته تتسع تدريجياً لتطاول البشر والسيادة والاقتصاد والحالة النفسية العامة. ومع مرور الوقت، تحوّل ضبط النفس من أداة احتواء إلى مسار استنزاف مفتوح، تُدفَع أثمانه بالتراكم، فيما يعمل الطرف المقابل ضمن بيئة منخفضة التداعيات.
بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع تكرار الاعتداءات بوصفه سلسلة وقائع معزولة، بل كمؤشر إلى انتقال تدريجي نحو معادلة مغايرة، تتجاوز ما ساد الساحة اللبنانية منذ توقيع اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، ومحاولة لتثبيت وقائع جديدة، انطلاقاً من فرضية ضمنية مفادها أن هامش الفعل مفتوح، وأن الكلفة يمكن إدارتها من طرف واحد.
وعلى مدى الأشهر الخمسة عشر الماضية، قامت المقاربة الرسمية اللبنانية على فرضية أنّ الالتزام بمندرجات الاتفاق وتجنّب التصعيد قد يساهمان في احتواء الاعتداءات ومنع توسّعها. غير أنّ الحصيلة تكشف اختلالاً بنيوياً في معادلة الالتزام المتبادل: التزام لبناني فعلي بإجراءات الاتفاق في الجنوب، مقابل امتناع "إسرائيلي" مستمر عن تنفيذ موجباته. فلا انسحاب من النقاط المحتلة، ولا وقف للاعتداءات، ولا تقدّم في الملفات العالقة.
بل إنّ التصريحات الرسمية الصادرة عن "اسرائيل" تشير إلى تثبيت وجود عسكري في بعض المواقع ضمن مقاربة أمنية مُستحدثة تمتدّ تداعياتها إلى لبنان وسورية وغزة، ما يعكس تحوّلاً في البيئة الاستراتيجية المحيطة، لا مجرد خرق ظرفي قابل للاحتواء دبلوماسيًا.
الاستمرار في الرهان على الوساطة الدولية من دون أدوات ضغط مقابلة قد يطيل أمد التعرّض ويزيد كلفة الانتظار على المستويين البشري والسيادي
وعليه، فإن الاستمرار في الرهان على الوساطة الدولية من دون امتلاك أدوات ضغط مقابلة قد يتحوّل من خيار احترازي إلى عامل يطيل أمد التعرض، ما يزيد كلفة الانتظار على المستويين البشري والسيادي.
في هذا السياق، لم تعد دراسة خيار الرد مسألة رغبة أو اندفاع، بل مقاربة ترى فيه وسيلة لإعادة إدخال عنصر الكلفة في حسابات العدو، لتصحيح اختلال معادلة الثمن الناشئة عن التراكم: طرف يدفع باستمرار، فيما يعمل الطرف الآخر ضمن بيئة منخفضة المخاطر. ويعزّز هذا التوجّه الأداء الرسمي للدولة اللبنانية، الذي فوّت فرصة كسب ثقة شعبها عبر تجاهل معاناته، والمشاركة، بشكل أو بآخر، في التنكيل به من خلال تأجيل إعادة الإعمار لأكثر من 15 شهرًا ومنع وصول الأموال اللازمة للقيام بالمهمة.
في ظل غياب أفق زمني لمسار الاستنزاف القائم، لا يُنظر إلى الرد كبديل عن دفع الأثمان، بل كأداة لوقف تضخّمها اللانهائي. فترك تراكم الكلفة دون تدخّل يعني القبول الضمني بنمو تصاعدي لتكاليف مستقبلية قد تتجاوز بكثير كلفة الفعل المحدود في الحاضر.
وبين الاستمرار في دفع الأثمان منفردين أو إعادة توزيعها ضمن معادلة أكثر توازنًا، ينتقل النقاش من سؤال «هل ينبغي الرد؟» إلى: متى، وكيف، وبأي شكل يمكن كسر احتكار الكلفة ومنع تحويل الصبر إلى سياسة استنزاف؟ مع الإشارة إلى أن الردع، وفق الأدبيات الاستراتيجية وبمقاربة الطيف المُتدرّج التي نعتمدها بدل الثنائية الصفرية، ليس حالة موجودة أو غير موجودة، بل منظومة تتراجع قدرتها على المنع دون أن تفقد القدرة على الإيذاء أو رفع كلفة العدوان. التعامل معه بمنطق الصفر أو المئة قد يفتح الساحة الوطنية أمام مخاطر يصعب احتواؤها لاحقاً.
مع ذلك، هل يوجد بديل؟ نظريًا نعم، لكن طرفه الثاني - الدولة - غير جاهز، لأسباب تتجاوز الحسابات الوطنية الصرفة. فبإمكان لبنان، من حيث المبدأ، بناء استراتيجية دفاعية وطنية توازن بين دور الدولة ومقتضيات الدفاع غير النظامي، وإعادة تعريف مفهوم الدفاع بوصفه منظومة متعدّدة الأبعاد تشمل السياسة والدبلوماسية والاقتصاد والإعلام، إلى جانب القدرات العسكرية.
في الخلاصة، لا تكمن الإشكالية في نقص الأدوات، بل في مدى نضوج خيار الضرورة كبديل واقعي، في ظل تعثّر الدولة عن أداء الدور المأمول منها، ولو بالحد الأدنى الذي يسمح بتعديل معادلة الكلفة ومنع احتكارها من طرف واحد. ومع تعثّر المسارات البديلة واستمرار دينامية الاستنزاف بلا أفق زمني واضح، تبدو عناصر نضوج خيار "اللاخيار" قد اكتملت، أو تكاد. عندها يصبح التحدّي هو الانتقال من إدارة الأضرار إلى تصحيح اختلال معادلة الكلفة، كي لا يتحوّل ضبط النفس إلى مسار مفتوح لتراكم الخسائر من جانب واحد. إنها معادلة قاسية، لكن بدائلها أشدّ خطورة.