مقالات
لم يكن استحضار بنيامين نتنياهو، في خطابه الأخير أمام خرّيجي الكلية العسكرية في (19 شباط 2026)، لتاريخ المفهوم الأمني "الإسرائيلي" مجرّد استدعاءٍ رمزي لذاكرة تأسيسية، بل جاء بوصفه مدخلًا تبريريًا لإعلان تحوّل عقائدي فعلي في طريقة إدراك "إسرائيل" لبيئتها الاستراتيجية وكيفية التعامل معها.
بدأ نتنياهو فيما يتعلق بالمفهوم الأمني "الإسرائيلي" من مقاربة "الجدار الحديدي" التي صاغها جابوتنسكي في عشرينيات القرن الماضي، حيث ارتكز الأمن على الردع السلبي والتحصّن إلى أن ييأس الخصم، مرورًا بمبدأ "الخروج من السور" الذي انتقلت إليه المنظمات الصهيونية شبه العسكرية، وصولًا إلى "عقيدة بن غوريون" القائمة على الردع والحسم ونقل الحرب إلى أرض العدو. غير أن نتنياهو لا يكتفي بإعادة سرد هذا المسار، بل يقدّمه كمرحلة تم تجاوزها، معلنًا أن "إسرائيل" اليوم لا تنقل المعركة إلى أرض الخصم فحسب، بل إلى عواصمه، بل وإلى ما قبل تشكّل التهديد نفسه.
بهذا المعنى، يكشف الخطاب عن انتقال من نموذج أمني ساد لعقود، قائم على إدارة التهديدات عبر الاحتواء والضربات المحدودة فيما عُرف بعقيدة "المعركة بين الحروب"، إلى نموذج يسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية برمّتها. فحين يؤكد نتنياهو أنه "لا مزيد من الاحتواء، ولا مزيد من المعركة بين الحروب"، فإنه يعلن عمليًا نهاية منطق شراء الوقت عبر إضعاف الخصم تدريجيًا، واستبداله بمنطق جديد هدفه منع الخصم من امتلاك القدرة أصلًا على تشكيل تهديد مستقبلي. هنا، يتحوّل الأمن من ردع يقوم على التهديد بالعقاب، إلى سلب قدرات الطرف المقابل، بضربات استباقية يسعى إلى إزالة الإمكانية المادية للهجوم قبل أن تتبلور أو تتطور.
تتجلى ملامح هذا التحول في ثلاثة مسارات مترابطة:
· أولها ربط إعادة إعمار قطاع غزّة بنزع سلاحه، بما يحوّل العملية الإنسانية-الاقتصادية إلى أداة هندسة أمنية طويلة المدى، تهدف إلى تفكيك القدرات العسكرية لقوى المقاومة وعلى رأسها حركة حماس، قبل السماح بعودة الحياة المدنية.
· ثانيها الإصرار على إنشاء مناطق عازلة أو منزوعة السلاح داخل الأراضي اللبنانية والسورية المحاذية للحدود، وهو ما يعني فعليًا نقل العمق الأمني "الإسرائيلي" إلى ما وراء السيادة الإقليمية للدول المجاورة، وتحويل الجغرافيا المحيطة إلى حزام وقائي دائم.
· ثالثها، يتمثل في إعلان الاستعداد لتنفيذ عمليات متكررة ومتجددة لتحييد المخاطر "حسب الحاجة"، بما يلغي الفاصل التقليدي بين زمن الحرب وزمن السلم، ويؤسس لحالة اشتباك مستمر تُدار فيها القوّة العسكرية بوصفها أداة وقائية يومية لا استجابة ظرفية.
يعكس هذا المنطق تبنّي مفهوم الحرب كشرط دائم، لا كحدث استثنائي. فبدل انتظار تشكّل التهديد ثمّ السعي إلى ردعه أو احتوائه، تفترض العقيدة الجديدة أن أي فراغ عملياتي قد يسمح بعودة التهديد، ما يبرر العمل الاستباقي المستمر داخل الساحات المجاورة، بل وربما الأبعد.
من هنا يمكن فهم الإشارة إلى توثيق التحالفات الدولية، لا سيما مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع إعلان نية تقليص الاعتماد المالي عليها في العقد المقبل. فالمسألة لا تتعلق فقط بالتمويل، بل بحرية القرار العملياتي، والسعي إلى تقليل القيود السياسية المرتبطة بالدعم الخارجي، بما يمكّن "إسرائيل" من خوض حملات متعددة الجبهات دون الوقوع تحت وطأة حسابات الحليف أو اعتراضاته.
في المحصلة، يقدّم خطاب نتنياهو تصورًا لأمن قومي لم يعد هدفه منع الحرب بقدر ما أصبح يسعى إلى منع تشكّل الشروط التي تمكّن أعداءها من الدفاع عن أنفسهم وأن يمتلكوا هامشًا عملياتيًا في الدفاع والهجوم بهدف فرض هيمنة "إسرائيلية" على المنطقة. إنه انتقال من منطق الردع إلى منطق سلب القدرات ومنع تشكلها وتطويرها، ومن إدارة التهديد إلى إعادة تشكيل البيئة، ومن احتواء المخاطر إلى العمل الوقائي الدائم ضدها. غير أن هذا التحول، على الرغم مما قد يمنحه من هامش مبادرة وحرية حركة، يفتح في المقابل تساؤلات عميقة حول مدى استدامته، واحتمالات أن يؤدي إلى توسيع نطاق الاشتباك وتحويل الاستباق إلى حالة استنزاف مستمر. فحين تصبح الحرب وسيلة للحفاظ على التفوق والهيمنة، يغدو التحدّي الحقيقي ليس في القدرة على المبادأة، بل في التحكم بتداعياتها على المدى الطويل، خاصة وأن الحرب هي مملكة اللايقين، وكثيراً ما انتهت الحروب إلى غير ما خطط لها المبادرون إليها.