مقالات
عميد متقاعد في الجيش اللبناني
تفيد أغلب المعطيات، وبمعزل عن عدم الوضوح في حسم مسألة النووي، أن أحد أهم أسباب عدم اكتمال التسوية بين إيران والإدارة الأميركية هو رفض نتنياهو لها في الوقت الراهن. وما رشح، ولا يزال، عن خلافات بينه وبين الرئيس ترامب، وآخرها الاتصال المتوتر بينهما، يؤشر إلى وجود تباينات حقيقية، أو على الأقل إلى عدم توافق بشأن استكمال التسوية حاليًا.
عمليًا، بالنسبة للرئيس ترامب، فإن الأولوية -بالإضافة طبعًا إلى مطلبه بإنهاء ملف سلاح حزب الله- تتمثل في تسوية تنهي ملفي النووي الإيراني ومضيق هرمز، وتعيد إطلاق عجلة الاقتصاد العالمي من بوابة الخليج. إلا أن ذلك لا يبدو أولوية بالنسبة لنتنياهو، الذي يرى أن ملف إنهاء سلاح حزب الله هو الأكثر إلحاحًا وأهمية، ويسعى جاهدًا لإنهائه وفق رؤيته قبل أي ملف آخر.
فما الأسباب الفعلية وراء أجندة نتنياهو هذه؟ ولماذا يعمل بكل إمكانياته على فصل ملف لبنان وحزب الله عن أي تسوية أميركية - إيرانية؟
في متابعة لمسار المواجهة الحالية في جنوب لبنان بين حزب الله ووحدات الاحتلال، لا يمكن لأي متابع - بمن فيهم داخل الكيان - إلا الاعتراف بارتفاع مستوى القدرة القتالية للمقاومة يومًا بعد يوم، رغم ارتفاع مستوى العنف والتدمير والقتل الذي تمارسه قوات الاحتلال. ويترجم هذا التطور في القدرات القتالية للمقاومة من خلال توسيعها لمروحة الاستهدافات القاتلة بالمسيّرات والمحلّقات، وأيضًا عبر فرضها انتشارًا مركزًا لمناورتي الدفاع والهجوم على مختلف محاور الاشتباك في القطاعات الثلاثة: الغربي والأوسط والشرقي.
فعليًا، لا يزال العدو يبحث عن وسيلة للتعامل مع تأثيرات المحلّقات الانقضاضية دون جدوى، فيما تفرض المقاومة نمطًا متصاعدًا في قدرات القتال، هجوميًا ودفاعيًا واستعلاميًا. وقد تكون القدرة الاستعلامية هي الأبرز مؤخرًا، إذ نجحت المقاومة في متابعة واختيار أهداف ثمينة ذات قيمة عسكرية عالية، وهي الأهداف الأكثر إيلامًا للعدو، كاستهداف قادة ألوية الوحدات الخاصة، وغرف العمليات، ومواقع تمركز الآليات في نقاط الاشتباك الأكثر حساسية على امتداد خط مواجهة يتجاوز عرضه 120 كلم، من البياضة حتى الخيام.
من هنا، وأمام هذه القدرة المتطورة للمقاومة، لا يمكن للعدو تجاوز الواقع العملياتي والميداني الذي تفرضه. وربما يصعب عليه القبول بوقف الحرب على لبنان ومع حزب الله حاليًا، وهو بند رئيسي بالنسبة لإيران تضعه ضمن أولوياتها وشروطها لاستكمال التسوية مع الأميركيين، قبل أن يجد نتنياهو حلًا مرضيًا لأجندته العسكرية في لبنان.
إذ يعتبر نتنياهو أن أي تسوية الآن، تتضمن وقف الحرب والعمليات العسكرية ضد حزب الله، ستنتج عنها حتمًا مكاسب للحزب، على الأقل من الناحية العسكرية، فضلًا عن الناحية المعنوية. وقد خبر نتنياهو، بعد كل مرحلة من مراحل وقف إطلاق النار أو تعليق الأعمال العسكرية جزئيًا، قدرة حزب الله على إعادة ترميم وتعزيز إمكانياته القتالية، سواء على مستوى الوسائل - خصوصًا الصواريخ والمسيّرات - أو على مستوى الجهوزية العملياتية والاستعداد للقتال.
وهذا الأمر قد يكون السبب الرئيس الذي يجعل رئيس حكومة العدو رافضًا بعنف لوقف الأعمال القتالية وإنهاء الحرب على كامل الجبهات في المنطقة، كما تطالب إيران.