اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي  منظمات وطنية تدين الانضمام لمجلس السلام وسط دعوات لإسقاط التطبيع 

مقالات

إسرائيل الكبرى والتوراة الأميركية: تبعات تصريحات هاكابي على الاستقرار الإقليمي
🎧 إستمع للمقال
مقالات

إسرائيل الكبرى والتوراة الأميركية: تبعات تصريحات هاكابي على الاستقرار الإقليمي

111

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق

لم تكن التصريحات التي أدلى بها السفير الأميركي لدى "إسرائيل"، مايك هاكابي، مجرد زلة لسان هامشية في مقابلة إعلامية، بل جاءت لتكشف عن تحوّل أعمق في طبيعة الخطاب السياسي الذي بات يصدر عن دوائر رسمية في واشنطن. فعندما يلوّح دبلوماسي أميركي رفيع بنصوص توراتية لتبرير سيطرة "إسرائيل" على مساحة تمتد "من النيل إلى الفرات"، ويقول بلا تردد إنه "لا بأس لو أخذوها كلها"، فإننا لا نكون أمام رأي شخصي، بل أمام خطاب يختبر حدود الممكن في إعادة تعريف الشرعية الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

هذا الخطاب لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يطال بنية النظام الإقليمي العربي برمته، ويضع العلاقات العربية-الأميركية أمام اختبار غير مسبوق. فالدبلوماسية، في جوهرها، لغة محسوبة، تُصاغ كلماتها بدقة، خصوصًا عندما تصدر عن ممثل رسمي لدولة كبرى. أما أن يتحول السفير إلى منظّر أيديولوجي لمشروع توسعي ديني، فتلك إشارة خطيرة إلى تداخل الدين بالسياسة الخارجية بصورة تتجاوز حدود التحالف التقليدي.

من التحالف الاستراتيجي إلى التبرير العقائدي

لطالما استند التحالف الأميركي–"الإسرائيلي" إلى اعتبارات استراتيجية: ضمان التفوق العسكري "الإسرائيلي"، حماية المصالح الأميركية في شرق المتوسط، وموازنة القوى الإقليمية. غير أن تصريحات هاكابي تنقل هذا التحالف من حيز المصالح إلى حيز "الرسالة العقائدية".

ينتمي هاكابي إلى التيار الإنجيلي البروتستانتي الذي يرى في قيام "إسرائيل" وتوسعها تحقيقًا لنبوءات دينية. هذا البعد ليس جديدًا في السياسة الأميركية، لكنه كان يُدار عادة خلف الستار. الجديد هو أن يصبح هذا المنظور خطابًا معلنًا لسفير رسمي، يتبناه علنًا، ويستخدمه لتبرير تغييرات جذرية في خرائط المنطقة.

حين سُئل هاكابي من قبل الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون عمّا إذا كان لـ"إسرائيل" الحق في الأرض الممتدة بين النيل والفرات، لم يتهرّب، بل أجاب بإيجابية صريحة. هنا لا نتحدث عن جدل لاهوتي، بل عن إعادة إنتاج لمفهوم "الفتح" بلغة دبلوماسية معاصرة.

تناقض مع الخطاب الرسمي الأميركي

المفارقة أن هذا الخطاب يتناقض، نظريًا على الأقل، مع الموقف التقليدي لواشنطن الداعم شكليًا لحل الدولتين، ومع تصريحات الرئيس دونالد ترامب التي أعلن فيها رفضه ضم الضفّة الغربية. هذا التباين يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تعكس تصريحات هاكابي توجّهًا غير معلن في البيت الأبيض، أم أنها تمثل حالة اندفاع أيديولوجي فردي؟

التاريخ القريب يشير إلى أن الإدارات الأميركية، حتّى الأكثر انحيازًا لـ"إسرائيل"، كانت حريصة على إبقاء خطابها ضمن حدود القانون الدولي، ولو شكليًا. أما الآن، فإن تجاوز هذه الحدود علنًا يهدد بإحراج الحلفاء العرب الذين راهنوا على الشراكة مع واشنطن في إدارة الأزمات الإقليمية.

البعد الإقليمي: تهديد مباشر للسيادة

إذا أُخذت تصريحات هاكابي على محمل الجد، فإنها تعني عمليًا التشكيك في سيادة دول عربية قائمة. الحديث عن "أرض توراتية" تشمل الأردن وسورية ولبنان وأجزاء من مصر والعراق والسعودية ليس مجرد خيال ديني، بل خطاب يحمل أبعادًا سياسية خطيرة.

رد الفعل العربي كان تقليديًا ككل مرة. فقد صدر بيان مشترك عن 14 دولة عربية وإسلامية، إضافة إلى جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، اعتبر التصريحات "انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة". هذا الاصطفاف يعكس إدراكًا جماعيًا بأن المسألة تتجاوز فلسطين إلى الأمن القومي العربي.

الشرعية الدولية تحت الاختبار

يعتمد النظام الدولي الحديث على مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. هذا المبدأ، الذي ترسخ بعد الحرب العالمية الثانية، هو حجر الزاوية في استقرار العلاقات بين الدول. حين يلمّح دبلوماسي أميركي إلى إمكانية شرعنة التوسع عبر الانتصار العسكري، فإنه يعيدنا إلى منطق ما قبل 1945.

الأخطر أن مثل هذا الخطاب يفتح الباب أمام قوى أخرى لتبرير توسعاتها استنادًا إلى روايات تاريخية أو دينية. إذا كان بإمكان "إسرائيل" أن تستند إلى نصوص توراتية، فلماذا لا تستند دول أخرى إلى نصوصها المقدسة أو خرائطها التاريخية؟ هنا تكمن خطورة تحويل الدين إلى مرجعية للسيادة السياسية.

التأثير على مسار الصراع الفلسطيني-"الإسرائيلي"

تأتي هذه التصريحات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، عقب حرب طويلة في غزّة، ومحاولات أميركية لإعادة إطلاق مسار تفاوضي. أي حديث عن "إسرائيل الكبرى" يقوّض هذه الجهود، ويعزز قناعة الفلسطينيين بأن واشنطن ليست وسيطًا نزيهًا.

كما أن إنكار هاكابي المتكرر لوجود هوية فلسطينية يتجاوز حدود الجدل السياسي إلى مستوى النفي الوجودي. هذا الخطاب يغذي مشاعر الإحباط والغضب، ويضعف فرص أي تسوية مستقبلية تقوم على الاعتراف المتبادل.

البعد الإيراني واحتمالات التصعيد

لا يمكن فصل تصريحات هاكابي عن التوّتر القائم بين "إسرائيل" وإيران. فطهران سارعت إلى إدانة التصريحات، واعتبرتها دليلًا على "الانخراط الأميركي في الحروب التوسعية". في بيئة إقليمية مشحونة، قد تُستخدم مثل هذه التصريحات كذريعة لتبرير مزيد من التصعيد.

إذا ما اقترنت هذه اللغة بخطوات عملية على الأرض، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد، حيث تتراجع الاعتبارات الدبلوماسية لصالح منطق الردع بالقوة.

الداخل الأميركي: تحالف الدين والسياسة

على الصعيد الداخلي، تعكس هذه التصريحات صعود التيار الإنجيلي في دوائر صنع القرار الجمهوري. هذا التيار يرى في دعم "إسرائيل" التزامًا دينيًا قبل أن يكون سياسيًا. غير أن تحويل هذا الالتزام إلى سياسة رسمية يهدد بتقويض صورة الولايات المتحدة كدولة علمانية تفصل بين الدين والدولة.

كما أن هذا الخطاب قد يثير انقسامًا داخل المجتمع الأميركي نفسه، حيث تتباين المواقف من طبيعة العلاقة مع "إسرائيل" ومن حدود الدعم غير المشروط.

بين البروباغندا والواقع الاستراتيجي

رغم الضجيج الإعلامي، يبقى السؤال: هل تملك "إسرائيل" القدرة الفعلية على تنفيذ مشروع توسعي بهذا الحجم؟ الواقع العسكري والديموغرافي يشير إلى تحديات كبرى. "إسرائيل" تواجه استنزافًا أمنيًا، وانقسامات داخلية، وضغوطًا دولية متزايدة.

بمعنى آخر، الحديث عن "إسرائيل الكبرى" قد يكون جزءًا من حرب نفسية أو بروباغندا سياسية، لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطر حقيقية إذا تحول إلى سياسة عملية.

السيناريوهات المحتملة

- احتواء التصريحات: أن تتراجع واشنطن رسميًا وتؤكد التزامها بحل الدولتين، ما يحد من تداعيات الأزمة.
- تكرار الخطاب: استمرار صدور مواقف مشابهة، ما يعمق أزمة الثقة مع الحلفاء العرب.
- تحول إلى سياسة: وهو السيناريو الأخطر، حيث تُترجم الرؤية العقائدية إلى خطوات ميدانية كدعم ضم أراضٍ جديدة.

السيناريو الأول؛ هو ما قامت به واشنطن بالفعل، إذ سارعت إلى توصيف تصريحات السفير بأنها "تعبير فردي" لا تمثل تحولًا في السياسة الأميركية، في محاولة واضحة لامتصاص الغضب العربي والإسلامي واحتواء التداعيات الدبلوماسية. غير أن هذا النفي التكتيكي لا ينفي جوهر الإشكالية، فحين يصدر مثل هذا الكلام عن سفير معتمد لدى دولة في قلب صراع إقليمي محتدم، فإن المسألة تتجاوز حدود "الرأي الشخصي" إلى اختبارٍ لمصداقية الخطاب الأميركي ذاته. فالدبلوماسي لا يتحدث من فراغ، بل يتحرك ضمن هامش سياسي مرسوم، وأي تجاوز لهذا الهامش إما أن يكون محسوبًا ضمن لعبة توزيع الأدوار، أو مؤشرًا على تباينات داخلية في مقاربة واشنطن للملف "الإسرائيلي".

إن الاكتفاء بوصف التصريحات بأنها اجتهاد فردي يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام زلة لسان هامشية، أم أمام بالون اختبار يُطلق لقياس ردود الفعل قبل الانتقال إلى مراحل أكثر جرأة في إعادة تعريف حدود المقبول سياسيًا؟ ذلك أن التجارب السابقة في السياسة الأميركية تشير إلى أن كثيرًا من التحولات الكبرى سبقتها إشارات غير رسمية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى وقائع سياسية تحت عناوين مختلفة.

في الخلاصة؛ فإن تصريحات هاكابي ليست حادثة معزولة، بل مؤشر على صراع داخل السياسة الأميركية بين منطق المصالح الواقعية ومنطق العقيدة الدينية. في منطقة تعيش على حافة الانفجار، يكفي تصريح واحد غير محسوب لإشعال سلسلة من ردود الفعل.

إن تبنّي خطاب "إسرائيل الكبرى" من قبل دبلوماسي أميركي لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضع الاستقرار الإقليمي برمته على المحك. فحين تتحول النصوص الدينية إلى خرائط سياسية، يصبح الشرق الأوسط أمام معادلة خطيرة: إما العودة إلى قواعد القانون الدولي، أو الانزلاق نحو صراعات مفتوحة بلا أفق.

والأرجح أن المنطقة، المثقلة بالحروب والانقسامات، لا تحتمل مغامرات أيديولوجية جديدة. لذلك، فإن ضبط الخطاب، وإعادة الاعتبار للشرعية الدولية، ليسا مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة استراتيجية لتجنب انفجار قد تتجاوز شظاياه حدود الإقليم.

الكلمات المفتاحية
مشاركة