مقالات مختارة
صيام المهجرين عن بيوتهم
الجنوبيون تمكنوا في السنوات السابقة للحرب من إعادة تشكيل اقتصاد محلّي في القرى الجنوبية قام على التعاونيات الزراعية
زينب الموسوي - صحيفة الأخبار
يعيش القسم الأكبر من أهالي القرى الحدودية الجنوبية شهر رمضان للمرة الثانية في التهجير بعيداً عن بيوتهم وقراهم. حتى اليوم، وبعد سنة وشهرين على وقف إطلاق النار المزعوم، يبقى 64 ألفاً و417 جنوبياً في أماكن بعيدة عن قراهم وبيوتهم الأصلية، في بيوت مستأجرة بشكل أساسي، بينما لا يزال 692 نازحاً منهم يعيشون في 9 مراكز إيواء، وفقاً لأرقام منظمة الهجرة العالمية «IOM».
على أرض الواقع، يعيش معظم هؤلاء المهجّرين في ظروف معيشية قاسية، فبعد خسارتهم لممتلكاتهم ومصادر رزقهم في القرى بسبب العدوان الإسرائيلي المستمر، يضطر كثير منهم إلى الانخراط في أعمال مؤقتة وهشّة، بمعنى آخر مياومون، أو سائقو سيارات أجرة، أو عمّال بأجور متدنية، ما يجعلهم بلا أي حماية اجتماعية، لا سيّما مع غياب الدولة الكامل عن متابعة أوضاعهم، وهو ما جعل الجنوبي المهجر في حال اجتماعية واقتصادية شديدة الهشاشة، وتتأثر بأيّ متغيّر، ولو كان بسيطاً.
وللمرّة الثانية، يأتي شهر رمضان هذا العام وهم في حال تهجير، فيجدون أنفسهم في حال مفاضلة بين دفع الإيجارات المرتفعة وما يلحقها من فواتير الكهرباء والمياه والخدمات الأخرى، وبين تأمين الحدّ الأدنى من مصاريف شهر الصوم. لذا تتكاثر الأسئلة حول كيفية تمرير أيام هذا الشهر بأقل الممكن.
ومع القرارات الحكومية العشوائية بزيادة الرسوم والضرائب، تتلمّس أم محمد المهجرة من قرية الخيام إلى الشياح الخضار في السوق من دون أن تشتريها، وتقول «نحن في الأيام العادية كان تأمين المأكل والمشروب أمراً شاقاً مادياً، والأسعار كانت أكثر من قدرتنا على التحمل، فكيف حالنا الآن والأسعار صارت ناراً». بالنسبة إليها «تكلفة إعداد صحن الفتوش تساوي رهن الذهب هذه السنة»، في إشارة إلى الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية، ولا سيّما الخضار.
«هذه ليست حياة، هذا ذلّ»، يقول لنا محمد، النازح من قرية الشقيف إلى بيروت، والذي يعمل سائق أجرة «ليلاً نهاراً»، وفقاً لتعبيره، ليؤمّن إيجار منزله في محلّة «سنّ الفيل»، والذي تبلغ قيمته 700 دولار شهرياً، ما عدا تكلفة الكهرباء والمياه. أما الطعام، فيختصر محمد الإجابة عن تأمينه بحرقة، إذ يقول: «ليس ضرورياً، الأهم هو تأمين مكان آمن».
وقد يكون البحث عن مكان آمن لـ«السترة» هو أسلوب محمد في اجتراح الحلول للتكيّف مع الأزمات المتتالية. ففي أعقاب الانهيار النقدي والمصرفي عام 2019، وجائحة كورونا، عاد محمد يومها إلى قريته في حركة نزوح عكسي من المدينة، وتمكن من تأمين قوت يومه من الزراعة.
وهذه الفئة من الجنوبيين ليست قليلة، إذ تقدّرها منظمات دولية أنّها تشكل نسبة 7% من عدد سكان محافظتي لبنان الجنوبي والنبطية، أي قرابة 77 ألف شخص. هؤلاء تمكنوا في السنوات السابقة للحرب من إعادة تشكيل اقتصاد محلّي في القرى الجنوبية، قام على التعاونيات الزراعية، والصناعات الغذائية البسيطة، وزراعة مساحات محدودة من المحاصيل الأساسية مثل الحبوب والقمح.
ولكن الحرب بدّدت تلك المحاولات كلها، فهي أخرجت من القرى الحدودية أشخاصاً ولدوا وعاشوا فيها، ولم يتركوها حتى في حرب تموز في عام 2006. هذه قصة حسن شيت من قرية كفركلا التي دمّر الاحتلال 98% منها. حسن كان يمتلك ورشة لإصلاح السيارات، وبيت، وخبرة تتجاوز 25 سنة في العمل في المنطقة الحدودية. واليوم حسن يعيش في الضاحية الجنوبية، في بيت مستأجر، ويعمل في ورشة إصلاح سيارات في منطقة الشويفات، وحلمه الوحيد جمع مبلغ من المال لشراء ما يحتاجه من معدّات لإعادة افتتاح ورشته الخاصة.
أما علي من طيرحرفا، فكان يعتمد على أرضه المزروعة زيتوناً لتأمين رزقه ومؤونته. وبعد الحرب سُوّيت أرضه، كما قريته، بالتراب. واليوم يعمل في محل بقالة في صور، ويقول بمرارة: «أشرفلي ارجع عالضيعة، يا بزرع أرضي وبعيش، يا بيقتلني العدو وبكون استشهدت».
عدم الاستقرار المزمن هذا اقترن بالخوف الدائم من الحرب، ما دفع بعضهم لإطالة ساعات العمل، على حساب راحته الجسدية والنفسية، كي يتمكن من دفع إيجار مسكن «أكثر أماناً». هذه حال جعفر النازح من بليدا، والذي استأجر شقة في محلّة الحمرا في بيروت، بعيداً عن الضاحية، بمبلغ قيمته 900 دولار شهرياً. ويبرر جعفر دفع هذا البدل بـ«رفض الوقوع في التهجير مرّة أخرى إذا اندلعت الحرب فجأة»، ويضيف «الأكل آخر شي منفكر فيه، مناكل خبز وزيت، المهم نأمن إنو في بيت يسترنا».