مقالات مختارة
إبراهيم الأمين - صحيفة الأخبار
أين نقف اليوم؟
لا يحتاج أي عاقل في العالم إلى شروحات إضافية لفهم ما يجري. إنه «زمن المجانين» الذين يؤمنون بقاعدة واحدة: إخضاع الجميع، سواء كانوا من أبناء ملّتهم أو من أي ملّة أخرى على امتداد العالم.
ما يفعله دونالد ترامب تجاه إيران قتلاً وتدميراً، يمارسه مع أوروبا وحلفائه الغربيين ترهيباً، ويفعله أمنياً في أميركا الجنوبية، وحصاراً اقتصادياً أو إخضاعاً مالياً في أماكن كثيرة في العالم. وحيث ينجح، يمضي بلا تردّد، ولا يتوقف إلا عندما يواجه من يجرؤ على قول «لا»، ويملك القدرة على تحمّل كلفة هذه الـ«لا».
بنيامين نتنياهو لا يقلّ نرجسية عن ترامب، بل يبدو أكثر اقتناعاً بأنه رسول الهي لادارة البشرية، وفق ما تعلمه من أبيه وأساتذته من مجانين الأسطورة اليهودية. ومع أن اميركا تتفوق بالاجرام على سائر دول العالم، إلا أن ترامب يجد من حوله من يحاول ثنيه عن المغامرات الكبيرة. وهو نفسه يدرس الامر من زاوية تقدير الخسائر. اما نتنياهو، فيتفوق على أقرانه وخصومه داخل الكيان في اظهار «النفس الصهيونية» على حقيقتها. وفي كل مرة، يندفع فيها الرجل الى حفلة جنون دموية، يختفي النقاش السياسي في اسرائيل، ويضطر خصومه الى مجاراته، لأن ما يقوم به، هو بالضبط ما يفكرون هم بالقيام به أساساً، وربما يكون بعضهم أكثر جنوناً لو وصل الى مركز القرار.
من دون الغرق في نقاش فلسفي طويل، أو مراجعة تاريخية مملة، أو تحليلٍ نفسي لطبيعة الأفراد، يمكن أن نفهم، بوضوح، أن الخط البياني لسلوك تحالف المجانين القائم اليوم بين ترامب ونتنياهو يتجه نحو ما هو أخطر بكثير ممّا شهدناه حتى الآن. فقوة هذا المشروع لا تنبع فقط من القدرة على استخدام أدوات القتل بلا أي ضوابط، بل من نجاحه في ردع كل الأصوات الأخرى، حليفة كانت أم صديقة أم محايدة، وصولاً حتى إلى بعض الأعداء. والصمت والتواطؤ، غربياً وعربياً، ليسا سوى انعكاس لطبيعة العلاقة التي تربط كل هؤلاء بثنائي ترامب - نتنياهو، وهي علاقة تتدرّج بين تحالفٍ كامل أو استسلام بلا شروط.
لنعد إلى الوراء قليلاً. عندما بلغ الفلسطينيون مرحلة من الاختناق كانت عملية السابع من أكتوبر المجيدة أمراً شبه حتمي، لتتحوّل معركة «طوفان الأقصى» إلى بوابة مرحلة جديدة من الصراع. وكل محاولة لتحميل المقاومة الفلسطينية مسؤولية ما أعقب تلك العملية لا يمكن وصفها إلا بالعمى الأخلاقي والسياسي. فالقوة الهائلة التي استخدمها العدو في حربه المفتوحة منذ عامين وبضعة اشهر، لم تكن موجودة لكي تُحفظ في مخازن، بل أُعدت ليوم تستخدمها "إسرائيل" ضد كل الاعداء، الأقربين والأبعدين.
لم تكن إسرائيل بحاجة إلى تعريف المحور المعادي لها. فخريطة الاستهداف كانت واضحة سلفاً: من فلسطين إلى لبنان، وسورية، واليمن، وإيران، والعراق. وفوق ذلك، فرضت "إسرائيل" أيضاً إيقاعها على الاطار التفاوضي طوال هذه الفترة، مستفيدة من الدور الاميركي في الامساك بكل عناصر الضغط السياسي والاقتصادي المواكبة للضغط العسكري والامني.
هذا يقودنا الى نتيجة واضحة، وهي ان اسرائيل تعتقد - من دون حاجة الى إذن أحد، ولا الى شرعية أخلاقية او سياسية او قانونية - بأن عليها القيام بكل ما يمكنها، لمحو كل أعدائها. وما يهمها فقط هو شكل الادارة لهذه الحرب. وهي انطلقت من قاعدة ثابتة تقول، إن الاعداء يتوزعون في دول عدة، لكنهم في وحدة سياسية واستراتيجية وعملياتية. وبالتالي، تصرفت منذ اليوم الأول، على قاعدة انها تواجه جبهة واحدة. وقد قررت جعل المعركة تجري وفق حساباتها، ونجحت في ذلك الى حد بعيد.
في المرحلة الاولى من المواجهة، قادت "إسرائيل" إضعاف وتدمير ما تسميه «الاذرع الطويلة» للمحور الذي تقوده طهران. وعندما قررت شن الحرب على ايران في حزيران الماضي، كانت قد وصلت الى اقصى ما يمكن ان تصل اليه في مواجهة قوى المقاومة في لبنان وفلسطين واليمن والعراق، ومع سقوط بشار الاسد في سورية، وجدت انها امام فرصة لتوجيه الضربة الأكبر الى رأس المحور. وأرادت دائماً ان تكون هذه الحرب بمشاركة فاعلة للولايات المتحدة، وهو امر لم يرفضه دونالد ترامب، لكنه كان لا يزال تحت قيود جعلته يتدخل بطريقة مختلفة.
في ذهابها نحو ايران الصيف الماضي، ضرب "إسرائيل" أطراف محور المقاومة، وفي عودتها من جولة الحرب الحالية مع ايران، سوف تكون أكثر قسوة ما ما تعتبره «بقية من الحلفاء»
ما الذي حصدته "إسرائيل" من حروب الأشهر الخمسة الاخيرة في السنة الماضية؟
في لحظة واحدة، اكتشفت ان الحرب ضد ايران لم تكن كافية لإحداث تغيير نوعي في موقع طهران وموقفها. وصارت مع الوقت، تتحدث عن فشل تدمير حزب الله في لبنان بصورة تامة. ثم اكتشفت ان عامين من القتل والتدمير لم ينهيا المقاومة في غزة، وفوق ذلك، وجدت نفسها أمام تحديات امنية كبيرة، في كل الدول المحيطة بالكيان، فعادت من جديد، الى البحث عن الية لكسر الحلقة نفسها، لكن بالعكس.
ما يحصل اليوم، لا يحتاج الى كثير تفكير. ومن لا يريد مغادرة ادوات الماضي في التفكير والبحث والعمل، سيدفع الاثمان الكبيرة يوماً بعد يوم. "إسرائيل" التي حازت موافقة ترامب على خوض المعركة الكبيرة ضد ايران، بقصد اسقاط نظامها، او فرض سلوك جديد على الحاكم في طهران، تعتبر ان نتيجة هذه المعركة لن تكتمل ما لم يُستكمل ما لم ينجز في المرحلة الاولى.
لتسهيل الامر، يمكن اعتبار المرحلة الماضية بمثابة جولة الذهاب، حيث قاتلت اسرائيل الحلفاء ثم هاجمت المركز. وهي، اليوم، في مرحلة الاياب، وعليها ضرب المركز ثم العودة للقضاء على من تعتبره خطراً من الحلفاء. وبهذا المعنى، فان "إسرائيل" ستبقى حاملة لكرة النار الكبيرة، وتقف فوق رؤوسنا في أي لحظة!
وفي زمن الحسابات التي يسيطر عليها التاريخ والذاكرة الجمعية والارث الديني والثقافي، وهو أمر لا يقتصر على "إسرائيل" فقط، فان قوى المقاومة في المنطقة، وخصوصا في لبنان والعراق واليمن، والتي يجمعها ارث يعود الى الامام علي، قد يكون مفيداً، العودة الى بعض ما قاله، وما يناسب لحظتنا الراهنة، حين حذر من مخاطر التردد الذي يضعف الاستقرار ويؤثر في اتخاذ القرار المناسب، وكانت كلمته الشهيرة: «إذا هبتَ أمراً، فَقَعْ فيه؛ فإنّ شدّة توقّيه أعظمُ مما تخافُ منه». فكثرة الحسابات، تصبح في مكان مساراً يقود الى الجمود، فيما كل الحسابات الاخرى، تدل على العكس.
لدينا الكثير لنخسره، لكن ليس لدينا ترف الانتظار، والبقاء من دون مبادرة، في اللحظة التي تفرض فيها المعركة، شروطاً من نوع مختلف، وهي شروط لا تخص وجودنا فقط، بل شكل هذا الوجود!