مقالات مختارة
يحيى دبوق - صحيفة الأخبار
في ظلّ تعثّر أهداف الحرب، لجأت واشنطن إلى حصار مضيق هرمز كخيار «وسطي» لتجنّب التصعيد أو الاعتراف بالفشل. غير أن هذا الخيار يبدو أنه يعمّق المأزق الأميركي، ويؤجّل لحظة الاعتراف بالفشل، فيما ترتفع كلفة «الخروج» سياسياً واقتصادياً مع مرور الوقت.
لم يكن الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية في مضيق هرمز خياراً استراتيجياً محسوب العواقب، بل جاء كردّة فعل على تعثّر البدائل المتوافرة لدى الولايات المتحدة، التي وجدت نفسها أمام معادلة صعبة؛ فهي ترفض التراجع السياسي لأنه يُعدّ اعترافاً بالفشل ويحمل تداعيات لا يمكن احتواؤها، وفي الوقت عينه تتجنّب الخيارات العسكرية المتطرّفة التي قد تفوق كلفتها كلفة ذلك الاعتراف نفسه بالفشل. وفي هذا السياق، بدا الحصار خياراً وسطياً يهدف إلى فرملة الواقع القائم، مدعوماً بسردية أميركية قابلة للتسويق مؤقّتاً، على أمل أن ينكسر الإيرانيون أولاً.
والواقع أن قراءة متأنّية لهذه الاستراتيجية تشير إلى أن واشنطن تمارس ضغطاً متزايداً على نفسها في سياق محاولتها الضغط على طهران، وهو ما سيجعل الخروج من هذا المأزق لاحقاً أكثر كلفة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وأشدّ تأثيراً سلبياً على مصالحها وعلى المصالح الشخصية للرئيس دونالد ترامب، الذي يبدو أنه رأى في الحصار خياره الأفضل. وهكذا، سيتحوّل هذا التكتيك، هو الآخر، من أداة ضغط مؤقّتة إلى عبء استراتيجي يصعب التخلّي عنه لاحقاً من دون خسائر مضاعفة.
وفي الأصل، يبدو واضحاً أن هذه المواجهة، التي لم تُحسب بدقة، وارتكزت أساساً على مبادرة من ترامب وحلفائه الإسرائيليين من دون خطط بديلة تحسّباً لفشل المسار الأوّلي، أدخلت واشنطن في مأزق يصعب الخروج منه من دون أثمان باهظة سياسياً واقتصادياً ومعنوياً وحتى عسكرياً. ومع مرور الوقت، تحوّلت الحرب من هجوم غير مدروس إلى ساحة استنزاف تتصاعد فيها التكاليف مع كلّ قرار متعثّر.
وفي ظلّ هذا الواقع، لا يعكس إصرار الإدارة الأميركية، وترامب تحديداً، على المضيّ في الحصار البحري للموانئ، قناعةً بنجاح هذه الخطوة، بقدر ما يجلّي محاولة لتجنّب الاعتراف بالفشل. وهو يعني عملياً أن الخيارات الأكثر تطرّفاً، كالتدخل البرّي الواسع أو المحدود، أو العودة إلى الحرب بوتيرتها السابقة، تبقى كلّها خارج طاولة القرار حالياً، وإلّا لما لجأ ترامب إلى خيار قد يضرّ به وببلاده أكثر مما يضرّ بالإيرانيين.
العودة إلى طاولة المفاوضات لا تعني بالضرورة انفراجاً سريعاً
ومع هذا القرار، تنتقل المواجهة تدريجياً من استخدام الأدوات العسكرية المباشرة إلى تفعيل أدوات ضغط غير عسكرية، تستهدف الضغط على القيادة الإيرانية بما يُؤمل أن يكون غير قابل للتحمّل، في مساعٍ للتأثير في مواقف تلك القيادة. غير أن حصار الموانئ البحرية في الخليج ليس كافياً وحده لتحقيق هذه الغاية، خصوصاً أن الحصار يعمل كأداة ضغط مزدوجة، تؤثّر في إيران والولايات المتحدة على حدّ سواء. وعليه، فإنه مع مرور الوقت، يميل ميزان التأثير لمصلحة الجانب الإيراني، فيما تتراكم الخسائر الأميركية وتضيق هوامش المناورة.
ومن شأن هذه الدينامية المتصاعدة أن تدفع نحو مراجعة الحسابات، وقد تقود في نهاية المطاف، تحت وطأة التداعيات الاقتصادية والسياسية على الجانبين، إلى إعادة فتح مسار المفاوضات بدفع أميركي، وربّما عبر وساطات إقليمية، من مثل باكستان، التي قد تطرح حلولاً تخفّض فيها السقوف العالية التي طرحتها الولايات المتحدة في الجولة الأولى. ومع ذلك، فإن العودة إلى طاولة المفاوضات لا تعني بالضرورة انفراجاً سريعاً، بل قد تفضي إلى مزيد من التأزم إذا لم تُدَر بحذر. فتراجع واشنطن عن سقف مطالبها قد يدفع طهران إلى اختبار المدى الفعلي لهذا التراجع، وهو ما قد يهدّد بفشل الجولة الثانية من المحادثات. ويبقى احتمال آخر قائماً، يتمثل في تلقّف الجانب الإيراني التراجع الأميركي والعمل على تحسين نتائجه، مع تقديم تنازلات مقابلة؛ والمعادلة هذه تعكس طبيعة التسويات في النزاعات التي لا تُحسم بنتائج صفرية، حيث لا يوجد منتصر كامل أو مهزوم مطلق، بل تتقاطع المصالح عبر مساومات دقيقة تتيح للطرفَين الخروج من دائرة الاستنزاف.
في هذا الوقت، تُراوِح التغطية الإعلامية للحصار في الداخل الأميركي - حيث لا تقلّ تداعياته أهمية - بين التفاؤل الحذر والتشكيك الصريح، في انعكاس للرأي العام وضغوطه على صنّاع القرار، وكذلك لقراءات النخبة وتحليلاتها واستشرافها لليوم التالي. ويبرز في هذا السياق اتجاه شبه سائد يرى أن الحصار ليس حلاً، بل مجرّد إدارة لأزمة تتفاقم كلفتها مع كلّ يوم يمرّ. وحتى وسائل الإعلام التي تختلف في ما بينها في تقييمها للوضع، تتقاطع في عرض معطيات تؤكد حقيقة واحدة، تتمثل في أن الولايات المتحدة تواجه مأزقاً حقيقياً، وأن تأجيل التراجع لا يلغيه، إنما يرفع كلفته.
في المحصّلة، لا يمثّل الحصار الأميركي في مضيق هرمز انتصاراً استراتيجياً، ولا حتى مقدّمة لتحقيق انتصار من هذا النوع، بل هو تجسيد لما يمكن وصفه بـ«نظرية المستنقع»: الاستمرار في خيار غير مُجدٍ خشية الاعتراف بنتيجته الحتمية، ما يشكّل تأجيلاً لبداية نهاية المواجهة، ولكن بشروط أسوأ. فالتراجع الأميركي، وإن تأخّر، يبدو حتمياً، غير أن كلفته تتزايد مع مرور الوقت، وهو ما تراهن عليه الجمهورية الإسلامية التي راكمت خبرة طويلة في مواجهة الحصار والعقوبات، طوال سنوات صراعها مع الولايات المتحدة.