اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

شهادة قائد الأمة الامام السيد علي الخامنئي
المقال التالي خلافات بين ترامب والمجمع العسكري: إنتاج الأسلحة ليس «تحت الطلب»!

مقالات مختارة

«الالتفاف حول العَلَم» بنسخته الإيرانية: لا بوادر انتصار أميركي
مقالات مختارة

«الالتفاف حول العَلَم» بنسخته الإيرانية: لا بوادر انتصار أميركي

51

علي حيدر - صحيفة الأخبار
أظهرت الحرب الجارية أن حرب الأيام الاثني عشر لم تُنهِ معادلات القوة مع إيران كما روّجت واشنطن و"تل أبيب". ويأتي تجدد الخطاب التصعيدي حول الصواريخ الإيرانية والملف النووي ليعكس قلقًا متزايدًا من احتمالات تشكل توازن ردع أكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.

لم يكن عابرًا، قبيل بدء الحرب الأميركية – "الإسرائيلية" على إيران، أن يعود خطاب واشنطن و"تل أبيب" إلى التركيز على «التهديد الصاروخي الإيراني» ومسار التفاوض على الملفّ النووي لطهران. وأوحت عودة النبرة التصعيدية وقتذاك، بأن التحول البنيوي الذي سعت إليه الولايات المتحدة و"إسرائيل" عبر حرب الـ12 يومًا لم يتحقق، وأنه حين أعلن كلّ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو، أن العملية حققت «إنجازًا استراتيجيًا»، متمثّلًا بإحداث «كسر نوعي» في بنية الردع الإيرانية، قبل أن تتبيّن محدودية هذا الإنجاز.

وأظهرت الوقائع التي توالت مذّاك، أن الطرفين لم ينجحا في فرض معادلة ردع تجبر إيران على التراجع. لا بل بدا أن طهران، وإنْ خرجت من الحرب مثخنة بالجراح، أعادت تنظيم أوراقها، ورسّخت عناصر قوتها بصورة أكثر تماسكًا. وعليه، يمكن القول إن استهداف المرشد الإيراني، آية الله علي خامنئي، ومعه العديد من القادة، يدلّ على انتقال في التفكير الاستراتيجي للعدو نحو محاولة تغيير بنية النظام نفسه؛ علمًا أن اغتيال «القائد» لم يحتجْ إلى جهد استخباراتي استثنائي، بقدر ما استند إلى رهان سياسي عميق على أن «ضربة الرأس» ستُحدث صدمة داخلية تفضي إلى تفكك منظومة القرار، أو إلى انقسام بين مراكز القوى، أو إلى ارتباك يسمح بإعادة تشكيل المشهد الداخلي.
وإذ يقوم هذا الرهان على افتراض أن النظام الإيراني يتمحور حول شخص، أكثر ممّا يقوم على شبكة مؤسسات عقائدية - أمنية متشابكة، فإن الواقع، ومعه تجربة العقود الماضية، يثبتان خطأ هذه الفرضية؛ إذ أظهر النظام الإيراني قدرة على امتصاص الصدمات، وإعادة إنتاج شرعيته وتوسيع نطاقها الشعبي تحت عنوان «الدفاع عن السيادة»، بل وتحويل التهديد الخارجي إلى عنصر تعبئة داخلية.
وعليه، يمكن تقدير عمق القلق "الإسرائيلي" لدى جهات التقدير والقرار حيال تلك الفرضية، رغم عدم إظهار ذلك في زمن الحرب إلى العلن حتى الآن؛ علمًا أن هذا القلق لا يتعلّق بعدد الصواريخ الإيرانية أو مداها فحسب، بل بطبيعة المعادلة التي قد تخرج بها الجمهورية الإسلامية من الحرب أيضًا. فإذا أثبتت طهران أنها قادرة على الحفاظ على مخزون صاروخي متجدّد، وتحسين دقّة الصواريخ، وتوزيع منصات الإطلاق بصورة لا مركزية تعقّد استهدافها، فإنها تكون قد أرست ردعًا طويل الأمد.

قد يكون أخطر ما يمكن أن تنتهي إليه الحرب هو الهدوء المضلّل الذي يخفي تحوّلًا تدريجيًا في ميزان القوة

وعندئذٍ، لن تكون المواجهة المقبلة - إن وقعت - جولةً محدودةً يمكن حسمها سريعًا، إنما ستتحول إلى معركة استنزاف مفتوح، يُستهدف خلالها العمق "الإسرائيلي" بكثافة واستمرارية. ومن شأن هذا التحول المحتمل أن يضرب في صميم العقيدة الأمنية "الإسرائيلية"، التي تقوم على «الحسم الخاطف» ونقل المعركة إلى أرض الخصم، لا استقبالها في الداخل لفترات طويلة.
الأخطر من ذلك أن الرهان على تفكيك النظام قد ينقلب إلى نتيجة معاكسة تماماً؛ فبدلاً من إحداث شرخ داخلي في إيران، ربما يعقب استهدافَ القيادة انتقالٌ منظم للسلطة هناك، والتفاف مؤسساتي حول «ولي فقيه بديل». والواقع أن تجارب سابقة أثبتت أنه في ظلّ الاعتداء الذي يحمل طابعاً وجودياً، تتراجع الانقسامات لمصلحة الإجماع على أولوية السيادة والبقاء، ويتقدّم الاصطفاف خلف القيادة على التباينات السياسية والاجتماعية.

وإذا ما ترافق ذلك مع صمود سياسي وعدم تقديم تنازلات جوهرية في الملفات التفاوضية، فإن أخطر سيناريو واقعي لنهاية الحرب بالنسبة إلى "تل أبيب"، يتمثّل في إعلان الأخيرة تحقيق أهدافها مجددًا، من دون أن تكون القدرات الصاروخية الإيرانية قد شُلّت، ومن دون أن يكون النظام السياسي قد تفكّك، لا بل ربما مع انتقال سلس في القيادة، وتحوّل في البيئة الشعبية نحو إبداء استعداد أكبر لتحمّل كلفة المواجهة. وفي مثل هذه الحال، سيتحول «الإنجاز العسكري» "الإسرائيلي" إلى مكسب تكتيكي محدود، فيما تكون الخسارة استراتيجية بعيدة المدى، عنوانها تثبيت معادلة ردع متبادلة أكثر صلابة وأشد كلفة.
أما المضيّ في خيار المواجهة الشاملة، فقد يؤدي إلى توسيع إضافي وأكثر خطورة قي دائرة النار، خصوصًا أن لدى إيران وحلفائها أوراقًا عديدة لم تُستخدم بعد، في حين أن الركون إلى الاحتواء الطويل، سيمنح الخصم وقتًا إضافيًا لتعزيز قدراته وترسيخ معادلاته. وبين هذين الخيارين، يصبح الزمن عاملًا حاسمًا: فكلّما طال أمد الصراع من دون تغيير جوهري في بنية القوة الإيرانية، ترسّخت معادلة جديدة عنوانها صواريخ أكثر دقة، وتماسك داخلي أعلى، وصمود سياسي يصعب كسره.
بهذا المعنى، قد يكون أخطر ما يمكن أن تنتهي إليه الحرب هو الهدوء المضلّل الذي يخفي تحوّلاً تدريجيًا في ميزان القوة، تُنتجه معادلات مستدامة تعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية. وإذا كانت الحرب ستعيد إنتاج إيران بصورة أكثر تماسكًا وقدرة على الردع - بحسب ما ينبئ به مسار المعركة إلى الآن -، فهي ستغيّر أيضًا ملامح المنطقة على نحو أعمق مما بدا في أيامها الأولى.
ولعلّ تلمّس مؤشرات هذا التحول يضع صنّاع القرار في "تل أبيب" وواشنطن أمام اختبار صعب، في حين أن الإقرار الضمني بأن الأهداف القصوى لم تتحقّق يفرض البحث عن خيارات بديلة، لا تزال غير متوافرة إلى الآن.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة