مقالات مختارة
عمر نشابة - صحيفة الأخبار
إنّ النقاش بشأن حق الشعب اللبناني في مقاومة الاحتلال "الإسرائيلي" بالسلاح لا يفترض أن يتحوّل إلى سجال عاطفي وهو ليس خيارًا سياسيًا قابلًا للتفاوض، بل هو استحقاق وجودي وقانوني تفرضه القواعد الآمرة (Jus Cogens) في القانون الدولي. إنّ محاولات تقييد هذا الحق بينما يمارس جيش الاحتلال "الإسرائيلي" عدوانه يوميًا على اللبنانيين، ليست سوى تواطؤ مع الأمر الواقع ومحاولة لتجريد الضحايا من الحق في البقاء.
إنّ المبدأ الأساسي الذي يفترض أن ينطلق منه أي تحليل دقيق هو حق تقرير المصير. هذا المبدأ، المكرّس في ميثاق الأمم المتحدة والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ليس مجرد توصية بل هو قاعدة قانونية من القواعد الآمرة (Jus Cogens). وبالتالي فإن قرار الحكومة بتجريم مقاومة الجنوبيين الاحتلال بالسلاح في ظل عجز الجيش الوطني عن مواجهة جيش الاحتلال يعدّ باطلًا حكمًا لأنه يصطدم بقاعدة دولية أسمى.
ولا بد من التوضيح أن الشرعية التي قد تتذرع بها حكومة نواف سلام لاحتكار استخدام القوّة سقطت أخلاقيًا وقانونيًا بسبب عجزها عن أداء وظيفتها الجوهرية ألا وهي حماية لبنان واللبنانيين في الجنوب. فعلى مدى سنة وخمسة أشهر سلّم الجنوبيون رقابهم إلى الدولة واتّكلوا على الحكومة لحماية أبنائهم وبيوتهم وأراضيهم ولكنها عجزت عن وقف الاعتداءات "الإسرائيلية" اليومية (التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 450 لبنانيًا وجرح نحو 1000 ودمار هائل) وعن تحرير المناطق المحتلة (خمس مناطق واسعة حوّلها العدوّ إلى قواعد عسكرية تتمدّد إلى المناطق المجاورة) وعن فك احتجاز الأسرى والمخطوفين اللبنانيين في المعتقلات "الإسرائيلية".
إنّ السيادة في جوهرها ليست حبرًا على ورق أو شعارًا عاطفيًا بل هي ممارسة فعلية لسيطرة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. وما يمنع تلك السيطرة هو جيش الاحتلال "الإسرائيلي". فكيف لسلطة لا تمارس سيادتها على كامل أراضيها أن تصادر حق شعبها في استعادة تلك السيادة بالقوة؟ فالسيادة مصدرها الشعب الذي وافق أن يتنازل عنها للسلطة الوطنية لكي تمارس باسمه كلّ ما يحقق كرامة المواطن ويضمن عيشه بأمان وسلام وكرامة.
وهي المسؤولة عن الحفاظ على السلامة الإقليمية لأراضي الدولة وحماية حدودها وهي تعمل بتفويض من الشعب، لذا عندما تتقاعس أو تفشل مهما كانت الأسباب، فللشعب الواقع تحت الاحتلال أن يستعيد حقه في السيادة المباشرة بتحرير الأرض وحماية وجوده، فلو لا الشعب لم تكن الدول والحكومات فهو الركن الأول الأساسي في تشكّل الكيانات المستقلة، وهو الذي يبسط سيطرته على الإقليم (الأرض) ويقرّر بالاتفاق شكل دولته وحكومته وهو من ينتخب الهيئة الحاكمة لتأخذ على عاتقها مهمّة تحقيق آمال وتطلعات الشعب وحمايته.
بناءً عليه، لا تحتاج المقاومة الوطنية ضدّ الاحتلال إلى إذن السلطة الفاشلة، فالشعب يستعيد حقه الطبيعي الذي لا يقبل التجزئة ولا يحتاج إلى ترخيص أو موافقة مسبقة من الحكومة لكي يحرّر أرضه من الاحتلال. إنّ الحق في مقاومة الاحتلال العسكري يجد أساسه القانوني في مبدأ قانوني آخر وهو حظر ضم الأراضي بالقوة العسكرية وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي الذي يحظر الاحتلال العسكري. إنّ حق تقرير المصير لا يتحقق إلا عبر مقارعة الاحتلال بشتّى أنواع الوسائل المشروعة من بينها المقاومة المسلحة. ومن ثم، فإنّ عدم الاعتراف بحركات المقاومة من شأنه أن يصبح فيه أي احتلال أجنبي أمرًا واقعًا على الشعب الرازح تحت الاحتلال في الوقت الذي يحظر القانون الدولي الاستيلاء على الأراضي بالاحتلال.
في حال الاحتلال لا شك أن السيادة تكون منقوصة وتصبح المقاومة بالتالي هي الرديف الشرعي لغياب الدولة بل هي المعبّر الأصدق عن السيادة الشعبية حين تسقط السيادة المؤسساتية
في هذا الإطار، لم يترك البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (1977) مجالًا للتأويل حيث أنه وسّع نطاق النزاعات المسلحة الدولية (المادّة 1 الفقرة 4) لتشمل نضال الشعوب ضدّ الاحتلال الأجنبي والسيطرة الاستعمارية والأنظمة العنصرية.
هذا التوصيف القانوني يرفع عن المقاوم صفة الإرهابي أو الخارج عن القانون التي يحاول البعض إلصاقها به. فالمقاومون هم مقاتلون شرعيون يحظون بوصف أسرى حرب إذا تم احتجازهم من قبل سلطة الاحتلال. فالمقاوم، وفقًا للقانون الدولي، يتمتع بالشرعية والمشروعية وأي قرار حكومي بنزع هذه الحماية هو قرار غير شرعي ينتهك القانون الدولي وينتهك المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان الطبيعية التي يتمحور وجودها بوجود الإنسان لا بوجود الدولة.
ربما فات على الحكومة، ووفقًا للقسم الثالث من اتفاق الطائف، أنّ تنفيذ القرار 425 المتعلّق بإزالة الاحتلال تم تنفيذه عبر المقاومة المسلحة التي نشأت مع نشوء الاحتلال ولم تنتظر قرارًا حكوميًا لإضفاء الشرعية عليها.
وبالتالي فإنّ المقاومين في جنوب لبنان هم مقاتلون شرعيون طالما وُجد الاحتلال العسكري يمارسون حقًا أصيلًا وإنّ تجريم المقاومة داخليًا ليس مجرد قرار خاطئ بل هو انقلاب على حق أساسي كرّسه القانون الدولي العام والإنساني.
وبناءً على العرض السابق، وأي قانون أو مرسوم يصدر من شأنه أن يمنع حمل السلاح ضدّ الاحتلال هو إجراء باطل دستوريًا وقانونيًا لأنه يمنع ممارسة حق طبيعي من حقوق الإنسان وهو حق تقرير المصير.
صحيح أن احتكار استخدام القوّة وقرار السلم والحرب يعد ضرورة للدولة لكن هذا المنطق يفترض وجود دولة كاملة الأهلية تسيطر على كامل الأراضي اللبنانية. في حال الاحتلال لا شك أن السيادة تكون منقوصة وتصبح المقاومة بالتالي هي الرديف الشرعي لغياب الدولة بل هي المعبّر الأصدق عن السيادة الشعبية حين تسقط السيادة المؤسساتية.
ويمكن اعتبار أي قانون أو قرار يجرّم المقاومة المسلحة في ظل بقاء الاحتلال مرسومًا لإدارة التبعية والاستسلام لا لإدارة الدولة. فالتاريخ لم يعترف يومًا بقوانين حكومة فيشي في فرنسا أو قوانين نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا رغم أنها كانت قوانين صادرة عن سلطات كانت تدّعي أنها شرعية. لكن الشرعية تنحاز إلى من يرفض واقع الظلم والقهر والاحتلال، لا إلى من يتساهل معه ويستسلم له.
إنّ الحق في المقاومة المسلحة لا يُمنح من أحد بل هو ردة فعل مشروعة ضدّ الظلم. وما دام الاحتلال قائمًا فإن مقاومته تظل قائمة كحق دفاع شرعي مستمر. وعلى السلطة في لبنان أن تدرك أن التشريعات والقرارات الحكومية التي لا تحمي كرامة الشعوب، لا تساوي الحبر الذي كتبت به، وأن المعيار الحاسم للشرعية هو مدى الاقتراب من جوهر الحرية أو الابتعاد عنه.