مقالات مختارة
غادة حداد- صحيفة "الأخبار"
من تاريخ المقاومة والعلاقة بفلسطين والهجرة والعمل الفلاحي، إلى دور النساء في حفظ الذاكرة الشعبية وأهمية الأرشيف العائلي، نظّم «تجمع الباحثات اللبنانيات» ندوة «جبل عامل: تاريخ الشعب» لاستعادة تاريخ المنطقة من روايات أهلها لا من السرديات الرسمية وحدها، ليصبح التوثيق محاولة لإنقاذ الرواية والهوية، وكتابة تاريخ الذين حضروا في الحياة وغابوا عن الكتب
في زمن الحرب، يصبح البحث في التاريخ جزءاً من معركة الحاضر والمستقبل. من هذه الفكرة انطلقت ندوة «جبل عامل: تاريخ الشعب» التي نظّمها «تجمع الباحثات اللبنانيات» في «مسرح المدينة» يوم الخميس الفائت، في محاولة لاستعادة تاريخ المنطقة من روايات أهلها، بعيداً عن السرديات الرسمية التي كثيراً ما تُقصي أصوات الناس العاديين. شارك في اللقاء كل من الباحثين هشام صفي الدين ومصطفى بزي ورامي زريق وحياة الرهاوي وأماني رمال.
تقول منسّقة التجمع بيسان طي لـنا إن التفكير في هذا النشاط بدأ منذ نحو عام، لكن اللحظة الراهنة جعلت تأجيله غير ممكن. فـ «الحاضر ليس معلقاً خارج الزمن، بل هو امتداد للتاريخ»، والمعرفة السطحية بالماضي، أو غيابها، تترك فراغاً سرعان ما تملؤه روايات مشوّهة تزيد الشرخ داخل المجتمع.
أمام المؤرخين والباحثين تحدٍ لتوثيق تاريخ جبل عامل، بعد خسارة وثائق ومكتبات وذاكرة مادية بفعل القصف الإسرائيلي. ورغم حجم الخسارات، من الشهداء إلى الدمار، ترى طي أنّ الحرب شكلت لحظة استعادة للوعي، كما كان السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 «خضة» في الوجدان المحلي والعربي قبل الغربي، وأعاد التأكيد على أنّ القضية الفلسطينية لم تنتهِ، وأن معركة الرواية لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وتقول طي: «نحاول أن ننقذ روايتنا، وبالتالي ننقذ أنفسنا وهويتنا».
تاريخ الناس لا تاريخ المنتصرين
يعود السؤال عن أهمية استعادة التاريخ وتوثيقه، باعتباره جزءاً من معركة الحاضر والمستقبل، خصوصاً في ظلّ الحرب المستمرة وما تخلّفه من دمار وخسائر. من هذه النقطة يستهل الباحث هشام صفي الدين مقاربته لتاريخ جبل عامل، مؤكداً على أنّ الحرب تمتد من الميدان العسكري إلى الاقتصاد والنفس والثقافة والفكر، وصولاً إلى محاولة محو التراث المعماري والثقافي.
جبل عامل، ببلداته وسهوله وحواضره، شاهد على تاريخ طويل من العمران والعمل الفلاحي والإنتاج العلمي والديني والفكري، إضافة إلى تاريخ من المقاومة الشعبية والمسلّحة في مواجهة الاحتلال والسلطات الجائرة. وما يجري اليوم من استهداف للقرى والحواضر التاريخية، من صور إلى النبطية وبنت جبيل، يجعل التوثيق مهمة ملحّة أمام محاولات المحو.
توقف صفي الدين عند مفهوم «تاريخ الشعب» كمدرسة في كتابة التاريخ ظهرت في القرن العشرين، تقوم على قراءة التحولات الكبرى من موقع الناس العاديين وليس أصحاب السلطة والنفوذ. وهو يختلف عن التاريخ الشعبي أو التاريخ الشفوي، رغم أنه يستفيد منهما، لأنه يبحث في البنى الاجتماعية والصراعات والتجارب التي غالباً ما تغيب عن الرواية الرسمية.
حين تبقى المعرفة تحت الركام
في السياق نفسه، تحدث الباحث مصطفى بزي، مؤكداً على أنّ انعقاد هذه اللقاءات وسط الحرب والدمار يشكّل استمراراً للحياة والمعرفة وفعلاً من أفعال الصمود. بدأ مداخلته من تجربته الشخصية بعد تدمير منزله ومكتبته التي ضمّت آلاف الكتب، مؤكداً على أنه رغم الخسارة سيواصل العمل البحثي، وأن مسؤولية متابعة المسيرة تنتقل أيضاً إلى الأجيال المقبلة.
شدّد بزي على أن التاريخ هو أساس معرفة الحقيقة، وأن كتابته تقوم على البحث العلمي والتدقيق، بعيداً عن الأهواء والرغبات المسبقة. واعتبر أنّ دراسة تاريخ جبل عامل هي عملية بحث وفهم للحاضر واستشراف للمستقبل، من خلال تحقيق التراث المغمور وربط المعرفة التاريخية بمشروع ثقافي أوسع.
وأكد بزي أنّ الغاية الأساسية من الكتابة التاريخية هي الوصول إلى الحقيقة كما هي، لا كما يريدها بعضهم أن تكون، لأن التاريخ يبدأ بتدوين للأحداث، ويغوص في أسبابها وسياقاتها ومعانيها.
«حسن»: سيرة الذين لم يملكوا الأرض
أما الباحث رامي زريق، فذهب إلى تاريخ الذين لا تحفظ الكتب أسماءهم. في مداخلته «سيرة حسن: كنا في الأرض ولكن لم نملكها»، لم يكن حسن مجرد فرد، بل مدخلاً إلى تجربة اجتماعية كاملة عاشها الفلاحون والعمال الزراعيون في جبل عامل. ويقول إنّ «تاريخ الشعب» ليس تاريخ القادة والعائلات الكبرى، بل تاريخ الناس الذين صنعوا التحولات الاقتصادية والاجتماعية من دون أن يجدوا مكانهم في السرديات الرسمية.
عاد إلى علاقة الإنسان بالأرض، وإلى مرحلة انتقلت فيها السيطرة على الأراضي من «المقاطعجية» إلى العائلات الكبرى، ما أنتج أنماطاً اجتماعية مختلفة بين المدن والبلدات والمزارع. ويلفت زريق إلى التناقض بين صورة أصحاب الأرض في بعض الكتب، وبين ذاكرة الفلاحين عن تجربتهم معهم.
من خلال «حسن»، تظهر تفاصيل عالم كامل، من علاقة الفلاحين بالزمن الذي كان يُقاس أحياناً بالمواسم والأحداث الطبيعية أكثر من السنوات، إلى طبيعة العلاقة بين المالك والفلاح، نظام تقاسم المحصول، دور الوكيل، هشاشة الحياة اليومية، عمل النساء، والتعليم التقليدي.
كما تتبع زريق التحولات التي رافقت انتقال أبناء هذه البيئات إلى المدن. فالهجرة العاملية لم تكن دائماً قطيعة مع القرية، بل حركة مستمرة بين الريف والمدينة، حمل فيها الناس علاقاتهم وشبكاتهم ومهاراتهم، وتحولت المزارع تدريجاً إلى قرى ومجتمعات مرتبطة باقتصاد جديد.
النساء... ذاكرة لم تُكتب
للنساء العامليات دور أساسي في حفظ الذاكرة الدينية والشعبية، وخصوصاً عبر المجالس الحسينية. أوضحت الباحثة حياة الرهاوي أن النساء في العهد العثماني كنّ خارج التعليم الرسمي إلى حد كبير، لكنّ عدداً من علماء الدين اهتموا بتعليم بناتهم القرآن والعلوم الدينية، بعدما أدركوا دور المرأة في نقل الشعائر وحفظها. ومن بين هذه النماذج فاطمة «ست المشايخ»، التي شكّلت إحدى الشخصيات النسائية البارزة.
ومع الوقت، بدأت تتشكل نهضة ثقافية نسائية أوسع، لعبت فيها مجلة «العرفان» دوراً في فتح المجال أمام النساء العامليات للكتابة والمشاركة الثقافية، بداية بأسماء مستعارة ولاحقاً بأسمائهن الحقيقية. وأشارت إلى ظهور نساء شعائريات في حواضر جبل عامل، بينهن حسيبة هاشم التي عُرفت بحضورها وصوتها، مع التأكيد على أنّ هناك نساء سبقنها وأسهمن في تكوين أجيال من القارئات.
ورأت أنّ النساء كنّ من أبرز صانعات الذاكرة الجماعية. فالمجالس النسائية كانت مساحة واسعة لحفظ الرواية ونقلها، خصوصاً أن حضور الأطفال مع أمهاتهم أسهم في انتقال هذه الذاكرة بين الأجيال. لكن هذا الإرث ظلّ إلى حد كبير خارج التوثيق. فخلال سنوات بحثها الميداني، وجدت الرهاوي أنّ كثيراً من الروايات الشفوية لم تُدوّن، وأن المخطوطات النسائية المرتبطة بهذا المجال لم تُحفظ رغم أهميتها.
الأرشيف: إنقاذ التفاصيل الصغيرة
وإذا كان تاريخ الشعب يبدأ من الناس، فإن حفظه يبدأ من الأشياء التي يتركونها خلفهم. من هنا تحدثت الباحثة أماني رمال عن تجربة مبادرة «وثائقية»، التي انطلقت عام 2017 لجمع أرشيف العائلات اللبنانية وحفظه وإتاحته للباحثين. تقوم المبادرة على فكرة أن ذاكرة الجماعات التي عاشت الحروب والتهميش غالباً ما تكون مخبأة في الصور والرسائل والصناديق العائلية. لذلك، فإن إنقاذ هذه المواد هو أيضاً إنقاذ لحق الناس في رواية تاريخهم.
أشارت رمال إلى أنّ أحد أكبر التحديات كان إقناع العائلات بأن الوثائق الشخصية ليست مجرد مقتنيات خاصة، بل جزء من ذاكرة جماعية. لذلك، تُحفظ كل مجموعة باسم العائلة التي قدمتها، مع توثيق قصة انتقالها ووصولها. وقد جمعت المبادرة وثائق مرتبطة بالقرى السبع، ومرحلة الاحتلال، والأسرى والمعتقلات، وتجارب المدنيين اليومية تحت الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية. كما توسّع المشروع بعد حرب الإسناد ليشمل الأرشفة الرقمية، وجمع الشهادات، وتدريب شباب وشابات على تقنيات الذاكرة الشفوية.