مقالات
إنّ اعتماد سياسة عدم الردّ على الاعتداءات "الإسرائيلية" لفترة طويلة لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد خيار تكتيكي لتجنب التصعيد، بل تحوّل تدريجيًا إلى معادلة سياسية - استراتيجية جديدة تعيد تشكيل سلوك الخصوم والحلفاء والبيئة الداخلية على حد سواء. فالصراعات الممتدة لا تُدار فقط بميزان القوة العسكرية، بل أيضًا بميزان الإدراك والصورة المتكوّنة لدى الأطراف المختلفة. ومن هنا، فإن تثبيت نمط الامتناع عن الرد يحمل مجموعةً من المخاطر المتراكمة التي تتجاوز البعد العسكري المباشر، وتحديدًا في مواجهة العدو "الإسرائيلي".
أولًا: اعتداءات بلا سقف زمني
أول المخاطر يتمثل في أن غياب الردّ يفتح المجال أمام استمرار الاعتداءات من دون أفقٍ زمنيٍّ واضح. فالعدو الذي لا يواجه كلفةً مباشرةً لاعتداءاته يميل إلى تحويل هذه الاعتداءات إلى سياسةٍ ثابتةٍ لا إلى أحداثٍ استثنائية. ومع مرور الوقت، يصبح القصف أو الخرق أو الاستهداف جزءًا من الوضع الطبيعي للصراع، وليس حدثًا يفرض إعادة الحسابات. وهذا ما تجلّى واضحًا خلال الأشهر الخمسة عشر على المستوى السياسي والإعلامي والتفاعل الشعبي.
ثانيًا: مزيد من الجرأة والتصعيد
في الصراعات العسكرية، يُفسَّر غياب الرد غالبًا باعتباره مؤشرًا على تراجع الإرادة أو القيود الداخلية. ومع تراكم هذه القراءة، قد يتولد لدى الخصم انطباعٌ بأن الطرف المقابل يفقد القدرة أو الإرادة، ما يشجعه على توسيع نطاق العمليات أو رفع حدّتها. وهنا لا يعود التصعيد نتيجة قرارٍ مفاجئ، بل نتيجة مسارٍ تدريجيٍّ من اختبار الحدود. فالعدو يراقب باستمرار ردود الفعل، وإذا وجد أن الكلفة محدودة أو معدومة، فإنه يميل إلى توسيع مجال المناورة والضغط.
ثالثًا: تكوّن صورة ضعف أمام الداخل والخارج
الردع لا يقوم فقط على امتلاك القوة، بل على الصورة المتكوّنة عن الاستعداد لاستخدامها. وعندما تتكرر الاعتداءات من دون رد، تتشكل تدريجيًا صورة توحي بأن القدرة العسكرية لا تُترجم إلى فعلٍ سياسي. هذه الصورة قد تنعكس في اتجاهين:
خارجيًا، حيث قد يعتقد الخصوم أن ميزان القوة يميل لمصلحتهم بشكلٍ مطلق. وهو من أخطر الحالات التي يواجهها شعب.
داخليًا، حيث تبدأ قطاعاتٌ من الرأي العام بالتساؤل عن جدوى امتلاك أدوات الردع إذا كانت لا تُستخدم عند الحاجة.
ومع الوقت تتحول هذه الصورة إلى عاملٍ يؤثر في المزاج العام والتوازنات السياسية الداخلية، حتى لو كانت مخالفةً للواقع.
رابعًا: الأثر على تقديرات العدو وخياراته
أي صراعٍ طويلٍ يعتمد على قراءة كل طرفٍ لتقديرات الطرف الآخر. فإذا خلصت "إسرائيل" إلى أن سياسة عدم الرد أصبحت ثابتة، فقد تعيد بناء استراتيجيتها على أساس أن الجبهة اللبنانية لم تعد تفرض قيودًا حقيقيةً على عملياتها. وهذا قد يفتح الباب أمام سياساتٍ أكثر هجوميةً مثل توسيع الاغتيالات أو الضربات الاستباقية أو الضغط العسكري المتواصل، باعتبار أن المخاطر المتوقعة من الرد المقابل باتت محدودةً.
خامسًا: الأثر على تقديرات الداخل اللبناني
لا يقتصر تأثير هذه الصورة على العدو، بل يمتد أيضًا إلى الساحة اللبنانية الداخلية. فمع استمرار الاعتداءات من دون رد، قد تظهر دعواتٌ داخليةٌ تطالب بإيجاد بدائل أمنية أو عسكرية مختلفة، وقد تصل بعض الأطراف إلى طرح فكرة إشراك الجيش اللبناني أو تحميله مسؤولية مواجهة الاعتداءات. هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرةً، لأنه قد يؤدي إلى توريط المؤسسة العسكرية في صراعٍ مباشرٍ مع "إسرائيل" في ظروفٍ غير محسوبة، أو إلى خلق انقساماتٍ داخليةٍ حول طبيعة الرد المطلوب.
سادسًا: ارتفاع المخاطر على المقاومة نفسها
المفارقة أن سياسة عدم الرد التي تهدف أساسًا إلى تجنب التصعيد قد تؤدي في النهاية إلى زيادة المخاطر على المقاومة. فاستمرار الضربات من دون رد يشجع العدو، كما حصل بالفعل، على تكثيف عمليات الاستهداف أو الضغط العملياتي بمرور الوقت. وبالتالي يصبح الامتناع الطويل عن الرد عاملًا قد يضعف القدرة الدفاعية بدلًا من أن يحميها.
سابعًا: زيادة المخاطر على الجنوب ولبنان ككل
النتيجة الأوسع لهذه المعادلة هي أن الجنوب ولبنان قد يواجهان مستوىً أعلى من المخاطر الأمنية. فحين يقتنع الخصم بأن كلفة الاعتداء محدودة، قد يتوسع نطاق العمليات ليشمل بنى تحتيةً أو مناطق أوسع، ما يضاعف التهديدات على السكان والاقتصاد والاستقرار الداخلي. وهكذا يتحول غياب الرد من محاولةٍ لتخفيف المخاطر إلى عاملٍ قد يزيدها على المدى المتوسط والبعيد.
في الخلاصة، إن تكريس سياسة عدم الرد قد يبدو في لحظةٍ معينةٍ خيارًا عقلانيًا لتجنب التصعيد، لكنه يحمل في طياته سلسلةً من التداعيات المتراكمة التي قد تغيّر ميزان الصراع تدريجيًا. فالردع يقوم على معادلةٍ دقيقةٍ بين القوة والصورة والإرادة. وإذا اختل أحد هذه العناصر، قد ينفتح الباب أمام مرحلةٍ يصبح فيها الضغط المستمر والاعتداءات المتكررة جزءًا من الواقع الجديد. وبالتالي، فإن النقاش حول الرد أو عدمه لا يتعلق فقط بقرارٍ عسكريٍّ آني، بل يرتبط بتقديرٍ أوسع يتصل بالمرحلة التي تلي وتطال الوجود والأمن والمستقبل. لذلك كان لا بد من منع تحول الاعتداءات إلى سياسةٍ ثابتةٍ تفرض وقائع جديدةً على لبنان والمنطقة، والأهم أنه أتى بعد استنفاد الخيارات البديلة التي ثبت بالعيان أنها لا ترتقي إلى مستوى التحدي.