مقالات
في لحظة مفصلية من تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبعد أيام ثقيلة أعقبت استشهاد المرشد الأعلى آية الله السيد علي الحسيني الخامنئي، أعلنت طهران انتخاب آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي مرشداً أعلى ثالثاً للجمهورية الإسلامية. القرار صدر عن مجلس خبراء القيادة في اجتماع استثنائي عُقد في ظل ظروف أمنية وعسكرية شديدة الحساسية، مع استمرار الحرب والتهديدات المباشرة التي تتعرض لها إيران.
وفي تحدٍّ واضح للمعسكر المعادي الذي كان يراهن على إحداث فراغ في القيادة أو اضطراب في بنية النظام، جاء انتخاب السيد مجتبى الخامنئي في لحظة استثنائية تمر بها الجمهورية الإسلامية، لحظة تتطلب قيادة تجمع بين الصلابة الثورية والخبرة السياسية والفقهية. فالرجل الذي راكم تجربة طويلة في إدارة الملفات الحساسة داخل مؤسسات النظام، ويملك معرفة عميقة ببنية الدولة وآليات عملها، يُنظر إليه في طهران بوصفه شخصية متمرسة في العمل السياسي والأمني، وقادرة على إدارة مرحلة بالغة التعقيد تتقاطع فيها التحديات العسكرية مع الضغوط الدولية.
مجلس خبراء القيادة، وهو الهيئة الدستورية المخوّلة اختيار المرشد الأعلى، أصدر بياناً رسمياً توجّه فيه إلى الشعب الإيراني بالتعزية باستشهاد القائد الأعلى للثورة الإسلامية، معتبراً أن ما جرى يشكّل خسارة كبرى للأمة الإسلامية ولجبهة المقاومة. كما دان البيان العدوان الذي نفذته أميركا و"إسرائيل"، والذي أدى إلى استشهاد عدد من القادة العسكريين والعلماء وموظفين مدنيين، بينهم عناصر من الحماية الخاصة بمقرات مجلس الخبراء.
البيان كشف أن المجلس تحرّك فور تأكيد نبأ الاستشهاد لتفادي أي فراغ في القيادة السياسية والدينية للدولة. وعلى الرغم من القصف الذي طال بعض مكاتب أمانة المجلس وسقوط شهداء بين الموظفين، فإن الهيئة واصلت اجتماعاتها واتخذت الإجراءات اللازمة لعقد جلسة استثنائية وفق ما ينص عليه الدستور الإيراني.
وبحسب ما جاء في البيان، جرى استدعاء أعضاء المجلس المنتشرين في مختلف أنحاء البلاد بشكل عاجل، وعُقد الاجتماع في ظل إجراءات أمنية مشددة. وقد ناقش الأعضاء الخيارات المطروحة مستندين إلى الصلاحيات التي تمنحها المادة 108 من الدستور لمجلس خبراء القيادة في اختيار المرشد الأعلى.
المجلس أوضح أن المادة 111 من الدستور تتيح تشكيل مجلس قيادة مؤقت في حال شغور المنصب، إلا أن التوافق السريع بين أعضاء المجلس أتاح تجاوز هذا الخيار والانتقال مباشرة إلى انتخاب قائد جديد للجمهورية الإسلامية.
وبعد مداولات وصفت بأنها دقيقة وواسعة، أعلن المجلس انتخاب آية الله السيد مجتبى الحسيني الخامنئي بأغلبية قاطعة من أعضاء مجلس خبراء القيادة ليكون القائد الأعلى الثالث للجمهورية الإسلامية الإيرانية، خلفاً للإمام الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية والإمام السيد علي الخامنئي الذي قاد البلاد لعقود طويلة.
البيان شدّد على المكانة المركزية لمبدأ ولاية الفقيه في النظام السياسي الإيراني، معتبراً أن هذا المبدأ كان ولا يزال الضامن لاستقلال البلاد ووحدتها السياسية في مواجهة الضغوط الخارجية. كما حيّا المجلس سبعةً وأربعين عاماً من الحكم القائم على مبادئ العزة والاستقلال والاقتدار التي رسخها قائدا الثورة الإسلامية.
وفي ختام البيان، دعا مجلس خبراء القيادة الشعب الإيراني، ولا سيما النخب الدينية والأكاديمية، إلى الالتفاف حول القيادة الجديدة والحفاظ على وحدة الصف في مواجهة التحديات الراهنة. كما أكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تماسكاً وطنياً واسعاً في ظل استمرار المواجهة مع العدوان الخارجي.
وهكذا تدخل الجمهورية الإسلامية مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، مع صعود مرشد ثالث يأتي في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب. وبين رمزية الاستمرارية داخل بنية النظام، وتداعيات الحرب الدائرة في المنطقة، تبدو طهران أمام اختبار جديد لمدى قدرتها على الحفاظ على توازنها الداخلي واستمرار مشروعها السياسي في واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.