اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

مقالات

المحرقة الكبرى: لحظة اللاعودة وسقوط الهيمنة الأميركية
مقالات

المحرقة الكبرى: لحظة اللاعودة وسقوط الهيمنة الأميركية

80

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

الحرب المستعرة التي أشعلها الحلف التلمودي الأميركي الصهيوني في المنطقة لا تتوقف عند استهداف الجمهورية الإسلامية في إيران وإسقاط نظامها وإخضاعها، بل تتّسع في أهدافها لإلغاء كل دولة عربية أو إسلامية من سواحل البحر المتوسط حتى تخوم الشرق اللصيق بروسيا والصين، وتدمير مقوّمات وجودها التي تجعل منها أنظمةً قادرةً على تهديد مشروع الهيمنة الغربية على العالم.

ولئن أطنب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كعادته، في رفع الأسقف الهمايونية لأهداف الحرب المنسلخة عن الواقع الميداني، تتصاعد في أروقة القرار الصهيوني نبرةٌ عسكريةٌ تتحدث عن "عام الحسم"، وتأخذ الصورة إلى مدياتٍ أعمق بكثير من مجرد تحركاتٍ ميدانية.

برز في هذا السياق تصريح رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير الذي قال إن "المعركة ستستمر وقتًا طويلًا، وهي حاسمةٌ ومصيريةٌ وستحدد مستقبلنا وأمننا هنا لسنواتٍ طويلةٍ قادمة"، فيما تعكس تحليلاتٌ استراتيجيةٌ ينشرها الإعلام الصهيوني محاولةً لهندسة وعيٍ مزدوج: واحدٌ يستهدف استحضار الدعم الوجودي من الغرب، وآخر يهدف إلى ترميم الذات المتآكلة في الداخل، لتكشف عن مآلات الصراع في الذهن "الإسرائيلي" بأن الحرب الدائرة تضع "إسرائيل" في لحظة اللاعودة. ولم يعد الحديث في" تل أبيب" يدور حول "جولات تصعيد" أو "أيام قتالية"، بل انتقل القاموس السياسي والعسكري إلى مصطلحاتٍ أكثر حدةً وقتامةً على غرار "حرب الجيل" و"المعركة المصيرية".

ارتباك استراتيجي

هذا التحول البنيوي في الخطاب يستبطن تحديد ملامح الأمن "الإسرائيلي" لعقودٍ قادمة، ولكن خلف ما يظهر على أنه لغةٌ واثقةٌ ووعدٌ بالحسم يكمن ارتباكٌ استراتيجيٌ عميقٌ يحاول مسؤولو العدو صياغته ضمن سرديةٍ مزدوجةٍ توازن بدقة بين "الخطر الوجودي" لاستدرار الدعم الغربي، و"الفخر العسكري" لترميم التصدّعات في الجبهة الداخلية.

فتصريح زامير بالهروب إلى الحسم الهش ليس مجرد تقديرٍ عسكريٍ نابعٍ من معطيات الميدان، بل هو بيانٌ سياسيٌ بامتياز موجّهٌ بعنايةٍ إلى ثلاث جهاتٍ مختلفة:

الأولى: إلى الداخل الإسرائيلي المنهك، حيث يهدف الخطاب إلى طمأنة المجتمع الصهيوني الذي يعيش تحت وطأة استنزافٍ غير مسبوقٍ ونقصٍ حادٍ في القوة البشرية المقاتلة فرضته ظروف المواجهة الشاملة على محوري إيران ولبنان حتى الآن. وهو يحاول تسويق فكرة أن التضحيات الهائلة الحالية هي الثمن الأخير الواجب دفعه لضمان "الأمن الأبدي"، سعيًا لرفع الروح المعنوية في ظل تقهقر القدرات العسكرية للعدو والاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي وتصاعد القلق الوجودي.

الثانية: إلى الإدارة الأميركية، حيث يهدف إلى الإيحاء بأن "إسرائيل" تنهي المهمة، وأن كسر "المحور الإيراني" يحتاج من واشنطن استمرار الغطاء الدبلوماسي والإمداد الحربي واللوجستي غير المحدود، والخوف من إقدام ترامب على وقف إطلاق النار في اللحظات الأخيرة.

الثالثة: إلى محور المقاومة، حيث يحاول زامير ترميم ميزان الردع الذي تآكل بشكلٍ خطير، عبر الحديث عن استمرار أمد الحرب بأدواتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، ويوحي بأن التفوق التكنولوجي "الإسرائيلي" قادرٌ على حسم معركة الجيل.

النصر: أزمة في التعريف والتحقق

في السياق ذاته، يمارس العدو عبر وسائل الضغط السياسي والدعائي سياسةً تحريضيةً تهدف إلى دفع الولايات المتحدة للانتقال من سياسة "الردع عن بُعد" إلى الانخراط المباشر والشامل في الحرب، سواء عبر تكريس مبدأ المصير المشترك أو عبر ما يمكن تسميته "دبلوماسية الترهيب"، من خلال استخدام فزاعة انضمام روسيا والصين إلى الصراع.

وعلى خطٍ موازٍ، يجهد الخطاب الصهيوني إلى شيطنة إيران وحلفائها وتصويرها كقوةٍ انتحاريةٍ غير عقلانيةٍ تتحرك بدافع اليأس وغير قابلةٍ للتفاوض، سعيًا إلى تسويغ خيار الاستئصال.

وهنا تنشأ أزمة تعريف "النصر" لدى واشنطن وتل أبيب معًا: فهل النصر هو تدمير المفاعل النووي الإيراني؟ أم إزالة إيران الدولة والنظام الإسلامي؟ أم تحقيق نبوءة "إسرائيل الكبرى" وتغيير "الشرق الأوسط" على حد زعم نتنياهو؟ وفي كل الأحوال، هل هناك قدرةٌ فعليةٌ على تحقيق هذه الأهداف مجتمعةً أو هدفٍ واحدٍ منها وفقًا للتطورات الميدانية المستجدة؟

إن استمرار الحرب لسنواتٍ كما يتحدث مسؤولو العدو يعني اعترافًا واضحًا بأن "إسرائيل" ما هي إلا ثكنةٌ عسكريةٌ دائمةٌ سوف تفقد مصداقيتها كـ"دولة ديمقراطية" أو "واحة سلام" أو ساحةٍ اقتصاديةٍ مثمرةٍ في المنطقة. ناهيك عن مؤثرات استمرار الحرب على الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي للدول العربية، ولا سيما في منطقة الخليج التي يبدو أن ترامب يستخدمها "كبش محرقة" لتغذية طموحاته الديكتاتورية في الهيمنة والاستعمار.

روسيا والصين والاستنزاف الأميركي

في "لحظة اللاعودة" الأميركية-"الإسرائيلية" يبدو أن الدور الروسي والصيني قد بدأ ينتقل من المراقب الحذر والداعم الخفي إلى "اللاعب الاستراتيجي" الذي يسهم بشكلٍ مباشرٍ في تشكيل النظام العالمي الجديد مستغلًا الغرق الأميركي في رمال المنطقة.

فبالنسبة لموسكو، هذه الحرب هي "هديةٌ جيوسياسيةٌ" لفك الحصار عنها في أوكرانيا، حيث تتحرك روسيا وفق استراتيجية تشتيت الانتباه الأميركي. فكل صاروخٍ يوجَّه نحو "إسرائيل" يعدّ استنزافًا للمخزون التسليحي الأميركي الذي كان مقدّرًا له الذهاب إلى كييف.

وتشير المعطيات إلى أن روسيا تقوم بتزويد إيران ببيانات أقمارٍ صناعيةٍ حيةٍ حول تحركات الأساطيل الأميركية، فضلًا عما قيل عن فتح مخازنها لتزويد المحور الإيراني بأنظمة دفاعٍ جويٍ متطورةٍ وصواريخ مضادةٍ للسفن لرفع كلفة أي تدخلٍ بحريٍ أميركي.

ويهدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من وراء ذلك إلى وضع واشنطن أمام خيارين أحلاهما مر: إما إنقاذ أوكرانيا أو إنقاذ "إسرائيل"، مع علمه أن ترامب لا يستطيع خوض حربين استنزافيتين في آنٍ واحد.

أما بالنسبة للصين فإن بكين تؤدي دورًا أكثر دهاءً؛ فهي لا تريد التدخل لحسم الحرب عسكريًا، بل تريد فرض التفوق اقتصاديًا والاستمرار في سياسة ضرب الدولار كعملةٍ تجاريةٍ-مالية، وفي الوقت نفسه تقدّم نفسها قوةَ سلامٍ عاقلةً مقابل فوضى الانحياز الأميركي، وبذلك تقوّي اتجاهاتها العملية في سبيل إنهاء الهيمنة الغربية.

إيران.. عقيدة الدفاع وحرب الوجود

تشير المعطيات الميدانية وقراءة العقيدة العسكرية الإيرانية (الدفاع الهجومي) إلى أن طهران تدير المعركة اليوم وفق منظورٍ مختلف، فهي لا تهدف إلى تحقيق انتصارٍ عسكريٍ تقليديٍ في معركةٍ مفتوحة، بل تسعى إلى جعل كلفة الحرب أعلى من قدرة "إسرائيل" والغرب على التحمل.

فالجبهات في لبنان واليمن والعراق ليست مجرد أطراف، بل هي خطوط دفاعٍ استراتيجية، ويعتمد التكتيك الإيراني على "التفعيل المتزامن" لكافة الساحات لضرب أنظمة الاعتراض الجوية "الإسرائيلية" (القبة الحديدية، مقلاع داوود، ثاد)، ليسهل على الصواريخ الدقيقة والمدمّرة ضرب أهدافٍ استراتيجيةٍ عسكريةٍ وحيويةٍ على مساحة الكيان الصهيوني.

كما ترى في تهديد الملاحة الدولية سلاحًا نوويًا اقتصاديًا (إغلاق مضيق هرمز، استهداف منشآت النفط..) ما يؤدي إلى تضخمٍ عالميٍ يكسر عنجهية الاندفاعة الأميركية-"الإسرائيلية" ويعيد خلط الأوراق في معادلة الحرب وأكلافها القاتلة. والرؤية الإيرانية بسيطةٌ ومرعبةٌ مفادها: "إذا لم نبع نفطنا، فلن يبيعه أحد". وهذا السيناريو يعدّ منعطفًا خطيرًا قد يجر العالم إلى حربٍ عالميةٍ ثالثة.

حرب الاستنزاف.. فييتنام الجديدة

تراهن طهران على أن النفس الطويل هو نقطة ضعف المجتمعات الليبرالية، وعلى رأسها إدارة ترامب الجامحة والمتهورة، وترى أن التحول إلى حرب عصاباتٍ صاروخيةٍ طويلة الأمد سيؤدي إلى كسر الجبهة الداخلية الإسرائيلية عبر التهجير المستدام للمستوطنين في شمال فلسطين المحتلة أو حتى في الداخل، فضلًا عن ضرب قطاع التكنولوجيا (الهايتك) الذي يمثل عصب الاقتصاد الصهيوني ويعتمد في تفعيل استثماره على الاستقرار الأمني، وبالتالي تحويل "إسرائيل" إلى بيئةٍ غير مؤهلةٍ للاستثمار والعيش.

مآلات الحرب.. إلى أين؟

إن استمرار الحرب في وتيرتها الراهنة يضع "إسرائيل" والولايات المتحدة أمام مآلاتٍ معقدة، فحتى لو تعرضت إيران لضرباتٍ مؤلمةٍ فإن الحسم النهائي بعيد المنال وفق أجندة الأهداف الأميركية-"الإسرائيلية"، ما يؤدي إلى سقوط المشروع العتيد في تغيير "الشرق الأوسط" والهيمنة على المنطقة.

ويبقى سيناريو التسوية المفروضة، بحيث تدرك إدارة ترامب المهووسة بالحرب التلمودية، بفعل نتائج الحرب وتحت ضغط الاستنزاف الروسي-الصيني، أن "النصر الحاسم" الذي وعد به نتنياهو وأركان حكومته ما هو إلا وهم، فلا تجد بدًا من الذهاب إلى صفقةٍ إقليميةٍ كبرى تشرعن نفوذ القوى الإقليمية وتمنح إيران دورًا معترفًا به، أي نهايةً للمشروع الصهيوني.

ويبقى السيناريو الأخطر في الانزلاق الشامل والمنعطف الخطر بتصعيدٍ أميركيٍ غير معهودٍ للحرب، من شأنه أن يدفع إيران لتفعيل خياراتها الوجودية، ما قد يجر المنطقة والعالم إلى فوضى عسكرية، فتصبح "لحظة اللاعودة" نذير إلغاءٍ وجوديٍ كاملٍ وشاملٍ لـ"إسرائيل".

وعليه، فالمنطقة الآن أمام خيارين قاسيين:

إما اتفاقٌ مؤلمٌ يعيد تخجيم وزن "إسرائيل" في المنطقة،

أو انزلاقٌ نحو حربٍ كبرى قد تكون المسمار الأخير في نعش الهيمنة الغربية المطلقة على الشرق الأوسط.

الكلمات المفتاحية
مشاركة