مقالات
في الحروب الكبرى لا تُحسم النتائج دائمًا في ساحات القتال وحدها، بل تتحدد في لحظة إدراك الأطراف المتحاربة حدود القوة وحدود السياسة. فالحرب تبدأ فعليًا بالانتهاء عندما يكتشف الطرف المهاجم -أو كلا الطرفين- أن المسار العسكري لم يعد قادرًا على تحقيق الهدف السياسي الذي شُنَّت الحرب من أجله. عند تلك اللحظة بالذات تبدأ مرحلة مختلفة: مرحلة نضوج نهاية الحرب.
في المواجهة الجارية، يمكن رصد جملة من المؤشرات التي تكشف أن بعض الرهانات التي قامت عليها الاستراتيجية الأميركية-الإسرائيلية بدأت تتعرض لتآكل تدريجي. فالحروب التي تُبنى على تقديرات خاطئة أو مبالغ فيها حول ضعف الخصم تتحول مع مرور الوقت إلى اختبار قاسٍ لصدقية تلك التقديرات. ومن هنا يمكن قراءة عدد من المتغيرات التي تشير إلى أن مسار الصراع قد لا يتجه بالضرورة في الاتجاه الذي افترضه المخططون في واشنطن و"تل أبيب".
أولًا: استنفاد الرهان على الحسم العسكري
كان أحد الافتراضات المركزية في الحسابات الأميركية-"الإسرائيلية" يقوم على أن اغتيال الإمام الخامنئي وضرب قادة الصف الأول يمكن أن يؤدي إلى انهيار النظام أو على الأقل إلى إحداث تصدع عميق في بنيته. أيضًا بُنيت الحسابات على أن استمرار الضغط العسكري المكثف قد يفرض تحولات سياسية جوهرية داخل إيران، سواء عبر إخضاع النظام أو دفعه إلى تغيير سلوكه الاستراتيجي.
غير أن التجارب التاريخية مع الدول التي تمتلك بنى سياسية وأمنية متماسكة تشير إلى أن الضربات العسكرية وحدها نادرًا ما تحقق مثل هذه الأهداف. فكلما طال أمد المواجهة من دون ظهور مؤشرات على انهيار داخلي أو تراجع استراتيجي كبير، يتحول السؤال في دوائر القرار من: كيف ننتصر؟ إلى سؤال أكثر واقعية: ما الذي يمكن تحقيقه فعلًا من استمرار الحرب؟
عند هذه النقطة يبدأ رهان الحسم العسكري بالتآكل، وتتحول الحرب تدريجيًا إلى عملية استنزاف متبادل لا تحقق الهدف السياسي الأصلي الذي انطلقت من أجله.
ثانيًا: تآكل رهان إسقاط النظام أو إخضاعه
كان من بين أكثر الرهانات جرأةً -وربما تهورًا- في الاستراتيجية الأميركية-"الإسرائيلية" الاعتقاد بأن الضربات العسكرية المكثفة قد تُطلق ديناميات داخلية تؤدي إلى إضعاف النظام الإيراني أو حتى إسقاطه.
لكن هذا التصور يصطدم بقاعدة معروفة في علم السياسة: الأنظمة المتماسكة التي تستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة تميل إلى المزيد من التماسك الداخلي عندما تواجه تهديدًا خارجيًا حادًا بدلًا من التفكك. فالحرب الخارجية تتحول في كثير من الأحيان إلى عامل تعبئة وطنية يمنح النظام فرصةً لإعادة ترتيب صفوفه وتعزيز شرعيته الداخلية.
ومع مرور الوقت، إذا لم تظهر مؤشرات واضحة على انشقاق في مراكز القوة أو اضطراب داخلي واسع، فإن فرضية إسقاط النظام تتحول من هدف عملي إلى رهان نظري يصعب تحقيقه عبر الأدوات العسكرية وحدها.
ثالثًا: التباين المتزايد بين واشنطن و"تل أبيب"
يُظهر تاريخ الحروب أن كثيرًا من النزاعات التي تخوضها تحالفات تنتهي عندما يبدأ الاختلاف في تقدير الموقف بين الحلفاء.
فالولايات المتحدة تنظر إلى الصراع من زاوية أوسع تتعلق بالاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها وقواعدها العسكرية، بينما تنظر "إسرائيل" إليه من زاوية أكثر ارتباطًا باعتبارات أمنية ذات طابع وجودي.
ومع استمرار الحرب وارتفاع كلفتها السياسية والعسكرية، يصبح من الطبيعي أن تتزايد التساؤلات داخل واشنطن حول حدود جدوى استمرار العمليات العسكرية وتأثيرها على المصالح الأميركية في المنطقة. وإذا تعمق هذا التباين في التقدير بين الطرفين، فقد يتحول إلى عامل ضاغط باتجاه إنهاء الحرب أو إعادة صياغة أهدافها.
رابعًا: استمرار قدرة إيران على ضرب العمق
من أكثر المؤشرات حساسيةً في أي حرب قدرة الطرف الذي يتعرض للهجوم على الاستمرار في إيلام الخصم.
فلو نجحت الضربات الأميركية-"الإسرائيلية" في شل القدرة الصاروخية الإيرانية بسرعة، لكان ميزان الحرب قد مال بوضوح نحو الحسم. لكن استمرار إيران في استهداف العمق "الإسرائيلي" والمصالح الأميركية يشير إلى أن القدرة الهجومية لم تُشل بالكامل.
وهذا يخلق معادلةً مختلفة: فبدلًا من أن تكون الحرب عملية تدمير أحادي الاتجاه، تتحول إلى حرب استنزاف متبادل، حيث يكتشف كل طرف أن خصمه ما زال يمتلك القدرة على الرد. وحتى لو كان هناك تفاوت واضح في حجم التدمير الذي يوقعه كل طرف، فإن النتائج النهائية للحروب لا تُقاس فقط بحجم الضربات، بل أيضًا بقدرة كل طرف على الصمود والاستمرار.
خامسًا: التقدير الواقعي للقدرات الصاروخية الإيرانية
غالبًا ما تكشف الحروب الحديثة الفجوة بين التقدير الإعلامي والتقدير الفعلي لقدرات الخصم. فالتقارير الإعلامية قد تعطي انطباعًا بأن الضربات العسكرية دمّرت جزءًا كبيرًا من القدرات الصاروخية الإيرانية، لكن التقييم الحقيقي داخل المؤسسات العسكرية يعتمد على سؤال أكثر دقة:
هل معدل تدمير الصواريخ ومنصات الإطلاق أعلى من قدرة إيران على تعويضها؟
إذا كانت إيران قادرةً على مواصلة الإنتاج أو إعادة تشغيل منشآت التصنيع بسرعة نسبية، فإن الضربات الجوية -مهما بلغت كثافتها- قد لا تحقق الهدف الاستراتيجي المتمثل في إنهاء التهديد الصاروخي الإيراني.
سادسًا: إدارة إيران لمخزونها الصاروخي
من الخطأ افتراض أن إيران ستستخدم كامل مخزونها الصاروخي دفعةً واحدة. فالدول التي تخوض حروب استنزاف تميل عادةً إلى إدارة مواردها العسكرية وفق تقدير زمن الحرب.
ولهذا من المرجح أن تكون طهران حريصةً على الحفاظ على كتلة حرجة من الصواريخ ومنصات الإطلاق، بحيث لا تصل إلى مرحلة تفقد فيها القدرة على الردع.
ففي الحسابات الاستراتيجية لا يكفي امتلاك الصواريخ في بداية الحرب؛ الأهم هو الاحتفاظ بقدرة هجومية حتى اللحظة الأخيرة منها. ولذلك فإن وتيرة إطلاق الصواريخ غالبًا ما تكون مرتبطةً بتقدير إيراني لمدة الحرب المحتملة، وليس فقط بحجم المخزون المتوافر.
الخاتمة: عندما تكشف الحرب حدود القوة
ما يتكشف تدريجيًا في مسار هذه المواجهة هو أن الرهانات التي قامت عليها الاستراتيجية الأميركية-"الإسرائيلية" لم تتحقق بالسرعة ولا بالشكل الذي كان متوقعًا. ففرضية انهيار النظام الإيراني لم تظهر لها مؤشرات جدية، كما أن القدرة الصاروخية الإيرانية ما زالت قادرةً على إيلام الخصوم.
في المقابل، تبدو إيران -حتى الآن على الأقل- وقد نجحت في تحويل الحرب من معركة حسم سريع ضدها إلى معادلة صمود واستنزاف. وهذا التحول في طبيعة الصراع يفرض على صناع القرار في واشنطن و"تل أبيب" إعادة النظر في تقديراتهم الأولى.
فالحروب كثيرًا ما تبدأ بثقة كبيرة في القدرة على فرض النتائج، لكنها تنتهي عندما تكتشف الأطراف المتحاربة أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع دائمًا تحقيق جميع الأهداف السياسية التي وُضعت لها. وعند تلك اللحظة تحديدًا تبدأ مرحلة البحث عن نهاية للحرب، لا بوصفها انتصارًا كاملًا، بل باعتبارها الخروج الأقل كلفةً من مواجهة لم تعد نتائجها مضمونة.