اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

السيد مجتبى الخامنئي

مقالات مختارة

الخامنئي الثاني يترجم الخامنئي الأول
مقالات مختارة

الخامنئي الثاني يترجم الخامنئي الأول

52

ناصر قنديل - صحيفة البناء

ينتمي الخطاب الأول للمرشد الإيراني الجديد السيد مجتبى خامنئي بوضوح إلى المدرسة العقائدية ذاتها التي أرساها الإمام الخميني ثم واصلها الإمام علي خامنئي طوال العقود الماضية. ففي الثوابت الكبرى لا يظهر أي تبدل: الموقف من الوجود العسكري الأميركي في الخليج يبقى موقفًا رافضًا يعتبره مصدر تهديد لأمن المنطقة، والعلاقة بقوى المقاومة في المنطقة تبقى علاقة مبدئية لا تقبل المساومة أو المقايضة. هذا الامتداد العقائدي يظهر في اللغة العامة للخطاب وفي تأكيده أن الجمهورية الإسلامية ستواصل الدفاع عن استقلال المنطقة ودعم قوى المقاومة. لكن الخطاب تميّز في الوقت نفسه بملامح مختلفة، تتمثل في نقل هذه الثوابت من مستوى الخطاب العقائدي العام إلى مستوى الخطاب السياسي المباشر، حيث لم تعد تُطرح بوصفها مبادئ مجردة بل بوصفها عناصر عملية في معادلة الصراع في المنطقة. ومن هنا تبدأ ملامح الاختلاف التي ظهرت في أربع قضايا أساسية.

أول هذه القضايا يتعلق بأمن الخليج والوجود العسكري الأميركي فيه. ففي خطاب الإمام علي خامنئي كان الحديث يدور غالبًا في إطار توصيفي يؤكد أن وجود القوات الأجنبية في الخليج لا يجلب الأمن بل يزيد التوتر. فقد قال في أكثر من مناسبة إن «وجود القوات الأجنبية في الخليج لا يحقق الأمن لشعوب المنطقة بل يضاعف أسباب التوتر». هذا التوصيف بقي حاضرااً في الخطاب الجديد، لكن السيد مجتبى خامنئي نقل القضية خطوة إضافية إلى الأمام عندما وضعها في إطار سياسي مباشر يربط مستقبل الأمن الإقليمي بمصير هذه القواعد ومن ضمنها ربط أي بحث بإنهاء الحرب بمستقبل هذه القواعد وربط أي علاقة حسن جوار بإنهاء وجود هذه القواعد، وهو ما تترجمه بيانات عسكرية لحقت خطاب المرشد الجديد تعلن بدء مرحلة إنهاء وجود القواعد الأميركية. وفي خطابه أكد أن «أمن الخليج يجب أن يصنعه أبناء المنطقة أنفسهم، ولا يمكن أن يستقرّ ما دامت القواعد الأجنبية مفروضة على أرضه». وبهذه الصيغة تتحوّل القضية من توصيف سياسي إلى معادلة واضحة مفادها أن استقرار الخليج يمرّ عبر إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، ما يجعل مصير القواعد الأميركية جزءاً من النقاش حول مستقبل الأمن الإقليمي والعلاقات بين إيران ودول الخليج.

القضية الثانية التي ظهر فيها التحوّل تتعلق بطريقة الحديث عن الحرب وأدواتها. فالخطاب الإيراني التقليدي كان يعتمد على التهديد العام بالردّ الحاسم دون الدخول في تفاصيل الأدوات. وكان الإمام علي خامنئي يكرّر أن أي عدوان على إيران سيقابل برد يجعل المعتدي يندم، من دون تحديد ميادين هذا الردّ وكان يقول إن أي حرب على إيران سوف تتحوّل إلى حرب اقليمية دون أن يقول كيف. أما في الخطاب الجديد فقد ظهرت إشارات أكثر وضوحًا إلى أدوات الصراع، حيث قال مجتبى خامنئي إن «ممرات الطاقة لن تبقى بمنأى عن تأثير أي حرب تُفرض على المنطقة، ومضيق هرمز سيبقى جزءاً من معادلة الصراع»، داعيًا إلى وضع كل الإمكانات لإبقائه مقفلًا. وفي موضع آخر أشار إلى أن لدى خصوم إيران «نقاط ضعف في مجالات الطاقة والبنية الاقتصادية في مناطق لا يملكون فيها خبرة مواجهة طويلة». هذا الانتقال من الحديث العام عن الردّ إلى الإشارة إلى أدوات مثل مضيق هرمز أو البنية التحتية للطاقة يضع الصراع في إطار مختلف، حيث تصبح الحرب مرتبطة مباشرة بممرات الطاقة العالمية والمواقع الاقتصادية الحساسة في المنطقة.

أما القضية الثالثة فتتعلق بطبيعة العلاقة مع قوى المقاومة في المنطقة. في الخطاب الإيراني التقليدي كان التعبير الأكثر استخدامًا هو أن الجمهورية الإسلامية «تدعم قوى المقاومة» في فلسطين ولبنان وسائر المنطقة. وقد عبّر الإمام علي خامنئي عن ذلك بوضوح عندما قال إن إيران «تفخر بدعم حركات المقاومة التي تواجه الاحتلال والهيمنة». لكن الخطاب الجديد يذهب أبعد من هذه الصيغة، إذ لا يكتفي بتأكيد الدعم بل يتحدّث عن بنية جبهة واحدة في المواجهة. ففي خطاب السيد مجتبى خامنئي وردّ أن «قوى المقاومة في المنطقة تشكل مع إيران جبهة مترابطة، وأن ترابط هذه الجبهات سيكون عاملًا أساسيًا في أي مواجهة». وفي فقرة أخرى أكد أن «ترابط جبهات المقاومة ليس مجرد تضامن سياسيّ بل عنصر من عناصر إدارة الحرب». هذه الصيغة تعني أن العلاقة لم تعُد تُعرض بوصفها علاقة دعم بين دولة وحلفاء، بل بوصفها شبكة جبهات متصلة تشكل معاً إطار المواجهة في المنطقة.

القضية الرابعة تتصل بملف البرنامج النوويّ، حيث حافظ الخطاب على الثابت التقليديّ للجمهورية الإسلامية القائم على التمسك بالطابع السلمي للبرنامج، لكنه شدّد في الوقت نفسه على وضوح الحقوق الإيرانية وعدم القبول بأي صيغة تنتقص منها. ففي الخطاب الإيراني التقليدي كان الإمام علي خامنئي يؤكد أن «إيران لا تسعى إلى السلاح النوويّ وأن برنامجها النوويّ مخصّص للأغراض السلمية»، مع التشديد على أن امتلاك التكنولوجيا النووية حق مشروع للشعب الإيراني. هذا الموقف تكرّر في خطاب المرشد الجديد، حيث أكد مجتبى خامنئي أن إيران «متمسكة ببرنامجها النووي السلمي وفق القوانين الدولية، لكنها لن تقبل بحرمانها من حقوقها العلمية والتكنولوجية» في لحظة تؤسّس للتفاوض الدولي حول شروط إنهاء الحرب، حيث لا وقف للحرب لمجرد وقفها، كما يشير خطاب المرشد الجديد بل لتكريس نيل إيران حقوقها غير منقوصة.

الخطاب الجديد لم يغيّر الأسس العقائدية التي قام عليها خطاب الجمهورية الإسلامية منذ الثورة، لكنه نقلها إلى مستوى أكثر مباشرة في التعبير السياسي. الثوابت بقيت كما هي: رفض الهيمنة الأميركية، الدفاع عن أمن المنطقة، ودعم قوى المقاومة والتمسك بالبرنامج النووي السلمي. لكن الجديد هو أن هذه الثوابت لم تعُد تُطرح بوصفها مبادئ عامة فقط، بل كعناصر عمليّة في معادلة الصراع الإقليمي يبلغ ذروة الاشتباك ويبحث عن أدوات وخطاب وصيغ تفاوضية، فيظهر ربط أمن الخليج بمصير القواعد الأميركية، وترتبط أدوات الحرب بممرات الطاقة، وتصبح إيران وقوى المقاومة جبهة مترابطة تشارك في إدارة المواجهة، ولا يعود واردًا القبول ببقاء الملف النووي الإيراني مجمّدًا بانتظار المجهول بل يحضر على الطاولة ليتم حسم أمر الحقوق بصورة واضحة كشرط لإنهاء الحرب. بهذا الانتقال يتحوّل الخطاب من لغة العقيدة السياسية إلى لغة إدارة الصراع في المنطقة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة