اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

يوم القدس العالمي 2026
المقال التالي عاصفة رملية تضرب قطاع غزة

مقالات

فشل تقديرات
مقالات

فشل تقديرات "إسرائيل": لماذا فاجأ حزب الله المؤسسة العسكرية؟

368

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق

لم يكن التصعيد الأخير على الجبهة اللبنانية مجرد جولة عسكرية جديدة ضمن الصراع الطويل بين "إسرائيل" وحزب الله، بل شكّل لحظة اختبار حقيقية لفرضياتٍ استراتيجية بنت عليها المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" جزءًا كبيرًا من تقديراتها خلال الأشهر الأخيرة. فالمشهد الميداني الذي تكشّف خلال الأيام الماضية أظهر فجوة واضحة بين ما كانت تعتقده القيادة العسكرية "الإسرائيلية" عن قدرات حزب الله، وبين الواقع الذي فرض نفسه في ساحة المعركة.

هذه الفجوة لم تكن تفصيلًا تقنيًا أو خطأً محدودًا في التقدير، بل بدت أقرب إلى إخفاق استراتيجي في قراءة بنية القوة لدى الحزب، وطبيعة تطورها بعد سنوات طويلة من المواجهة المفتوحة مع "إسرائيل".

سردية التفوق التي سقطت في الميدان
منذ اغتيال عدد من قيادات حزب الله خلال السنوات الأخيرة، وتصاعد الضربات الجوية التي استهدفت مراكزه ومخازنه، عملت المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" على ترسيخ رواية مفادها أن الحزب تلقى ضربة قاسية أصابت بنيته القيادية والتنظيمية. هذه الرواية لم تكن موجهة فقط للرأي العام "الإسرائيلي"، بل كانت أيضًا جزءًا من تقدير عملياتي يفترض أن قدرة الحزب على خوض مواجهة واسعة قد تراجعت بشكل ملموس.

غير أن التطورات الميدانية الأخيرة أظهرت أن هذه الفرضية لم تكن دقيقة. فقد أظهر إطلاق هذا العدد الكبير من الصواريخ في موجة واحدة أن منظومة القيادة والسيطرة لدى الحزب لا تزال تعمل بفعالية، وأن البنية اللوجستية التي تدير العمليات الصاروخية لم تتعرض للشلل الذي تحدثت عنه الرواية "الإسرائيلية".

ولا تقتصر الدلالة على عدد الصواريخ فحسب، بل تمتد إلى طبيعة الأهداف التي شملتها الضربات، إذ طالت قواعد عسكرية ومواقع استراتيجية مثل قاعدة حيفا البحرية ومقر قيادة المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال، إضافة إلى منشآت صناعية عسكرية في محيط المدينة.

في هذا الإطار، لم تقتصر الضربات الصاروخية على مواقع الجبهة الشمالية، بل امتدت لتطال قواعد عسكرية حساسة في العمق "الإسرائيلي". فقد استهدفت المقاومة قاعدة بيت ليد، وهي قاعدة عسكرية تضم معسكرات تدريب رئيسية لكل من لواء الناحل ولواء المظليين، بصلية من الصواريخ النوعية. كما طالت الضربات قاعدة "غليلوت" التي تضم مقر وحدة الاستخبارات العسكرية 8200، والتي تبعد نحو 110 كيلومترات عن الحدود اللبنانية الفلسطينية وتقع في ضواحي مدينة "تل أبيب".

ويكشف استهداف هذه القواعد عن دلالة عسكرية واضحة، مفادها أن بنك أهداف المقاومة لم يعد محصورًا في مواقع الحدود أو المستوطنات الشمالية، بل بات يشمل منشآت عسكرية واستخبارية مركزية في عمق الكيان. أيضًا يشير ذلك إلى امتلاك القدرة الصاروخية على الوصول إلى مسافات بعيدة نسبيًا، وهو ما يعكس انتقال المعركة تدريجيًا من نطاق الضغط التكتيكي على الجبهة الشمالية إلى معادلة تهديد العمق الاستراتيجي.

خطأ في فهم بنية حزب الله العسكرية
أحد الأسباب الرئيسية لفشل التقدير "الإسرائيلي" يعود إلى سوء فهم طبيعة البنية التنظيمية لحزب الله. فالمؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" تعاملت مع الحزب أحيانًا كما لو أنه جيش تقليدي يعتمد على هرم قيادة مركزي يمكن تعطيله عبر استهداف قياداته العليا.

لكن الواقع التنظيمي للحزب مختلف إلى حد كبير. فالبنية العسكرية لحزب الله تقوم على شبكة معقدة من الوحدات شبه المستقلة، المرتبطة بقيادة مركزية لكنها قادرة في الوقت نفسه على العمل بشكل منفصل عند الحاجة. هذه المرونة التنظيمية تجعل من الصعب شل قدرات الحزب عبر الضربات المحددة أو عمليات الاغتيال.

وبمعنى آخر، فإن استهداف القيادات قد يؤثر في الأداء السياسي أو المعنوي للحزب، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى تعطيل قدرته العملياتية. وهذا ما ظهر بوضوح في العمليات الأخيرة لحرب الإسناد مع غزة، حيث استمرت الضربات الصاروخية والهجمات بالطائرات المسيّرة بوتيرة مرتفعة رغم الخسائر التي تعرض لها الحزب في قياداته.

مفاجأة القدرات الصاروخية
جانب آخر من المفاجأة "الإسرائيلية" تمثل في استمرار فاعلية الترسانة الصاروخية لدى حزب الله. فالتقديرات "الإسرائيلية" كانت تفترض أن جزءًا كبيرًا من هذه الترسانة قد دُمّر خلال الضربات الجوية أو أصبح أقل قدرة على الاستخدام نتيجة الضغط العسكري المستمر.

غير أن الواقع أظهر أن الحزب لا يزال يمتلك قدرة على إطلاق صليات كبيرة من الصواريخ في وقت واحد، وهو ما يشير إلى أن منصات الإطلاق والبنية اللوجستية المرتبطة بها لم تُكشف بالكامل أمام أجهزة الاستخبارات "الإسرائيلية".

وقد انعكس هذا الإدراك حتى في بعض التصريحات داخل المشهد السياسي "الإسرائيلي"، حيث أقر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بأن "حزب الله تعرض بالفعل لضربات قاسية خلال حرب عام 2024، لكن من الواضح أنه لم يُهزم"، وهو ما اعتبره كثيرون داخل "إسرائيل" صدمة حقيقية للمؤسسة الأمنية التي بنت تقديراتها على فرضية إضعاف الحزب إلى حد كبير.

لذلك فإن الحروب الصاروخية الحديثة، لا تكمن القوة في امتلاك الصواريخ فحسب، بل في القدرة على إخفاء منصات الإطلاق وتشغيلها ضمن منظومة لوجستية معقدة. وهذه القدرة تعني أن الاستخبارات "الإسرائيلية"، رغم تفوقها التقني، لم تتمكن من رسم صورة دقيقة لكامل البنية الصاروخية للحزب.

ثغرات في المنظومة الاستخبارية

واحدة من أبرز الدلالات التي أظهرتها الرشقة الصاروخية الكبيرة تتمثل في الثغرات التي كشفتها في المنظومة الاستخبارية "الإسرائيلية". فإطلاق أكثر من مئة صاروخ دفعة واحدة يعني أن منصات الإطلاق والبنية التحتية المرتبطة بها لم تكن مكشوفة بالكامل أمام أجهزة الرصد والاستطلاع "الإسرائيلية" التي تراقب المجالين الجوي والبري في لبنان بشكل دائم.

وهذا المعطى يطرح تساؤلات جدية داخل المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" حول مدى دقة التقديرات التي بُنيت عليها العمليات الجوية خلال الأسابيع الماضية. فالاستخبارات التي يفترض أنها نجحت في تحديد معظم مواقع الحزب، تبدو عاجزة عن منع إطلاق رشقات صاروخية واسعة النطاق، الأمر الذي يعزز المخاوف من قدرة الحزب على تكرار هذه العمليات في أي لحظة.

وفي السياق نفسه، كشفت التطورات الميدانية التي رافقت الهجمات الصاروخية عن مستوى ملحوظ من الارتباك داخل الجبهة الداخلية للاحتلال. فقد أفادت وسائل إعلام "إسرائيلية" أن الهجوم اتسم بتنسيق ميداني متزامن، حيث انطلقت رشقات صاروخية من لبنان نحو مناطق الشمال بالتوازي مع صواريخ باليستية إيرانية استهدفت مناطق الوسط والجنوب. وأقرت التقارير بسقوط صواريخ بشكل مباشر في حيفا ومنطقة "زخرون يعقوب"، إضافة إلى إصابة في "هرتسيليا" واندلاع حرائق في "تل أبيب".

وتحدث الإعلام العبري عن خلل تقني في منظومة الإنذار أدى إلى تفعيلها في مناطق بعيدة عن الاستهداف، ما تسبب بحالة من الفوضى والهلع بين المستوطنين. وسجلت طواقم الإسعاف إصابات عدة نتيجة التدافع أثناء التوجه إلى الملاجئ، في مشهد يعكس حجم الارتباك الذي أصاب منظومة الدفاع المدني، ويعزز التساؤلات داخل المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" حول قدرة منظوماتها الدفاعية والاستخبارية على التعامل مع هجمات مركبة ومتزامنة.

تطور في العقيدة القتالية

من الأخطاء الأخرى في التقدير "الإسرائيلي" الافتراض أن حزب الله سيواصل القتال وفق الأنماط التقليدية التي استخدمها في حروب سابقة. غير أن الأداء الميداني الأخير أظهر أن الحزب طوّر عقيدته القتالية بشكل واضح.

فبدلًا من الاعتماد فقط على الصواريخ قصيرة المدى أو الاشتباكات الحدودية، بات الحزب يستخدم مزيجًا من الأدوات العسكرية يشمل الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة الانقضاضية والصواريخ المضادة للدروع، إضافة إلى الكمائن البرية المنظمة.

هذه المنظومة القتالية المتعددة الأبعاد تهدف أساسًا إلى إرباك منظومات الدفاع الجوي "الإسرائيلية" عبر إغراقها بعدد كبير من الأهداف في وقت واحد، وهو تكتيك أصبح شائعًا في الحروب الحديثة.

معركة العمق الاستراتيجي
التطور اللافت الآخر في المواجهة يتمثل في انتقال العمليات من نطاق الضغط التكتيكي على الحدود إلى تهديد العمق "الإسرائيلي". فاستهداف قواعد عسكرية ومراكز صناعات حربية في مناطق بعيدة نسبيًا عن الجبهة الشمالية يشير إلى أن بنك أهداف الحزب لم يعد محصورًا في المواقع الحدودية.

هذا التحول يفرض على "إسرائيل" تحديًا استراتيجيًا مختلفًا. فحماية الجبهة الداخلية في مواجهة صواريخ أو طائرات مسيّرة بعيدة المدى تتطلب توزيعًا واسعًا لمنظومات الدفاع الجوي، وهو ما يضع عبئًا إضافيًا على القدرات العسكرية "الإسرائيلية".

كما أن استمرار هذا النمط من الهجمات قد يؤدي إلى تحويل مناطق واسعة من شمال "إسرائيل" إلى مناطق ضغط دائم على الجيش والمستوطنين، وهو سيناريو تحاول القيادة "الإسرائيلية" تجنبه منذ سنوات.

دلالات الاسم… استعادة الذاكرة
وفي هذا السياق، أعلنت المقاومة الإسلامية إطلاق عمليات "العصف المأكول"، في إشارة رمزية تستحضر قصة هلاك جيش أبرهة في القرآن الكريم، حين تحولت قوته العسكرية إلى "عصفٍ مأكولٍ"، أي بقايا هشة كأوراق الزرع بعد أن تأكلها الدواب. ومن هنا تأتي الدلالة الأولى للاسم، إذ يعكس محاولة إسقاط هذه الصورة الرمزية على الصراع الراهن: قوة عسكرية تبدو متفوقة، لكنها قد تتحول إلى قوة منهكة ومستهلكة تحت ضربات متتالية.

أما الدلالة الثانية، فهي سياسية-تاريخية، وترتبط باستخدام الاسم نفسه في حرب غزة عام 2014. ففي تلك الحرب أطلقت كتائب القسام اسم "العصف المأكول" على المواجهة مع "إسرائيل"، في وقت كان الهدف المعلن للعملية العسكرية "الإسرائيلية" هو تدمير بنية المقاومة الصاروخية وإنهاء تهديد الأنفاق. غير أن نتائج الحرب لم تحقق تلك الأهداف بالكامل، إذ استمرت قدرات المقاومة العسكرية بعد انتهاء القتال.

معضلة الحرب الطويلة
من الناحية الاستراتيجية، تكمن المشكلة الأساسية لـ"إسرائيل" في احتمال تحول المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة. فالتاريخ العسكري يظهر أن الحروب الطويلة غالبًا ما تُضعف الجيوش النظامية التي تعتمد على التفوق التكنولوجي، في حين تمنح التنظيمات غير التقليدية فرصة للاستفادة من مرونتها التنظيمية.

وحزب الله، بحكم تجربته الطويلة في الحروب غير المتكافئة، يمتلك خبرة كبيرة في إدارة هذا النوع من الصراعات. لذلك فإن استمرار المواجهة لفترة طويلة قد يفرض على "إسرائيل" استنزافًا عسكريًا واقتصاديًا ونفسيًا يصعب تحمله.

ما الذي تعلمته "إسرائيل"؟
الدرس الأول الذي تفرضه هذه المواجهة هو أن التقديرات العسكرية المبنية على فرضية تدمير قدرات الخصم بشكل كامل غالبًا ما تكون مبالغًا فيها. فالتنظيمات العسكرية غير التقليدية تمتلك قدرة عالية على إعادة التنظيم وإعادة بناء قدراتها بسرعة نسبية.

أما الدرس الثاني فيتعلق بأهمية فهم طبيعة الخصم بدقة. فالتعامل مع حزب الله كجيش تقليدي قد يؤدي إلى أخطاء في التقدير، لأن بنيته التنظيمية والعملياتية مختلفة إلى حد كبير عن الجيوش النظامية.

في النهاية؛ تكشف المواجهة الأخيرة على الجبهة اللبنانية عن حقيقة أساسية في الصراعات العسكرية المعاصرة: التفوق التكنولوجي والاستخباري لا يكفي وحده لضمان الحسم. فالحروب الحديثة أصبحت أكثر تعقيدًا، وتقوم على تفاعل عوامل متعددة تشمل التنظيم والمرونة والقدرة على التكيف مع الضغوط.

وبينما تحاول "إسرائيل" إعادة تقييم تقديراتها العسكرية في ضوء التطورات الأخيرة، يبدو أن حزب الله يسعى إلى تثبيت معادلة مختلفة تقوم على الاستنزاف وتوسيع نطاق التهديد.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى الجبهة اللبنانية واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية في الشرق الأوسط، حيث يمكن لأي خطأ في التقدير أن يؤدي إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود لبنان و"إسرائيل" لتشمل المنطقة بأكملها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة