اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

السيد مجتبى الخامنئي
المقال التالي إيران تضمّ "سجيل" الى معركتها بوجه العدو الصهيوني

مقالات

منطق المقاومة في تأجيل ردها خمسة عشر شهرًا: اعتبارات الإعداد والتوقيت
مقالات

منطق المقاومة في تأجيل ردها خمسة عشر شهرًا: اعتبارات الإعداد والتوقيت

225

لم يكن امتناع حزب الله عن الرد على الاعتداءات "الإسرائيلية" تعبيرًا عن عجز أو تردّد أو فقدان إرادة، وإنما كان خيارًا مدروسًا وهادفًا اتضحت بعض معالمه بعدما نفذ حزب الله ردوده التي فاجأت الصديق والعدو. لذلك لم يكن الزمن الفاصل بين معركة "أولي البأس" ومعركة "العصف المأكول" فراغًا، وإنما زمنًا امتلأ بإعادة التقدير، وإعادة البناء، وإعادة التموضع. فالمقاومة، بعد حرب بالحجم الذي شهدناه في العام 2024، لم تكن تحتاج إلى انفعال سريع بقدر ما كانت تحتاج إلى عقل بارد، ووقت كافٍ، وقراءة دقيقة للتحولات التي أصابت البيئة العسكرية والسياسية والإقليمية المحيطة بها. ومن هنا، فإن مهلة الخمسة عشر شهرًا لم تكن فقط مفيدة، بل كانت ضرورية، لأنها سمحت للمقاومة بأن تنتقل من طور امتصاص الصدمة إلى طور استعادة المبادرة، ومن ردّ الفعل المتسرّع إلى الفعل المحسوب، ومن الاشتباك في توقيت يفرضه العدو إلى الاشتباك في توقيت تختاره هي وتستفيد فيه من ظروف أكثر ملاءمة.

أولًا: الحاجة إلى الترميم

أيّ قراءة واقعية لما بعد حرب 2024 يجب أن تنطلق من مسلّمة أساسية: المقاومة تلقت ضربات فعلية، وبعض هذه الضربات كان يحتاج إلى وقت لمعالجته. ليس فقط على مستوى البنية العسكرية، بل أيضًا على مستوى الأمن، والاتصالات، والانتشار، وآليات العمل، وسلاسل القرار، واستخلاص الدروس. فحركات المقاومة الجدية لا تنتقل من معركة كبرى إلى معركة أخرى بالمنطق العاطفي، بل بمنطق التقييم وإعادة البناء.

من هنا، فإن تأجيل الرد لم يكن هروبًا من المواجهة، بل كان جزءًا من التحضير لها. فالمقاومة كانت تحتاج إلى:

- ترميم بعض القدرات التي تأثرت في الحرب.

- مراجعة الثغرات التي ظهرت ميدانيًا وأمنيًا.

- استخلاص العبر من طبيعة الأداء "الإسرائيلي".

- إعادة ملاءمة أدواتها مع التطورات التكنولوجية والاستخبارية الجديدة.

- بناء مستوى أعلى من الجهوزية الدفاعية والأمنية.

وهذا يعني أن الزمن هنا لم يكن زمنًا ضائعًا، بل زمنًا استثماريًا، استُخدم لإعادة إنتاج القدرة على الفعل لا لتبرير الامتناع عنه.

ثانيًا: المتغير السوري

أحد أهم الأسباب التي جعلت هذه المهلة ضرورية هو المتغير السوري. فحين يتعرض خط الإمداد إلى الانقطاع أو الاضطراب، لا يكون المطلوب فقط تعويض خلل لوجستي، بل إعادة التفكير في بنية الإمداد نفسها، وفي أشكال التموضع، وفي شبكات النقل والتخزين والربط، وفي كيفية التأقلم مع واقع استراتيجي جديد.

هذا المتغير لم يكن حادثًا هامشيًا، بل مسّ أحد العناصر المؤسسة في بيئة المقاومة القتالية. ولذلك، فإن التعامل معه كان يحتاج إلى وقت، لا لأن المقاومة فقدت قدرتها على الحركة، بل لأن القوى الجدية لا تتصرف وكأن شيئًا لم يتغير. كان عليها أن تتعلم كيف تعمل في بيئة أصعب، وتحت شروط أكثر تعقيدًا، وبوسائل أكثر حذرًا ومرونة. وهذا بحد ذاته أحد أوجه القوة، لأن التكيّف مع الانقطاع أخطر أحيانًا من مواجهة الضربة نفسها.

بمعنى آخر، ما جرى في الساحة السورية لم يفرض على المقاومة فقط أن تنتظر، بل فرض عليها أن تعيد صياغة جزء من عقيدتها العملية في الإمداد والمرونة والتدبير. وهذه عملية لا تُنجز بخطاب، بل بزمن واختبار وتدرج.

ثالثًا: المتغير الداخلي اللبناني

في الداخل اللبناني نشأ عامل آخر لا يقل أهمية: قيام سلطة سياسية رفعت شعار الدبلوماسية، وقدّمت نفسها بوصفها المسار القادر على تحرير الأرض والأسرى ووقف الاعتداءات، كما ظهر في خطاب القسم وفي الحديث عن استراتيجية أمن وطني. هنا لم يكن ممكنًا للمقاومة أن تتجاوز هذا المعطى كأنه غير موجود -حتى لو كان لديها تصور حول مآلاته- لأن أي فعل مقاوم سريع كان سيُستخدم فورًا في الداخل لتحميلها مسؤولية نسف الخيار السياسي قبل أن يأخذ فرصته.

لذلك، كانت المرحلة الفاصلة ضرورية أيضًا لإلقاء الحجة، أي للسماح لهذا الخيار بأن يستنفد منطقه أمام اللبنانيين جميعًا. وهذا ما حصل فعلًا: أُعطيت الدبلوماسية وقتها، وتراجعت أمام الاختبار. لم توقف الاعتداءات، ولم تحرر الأرض، ولم تُعد الأسرى، بل على العكس، بدا أن السلوك "الإسرائيلي" ازداد شراسة وطمعًا. توسعت الاعتداءات، واستمر تدمير القرى الحدودية، وسقط المزيد من الشهداء، وجرى اعتقال المزيد من اللبنانيين، واتسع نطاق الاستباحة ليشمل مناطق أعمق في الداخل اللبناني.

وهنا تظهر أهمية هذه المهلة سياسيًا: لقد سمحت بكشف حدود الوهم الدبلوماسي من داخل التجربة نفسها، لا عبر السجال النظري فقط. وهذا مهم جدًا، لأن المقاومة لا تحتاج فقط إلى الجهوزية العسكرية، بل تحتاج أيضًا إلى بيئة سياسية وأخلاقية مفهومة تشرح لماذا يصبح الرد ضرورة لا خيارًا إضافيًا.

رابعًا: مرحلة إعداد مركّب

الخطأ في بعض القراءات أنها تفترض أن عدم الرد المباشر يعني السكون، بينما الأصح أن المقاومة استثمرت هذه المرحلة في أكثر من مسار بالتوازي:
رفع الجهوزية الدفاعية.

- تحسين البنية الأمنية.

- إعادة تنظيم بعض آليات العمل.

- التحضير الميداني لما بعد فشل الدبلوماسية.

- بناء مشروعية الرد في الوعي العام.

- ربط الرد "الإسرائيلي" المستمر بضرورة الانتقال إلى فعل مقابل.

وهنا يظهر دور الخطاب الرسمي الذي قاده الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم. فهذا الخطاب لم يكن مجرد رفع معنويات أو تسجيل مواقف، بل كان جزءًا من عملية تهيئة سياسية واعية. حين يكرر أن المقاومة لن تسلم باستمرار قتل شبابها، ولن تبقى مكتوفة الأيدي، فهو لا يعلن قرارًا متسرعًا، بل يبني تدريجيًا منطق الرد، ويؤسس له في المجال العام، ويمنع تصويره لاحقًا كأنه قفزة غير مبررة.

وهذا جانب بالغ الأهمية في العمل السياسي المقاوم: فالمعركة لا تُحضَّر بالصاروخ فقط، بل بالرواية، وبالحجة، وبتهيئة المناخ، وبمنع الخصوم الداخليين من احتكار تفسير الأحداث. بهذا المعنى، كانت الأشهر الماضية أيضًا جزءًا من الإعداد النفسي والسياسي والإعلامي، لا مجرد فسحة زمنية بين حربين.

خامسًا: تضافر عوامل الرد

حين تتوفر ثلاثة عناصر معًا يصبح الانتقال إلى الرد أكثر اتساقًا:

1- فشل الدبلوماسية في تحقيق أهدافها.

2- استمرار العدوان "الإسرائيلي" وتوسعه.

3- تحسن مستوى الجهوزية لدى المقاومة.

وهذا ما يجعل الرد الحالي يبدو، في القراءة الاستدلالية، ليس عملًا انفعاليًا بل نتيجة منطقية لتراكم الوقائع. أي أن المقاومة لم تنتقل إلى المواجهة لأنها أرادت فقط أن ترد، بل لأنها أوصلت كل المسارات الأخرى إلى نهايتها، وأثبتت أن العدو لا يفهم إلا منطق القوة، وأن ترك الزمن بلا رد لم يؤدِّ إلى التهدئة بل إلى مزيد من التغول "الإسرائيلي".

هنا بالضبط تصبح مهلة الخمسة عشر شهرًا ذات قيمة استراتيجية: لقد منحت المقاومة فرصة التأقلم، ومنحت الجمهور فرصة الفهم، ومنحت الخصوم فرصة السقوط في اختبارهم. ولذلك جاء الرد لا كفعل معزول، بل كخلاصة مرحلة كاملة.

سادسًا: سر التوقيت

أهم ما في المشهد الحالي أن الرد جاء في لحظة تخوض فيها "إسرائيل" مواجهة كبرى مع إيران. وهذه النقطة مركزية، لأنها تعني أن "إسرائيل" ليست في وضع تركيز كامل على الجبهة اللبنانية، بل في وضع استنزاف وتوزيع موارد وقدرات واهتمامات على أكثر من ساحة واتجاه.

وهنا تتجلى قيمة اختيار التوقيت. فالمقاومة لا تواجه عدوًا في لحظة "صفاء" استراتيجي، بل في لحظة انشغال وضغط وتعدد جبهات. وهذا يمنح الرد الحالي دلالة مضاعفة:

- "إسرائيل" مضطرة لتوزيع جهدها العسكري والاستخباري.

- قسم كبير من الموارد والقدرات موجّه نحو المواجهة مع إيران.

- هامش المناورة "الإسرائيلية" على الجبهة اللبنانية يصبح أكثر تعقيدًا.

- كلفة فتح تصعيد واسع في لبنان ترتفع على "إسرائيل".

- قابلية العدو للتركيز والحسم السريع تصبح أضعف.

بذلك، لا يبدو الرد الحالي فقط مشروعًا من حيث المبدأ، بل مناسبًا من حيث التوقيت. وهو ما يعزز الفكرة الأساسية: المقاومة لم تؤجل لأنها ضعفت، بل لأنها أرادت أن تدخل اللحظة الأنسب، بعد أن تكون قد استكملت قدرًا معقولًا من الترميم والتهيئة، وبعد أن يكون العدو قد دخل بدوره في ظرف أقل راحة وأكثر تشتتًا.

إذا جمعنا هذه العناصر كلها، يظهر أن القضية أعمق من مجرد تأخير رد عسكري. نحن أمام مسار متكامل هدفه استعادة المبادرة بشروط أفضل. فالمبادرة لا تعني فقط أن تبدأ بإطلاق النار، بل أن تحدد أنت متى ولماذا وتحت أي ظروف تدخل المواجهة.

هذا هو الفارق بين منطق المقاومة ومنطق الانفعال. الانفعال يرد فورًا ولو في أسوأ الظروف، أما الفعل الاستراتيجي فيؤجل حين يكون التأجيل جزءًا من التحضير، ثم يضرب حين يصبح التوقيت أكثر ملاءمة.

في الخلاصة، إن مرحلة الخمسة عشر شهرًا بين معركة أولي البأس والعصف المأكول لا تُقرأ كمرحلة فراغ، بل كمرحلة ضرورة. كانت ضرورية لأن المقاومة احتاجت إلى ترميم بعض قدراتها، وإعادة تنظيم جاهزيتها، والتكيف مع المتغير السوري الذي مسّ خط الإمداد، ومواكبة التحولات التكنولوجية والميدانية. وكانت مفيدة لأنها سمحت بإعطاء الدبلوماسية اللبنانية فرصتها الكاملة حتى تسقط عمليًا أمام الناس، وتكشف أن التنازلات المجانية لم تردع "إسرائيل" بل شجعتها على مزيد من العدوان. وخلال هذه الفترة نفسها، لم تكن المقاومة ساكنة، بل كانت تعمل على رفع جهوزيتها، وبناء مشروعية الرد، وتهيئة المناخ السياسي لهذا الخيار.

وعليه، فإن الرد الحالي لا يبدو خروجًا متأخرًا إلى المواجهة، بل دخولًا محسوبًا في لحظة أفضل. بل يمكن القول إن التأجيل كان جزءًا من صناعة اللحظة الأنسب: لحظة تكون فيها المقاومة أكثر استعدادًا، ويكون فيها العدو أقل تفرغًا، ويكون فيها الرد أكثر فاعلية وأوضح مشروعية وأعلى جدوى.

الكلمات المفتاحية
مشاركة