مقالات
Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court
عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية
ورئيس المحكمة العسكرية السابق
في خضم مرحلة إقليمية بالغة التعقيد، ومع استمرار المواجهة العسكرية المفتوحة في المنطقة وتزايد الضغوط الدولية على لبنان، برز تطور سياسي لافت تمثّل في طرح لبناني لفكرة الانتقال إلى التفاوض المباشر مع "إسرائيل". هذا الطرح لم يأتِ من فراغ، بل في سياق من الضغوط الأميركية والدولية المتصاعدة التي تسعى إلى فرض مسار سياسي مع وعود بتخفيف التوتر على الحدود الجنوبية، ويعيد ضبط قواعد الاشتباك بين لبنان و"إسرائيل".
لكن المفارقة التي أثارت كثيرًا من التساؤلات تمثلت في أن هذا الطرح اللبناني، الذي يمكن عدّه بحد ذاته خطوة متقدمة قياسًا بالموقف اللبناني التقليدي، وتنازلًا مجانيًا، قوبل برفض "إسرائيلي" واضح. وهذا الرفض يفتح الباب أمام قراءة أعمق لما يجري خلف الكواليس، سواء من حيث طبيعة التوازنات الإقليمية أو من حيث الحسابات السياسية لدى الطرفين.
لطالما تمسك لبنان، منذ اتفاق الهدنة عام 1949، بمبدأ المفاوضات غير المباشرة مع "إسرائيل". هذا المبدأ لم يكن مجرد خيار تقني، بل كان جزءًا من عقيدة ومقاربة سياسية تهدف إلى تجنب أي شكل من أشكال التطبيع أو الاعتراف السياسي المباشر. وحتى في الملفات الأكثر حساسية، مثل ترسيم الحدود البحرية، جرت المفاوضات بوساطة أميركية ورعاية أممية ومن خلال مسار غير مباشر حافظ لبنان من خلاله على ثوابته السياسية.
لذلك فإن مجرد طرح فكرة التفاوض المباشر اليوم يمكن تفسيره على أنه تنازل سياسي إضافي مجاني يهدف أساسًا إلى إظهار مرونة لبنانية أمام المجتمع الدولي، وإلى نقل رسالة مفادها أن بيروت ليست الجهة التي تعرقل المسار الدبلوماسي، بل إنها مستعدة للبحث في أي صيغة قد تساهم في تخفيف التوتر أو منع توسع الحرب.
غير أن رفض "إسرائيل" لهذا الطرح يسلّط الضوء على مفارقة سياسية لافتة. فـ"إسرائيل" التي طالما رفعت شعار التفاوض المباشر والتطبيع مع الدول العربية، تبدو في هذه المرحلة غير معنية بمنح لبنان أي مكسب سياسي يمكن أن يُفسَّر على أنه اعتراف بوجود توازن أو ندّية في المفاوضات غير الموجودة أصلًا، الناتجة عن الكثير من التنازلات.
من هنا يمكن فهم أن تل أبيب تفضّل الإبقاء على المعادلة الحالية القائمة على الضغط العسكري وفرض الوقائع الميدانية، بدلًا من الانخراط في مسار تفاوضي قد يقيّد حركتها أو يفرض عليها التزامات سياسية لا ترغب بها الآن.
في هذا السياق تحديدًا يبرز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري بوصفه عاملًا أساسيًا في ضبط إيقاع هذا المسار. فرفضه تعيين العضو الشيعي في الوفد المفاوض لم يكن مجرد تفصيل إداري أو إجرائي، بل يعكس مقاربة سياسية مدروسة تسعى إلى منع الانزلاق نحو مسار تفاوضي قد يحمل دلالات تتجاوز الإطار التقني.
فالرئيس برّي، الذي لعب دورًا محوريًا في إدارة ملف التفاوض غير المباشر مع "إسرائيل" لسنوات طويلة، يدرك حساسية هذا الملف داخليًا وإقليميًا. ومن هنا يمكن قراءة موقفه على أنه محاولة واضحة لتثبيت قاعدة أساسية مفادها أن التفاوض مع "إسرائيل" ليس مسارًا سياسيًا مفتوحًا، بل عملية تقنية محدودة ومقيدة بضوابط وطنية دقيقة.
أيضًا فإن رفض تعيين عضو شيعي في الوفد المفاوض يحمل بعدًا سياسيًا إضافيًا يتمثل في تجنب إعطاء الانطباع بأن الطائفة الشيعية، أو القوى التي تمثلها في المعادلة السياسية اللبنانية، هي الطرف الذي يجلس مباشرة إلى طاولة التفاوض مع "إسرائيل". فمثل هذا الانطباع قد يُستغل داخليًا أو خارجيًا في سياقات سياسية وإعلامية حساسة، خصوصًا في ظل المناخ المشحون الذي تعيشه المنطقة.
بمعنى آخر، يسعى الرئيس نبيه برّي إلى إبقاء هذا الملف ضمن إطار الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية، ومنع تحويله إلى قضية ذات طابع طائفي أو سياسي يمكن أن تنعكس سلبًا على التوازنات الداخلية.
أما النقطة الأكثر دلالة في موقفه، فهي تأكيده على دور ما يُعرف بـالميكانيزم (Mechanism)، أي الآلية المعتمدة لإدارة الوضع الحدودي ومتابعة الملفات التقنية والأمنية. هذه الآلية، التي جرى تطويرها خلال السنوات الأخيرة بالتنسيق مع أطراف دولية، والتي أيضًا أثبتت فشلها بل انحيازها للمطالب "الإسرائيلية"، تمثل إطارًا عمليًا يسمح بمعالجة القضايا المرتبطة بالحدود مثل الخروقات، وترتيبات وقف إطلاق النار، والمسائل التقنية من دون الدخول في مفاوضات سياسية مباشرة.
الإصرار على هذه الآلية يعكس تمسكًا واضحًا بالمقاربة اللبنانية التقليدية التي تقوم على إدارة النزاع بدلًا من تحويله إلى مسار تفاوضي سياسي مفتوح. فالميكانيزم يوفّر قناة عملية لمعالجة المشكلات اليومية على الحدود، لكنه في الوقت نفسه يجنّب لبنان الانزلاق إلى مسار قد يُفسَّر على أنه بداية تطبيع سياسي.
في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن مشهد سياسي شديد التعقيد: لبنان يحاول إظهار قدر من المرونة تحت وطأة الضغوط الدولية، "إسرائيل" ترفض إعطاء أي مكسب سياسي أو تفاوضي في هذه المرحلة مع تعنت واضح مستندة إلى الواقع على الأرض، فيما يسعى الداخل اللبناني من خلال موقف رئيس مجلس النواب إلى ضبط إيقاع هذا المسار ومنع تحوله إلى مسار تطبيع مباشر.
وبين هذه التوازنات الدقيقة، يبرز سؤال أساسي يفرض نفسه على المشهد السياسي: هل ما نشهده اليوم هو مجرد اختبار لحدود التفاوض في ظل الحرب والضغوط الدولية، أم أنه بداية محاولة لإعادة صياغة قواعد إدارة الصراع بين لبنان و"إسرائيل"؟
الإجابة عن هذا السؤال قد لا تتضح سريعًا، لكن المؤكد أن ما يجري حاليًا يعكس مرحلة جديدة من التجاذب بين منطق الضغط العسكري ومنطق التفاوض السياسي، وهي مرحلة ستبقى مفتوحة على احتمالات متعددة في ضوء التطورات الميدانية والإقليمية المقبلة.
وبكل الأحوال، "إسرائيل" بدأت بتنفيذ عمل عسكري بري يهدف إلى احتلال كامل منطقة جنوب الليطاني، والمقاومة تتصدى لجحافلها المحتشدة وتكبّدها خسائر فادحة، لذلك أصبحت الكلمة للميدان.