عين على العدو
كتب رونين برغمان (الكاتب والمعلق في الشؤون الأمنية)، في صحيفة "يديعوت أحرونوت الإسرائيلية"، متحدثًا عن نجاح رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، مرةً أخرى، "في قراءة الخريطة أسرع من الجميع. فمنذ نحو أسبوع، فهم أن الهجوم (العدوان الأميركي الإسرائيلي) على إيران لا يحقق الأهداف التي وُضعت له، فيما يتعلق بمن سيحكم إيران بعد الإنهاء القسري لعهد (الإمام الشهيد السيد) علي الخامنئي بضربة البداية".
أضاف برغمان: "وإذا كانت المعركة لا تسير كما خُطط لها، فهي أيضًا لا تحقق الثمار التي كان من المفترض أن تجلبها لنتنياهو داخل "إسرائيل": لا تنضج الثمرة السياسية المتمثلة في انتقال الناخبين على خريطة المقاعد، ولا في تعزيز قوة الليكود، ولا في ارتفاع نسب الدعم لنتنياهو كرئيس حكومة قادم".
"عندما تبيّن لنتنياهو بشكل نهائي أن الرئيس ترامب يوافق على هجوم مشترك ومتكامل لجيشي البلدين، بدا للبعض في محيطه أن ما يلي -أي التنفيذ نفسه، الحرب- أمر شبه بديهي. النجاح في المواجهة مع حزب الله في أيلول 2024، والهجوم على إيران في تشرين الأول/أكتوبر من نفس العام، وما تم تسويقه بنجاح كبير كإنجاز ضخم في عملية "الأسد الصاعد" (العدوان الأميركي الإسرائيلي في حزيران 2025)، كلها ولّدت قدرًا غير قليل من الغرور، وبدا أن الجزء الأصعب هو جرّ ترامب إلى ذلك. في أجواء النشوة هذه، بدأ بعض المقربين من نتنياهو يفكرون بصوت عالٍ في موعد الانتخابات -لا موعد الهجوم، بل موعد الانتخابات- التي اعتقدوا أنه يمكن تحديدها لنهاية حزيران 2026 أو الثلاثاء 7 تموز. لكن بين خطط وأوهام شرق أوسط جديد من جهة، وواقع مخيّب يشير إلى أن ما كان سيبقى كما هو، وربما أسوأ في بعض الجوانب من جهة أخرى، ظهرت الفجوة".
وواصل برغمان كلامه: "عندما بدأت الأمور تتعقد -لم يتزعزع النظام في إيران دفعةً واحدةً بعد “قطع رأسه”؛ وبدلًا من الارتباك والهزيمة، ردّت الحرس الثوري بقوة، ولم يخرج المتظاهرون مجددًا إلى الشوارع، وانضم حزب الله بشكل كامل ولم يكتفِ بإطلاق رمزي، وفي الولايات المتحدة تصاعدت انتقادات غير مسبوقة لما اعتُبر انجرارًا غير ضروري إلى مواجهة لا تهدد مصالحها بشكل واضح، كما أن أزمة طاقة عالمية قد تندلع بسبب إغلاق مضيق هرمز، وفي هذه الأثناء، بقي اليورانيوم المخصب لدى الإيرانيين- كان نتنياهو أول من أدرك ذلك".
"والدليل على ذلك أنه عندما فهم أن احتمال تحقيق أهداف الحرب -وهو نجاح كان يمكن أن يمنحه الفوز في الانتخابات- منخفض جدًا، سارع إلى الرد وقام ببساطة بتغيير الأهداف والاستراتيجية وتعريف النجاح".
أضاف برغمان: "من خلال سلسلة من الإحاطات، وقوائم الرسائل والتغريدات، التي يمكن تلخيصها في المؤتمر الصحفي الذي عقده الخميس الماضي، غيّر نتنياهو المفهوم الأمني-الاستراتيجي لـ"إسرائيل" من الأساس، وأعاد تعريف ما هو النصر، وما هو التهديد، وكيف يجب ضمان استمرار وجود الدولة".
"في الوقت الذي كانت فيه الدولة منشغلة بمطلبه إلغاء الإجراءات القضائية ضده، وبرفضه “المخجل” إدانة تصريحات ترامب بحق الرئيس هرتسوغ، بينما الجميع ينظر إلى هذه التطورات،كان نتنياهو يعيد صياغة “دليل التعليمات”. قال نتنياهو في مستهل تصريحاته: حققنا إنجازات هائلة، إنجازات تغيّر ميزان القوى في الشرق الأوسط وحتى ما بعده. هذه الإنجازات تعزز مكانة "إسرائيل" كقوة أقوى من أي وقت مضى. وهذا التغيير الدراماتيكي في قوتنا مقابل قوة أعدائنا هو مفتاح ضمان وجودنا. التهديدات تصعد وتهبط، لكن عندما نصبح قوة إقليمية وفي بعض المجالات قوة عالمية، يمكننا إبعاد الأخطار وضمان مستقبلنا".
ويعلق الكاتب على كلام نتنياهو بالقول: "هذه أقوال مدهشة، لأنها تعني أن نتنياهو قرر ترك كل ما كان يحلم به ويدعو إليه سابقًا".
أضاف برغمان: "في خطاب ختام عملية "الأسد الصاعد"، كرر نتنياهو عبارة “تهديد وجودي” مرات عديدة لشرح سبب الخروج للحرب وأهدافها: إزالة التهديد النووي الإيراني والتهديد الصاروخي. هذا بعد عشرات المرات التي استخدم فيها المصطلح خلال العملية، وربما مئات آلاف المرات منذ جعله محور السياسة الخارجية والأمنية لـ"إسرائيل". لا يوجد شخص ارتبطت به عبارة “تهديد وجودي” أكثر من نتنياهو، خاصةً فيما يتعلق بإيران".
"وبحسب خطابه في 24 حزيران، فقد أنقذ "إسرائيل" من تهديدين وجوديين: النووي والصاروخي. وقال: حققنا انتصارًا تاريخيًا خلال 12 يومًا، أزلنا تهديدين وجوديين فوريينخطر الإبادة النووية وخطر 20 ألف صاروخ بالستي. لكن بعد ثمانية أشهر، في آذار 2026، اختفى المصطلح تقريبًا من خطابه، ولم يذكره إلا مرةً واحدةً فقط. بل وشرح لماذا لم يعد يستخدمه: لأن:“التهديدات تصعد وتهبط”، وكأنه أمر طبيعي لا يستدعي القلق. إذا كان إزالة التهديد هي الهدف في حزيران، فإن ضمان البقاء في آذار 2026 أصبح يعتمد -بحسب نتنياهو- على القوة والتحالفات. وقال: الطريقة الوحيدة لضمان وجودك ومستقبلك هي أن تكون قويًا جدًا... اليوم نحن قوة إقليمية على الأقل والعالم كله مندهش... هذا ما يضمن مستقبلنا".
ويعلق برغمان على ذلك بالقول: "لكن هذا يطرح سؤالًا: إذا كانت إيران تهديدًا وجوديًا كما قال دائمًا، فلماذا لم يعد ذلك مركز الاهتمام؟ في السابق كان سيقول: ما فائدة التحالفات إذا لم تُزل التهديد الوجودي؟ هذا وقت الأفعال لا الأقوال. أما الآن، فنتنياهو الجديد يرى أن الكلمات والتحالفات والإعجاب الدولي بالقوة "الإسرائيلية" هي الضمان للبقاء".
"من غير الواضح ما الذي دفع ترامب للقول إن المواقع النووية الإيرانية “دُمّرت بالكامل”، لكن من المرجح أن نتنياهو عندما وصف العملية في حزيران بأنها “نجاح هائل أزال التهديدات الوجودية”، كان يعلم أن ذلك غير دقيق، فكيف يمكنه قول ذلك بينما كانت إيران تمتلك يورانيوم مخصبًا يكفي لصنع نحو 10–11 قنبلة نووية، ومئات أجهزة الطرد المركزي التي لم تُمس، ومعرفةً تقنيةً تمكنها من بناء قنبلة بسرعة؟ وكيف يمكن القول إن التهديد الصاروخي أُزيل بينما لا تزال إيران تمتلك آلاف الصواريخ؟".
ويصل برغمان إلى الآتي: "بهذا المسار، يصل نتنياهو إلى الانتخابات مع ثلاث جبهات مفتوحة: في غزة حيث تواصل حماس السيطرة، وفي لبنان حيث لا يزال حزب الله قوةً قويةً، وفي إيران التي لم تُبعد سوى أشهر قليلة عن امتلاك قنبلة".
ويضيف: "يبدو أن نتنياهو اعتقد أن الأمور ستسير بشكل مختلف، ودفع نحو فتح جبهة مع حزب الله بالتوازي مع إيران، أملًا في حسم إحدى الجبهات. في الجبهة الإيرانية، انضم إلى تقديرات متفائلة بإمكانية تغيير النظام سريعًا، وهو ما أثر أيضًا على ترامب. لكن النتائج كانت مخيبة: لم تخرج الجماهير، وتسربت معلومات عن خطط لعملية خاصة لجلب اليورانيوم، وواجه ترامب انتقادات بسبب عدم توقع إغلاق المضيق".
"وهكذا، ومع عدم وجود نهاية واضحة لأي من الجبهات، يتخلى نتنياهو عمليًا عن فكرة “النصر المطلق”، ويُلمّح إلى إمكانية جولات أخرى. وهذا هو الوقت المناسب بالنسبة له لطرح أهداف جديدة للحرب -بعيدًا عن التهديد النووي أو الصاروخي- المهم أن يكون بالإمكان إعلان النصر، وليس نصرًا مطلقًا بالطبع".