اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

السيد مجتبى الخامنئي
المقال التالي المفتي قبلان: الدولة اليوم كيان هشّ وسلطة فارغة

مقالات

نتنياهو يريد الحرب وترامب يريد الخروج من المأزق؟
مقالات

نتنياهو يريد الحرب وترامب يريد الخروج من المأزق؟

284

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق


في الحروب، لا تكون المشكلة في ما يُقال، بل في ما يُضطر القائل إلى نفيه لاحقًا. هذه ليست مجرد ملاحظةٍ لغويةٍ، بل قاعدة تحليلية تكشف طبيعة السلطة حين تدخل في صراعٍ يتجاوز قدرتها على التحكم بمساراته. ففي الحالة الراهنة، لا يمكن فهم سلوك دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو إلا عبر هذه القاعدة: التناقض ليس خللًا، بل دليلٌ على مأزق.

حين يعلن ترامب أنه دمّر معظم القدرات الإيرانية، ثم يعود ليطالب العالم بحماية مضيق هرمز، فهو لا يناقض نفسه فقط، بل يكشف حدود القوة التي يمثلها. فالقوة، حين تضطر إلى المبالغة في وصف إنجازاتها، تكون قد بدأت بفقدان قدرتها على فرض الوقائع، وتحوّلت إلى إنتاج سردياتٍ لتعويض هذا الفقدان.

لكن هذه ليست سوى الطبقة الأولى من المشهد.
بين مشروعين لا يلتقيان
ما يبدو للوهلة الأولى تحالفًا متماسكًا، يخفي في داخله تناقضًا جوهريًا. فنتنياهو لا يخوض هذه الحرب كأداة ضغط، بل كخيارٍ استراتيجيٍ طويل الأمد. بالنسبة له، لا معنى لوقف الحرب قبل تحقيق تحوّلٍ بنيويٍ في البيئة الإقليمية، أي قبل إضعاف إيران إلى الحد الذي يعيد رسم ميزان القوى. هذا ليس تفصيلًا تكتيكيًا، بل رؤية كاملة: الحرب ليست وسيلةً، بل هي المسار ذاته.

في المقابل، دخل ترامب الحرب بعقليةٍ مختلفةٍ تمامًا. هو رجل صفقاتٍ، لا رجل حروبٍ طويلةٍ. افترض أن الضربة السريعة ستنتج واقعًا سياسيًا جديدًا يمكن استثماره تفاوضيًا. لكن ما واجهه لم يكن استسلامًا إيرانيًا، بل إعادة تعريفٍ للصراع نفسه.

وهنا يبدأ الانفصال بين المسارين: نتنياهو يريد استمرار الحرب لأنها لم تحقق أهدافها بعد، وترامب يريد إنهاءها لأنها لم تحقق ما وُعد به.

من وهم الحسم إلى واقع الاستنزاف
الخطأ الأساسي في الحسابات الأميركية لم يكن في تقدير قوة إيران العسكرية فقط، بل في فهم طبيعة الصراع. فالحروب الحديثة، خصوصًا غير المتكافئة، لا تُحسم بالضربة الأولى، بل تُدار عبر الزمن.

إيران، بخلاف ما افترضه المخطط الأميركي، لم تدخل الحرب بمنطق الدفاع عن النفس فقط، بل بمنطق إدارة صراعٍ طويلٍ. امتصّت الضربة الأولى، ثم أعادت توزيع أدواتها، وانتقلت تدريجيًا إلى فرض معادلةٍ جديدةٍ: ليس من الضروري أن ننتصر، يكفي ألا تخسروا أنتم بشروطكم.

هذا التحول هو الذي وضع واشنطن في مأزقٍ حقيقيٍ، لأن كل يومٍ إضافيٍ من الحرب لا يعني تقدمًا نحو الحسم، بل انزلاقًا أعمق في الاستنزاف.

الاقتصاد: ساحة الحرب الحقيقية
في هذا النوع من الحروب، لا تكون الجبهات العسكرية هي الحاسمة، بل الجبهات الاقتصادية. وهنا تحديدًا تظهر أهمية مضيق هرمز، ليس كممرٍ بحريٍ، بل كأداة سيطرةٍ على إيقاع الاقتصاد العالمي.

إيران لم تُغلق المضيق، لأنها تدرك أن الإغلاق الكامل فعلٌ عدائيٌ مباشرٌ يستدعي ردًا دوليًا واسعًا. لكنها فعلت ما هو أخطر: وضعت نفسها في موقع من يقرر من يمر ومن لا يمر. هذا الفارق بين "الإغلاق" و"التحكم" هو الفارق بين الفوضى والسيادة.

وبهذا المعنى، فإن الحديث الأميركي عن "تأمين المضيق" ليس سوى اعترافٍ غير مباشرٍ بأن السيطرة الفعلية ليست بيد واشنطن.

لكن أهمية مضيق هرمز لا تتوقف عند تعطيل الملاحة أو رفع أسعار النفط، بل تمتد إلى ما هو أعمق: إعادة تشكيل قواعد الاقتصاد العالمي. حين تطرح إيران فكرة مرور النفط بشروطٍ سياسيةٍ، أو حتى بعملاتٍ بديلةٍ عن الدولار، فهي لا تستخدم المضيق كسلاحٍ تكتيكيٍ، بل كأداةٍ لإعادة توزيع القوة في النظام الدولي. في هذه اللحظة، يتحول الصراع من مواجهةٍ عسكريةٍ إلى صراعٍ على بنية النظام الاقتصادي نفسه، حيث لم يعد السؤال من يسيطر على الممرات، بل من يحدد قواعد استخدامها.

أزمة السردية الأميركية
هنا تتكشف وظيفة السردية. فالتصريحات التي تتحدث عن "تدمير 90% من القدرات الإيرانية" لا تهدف إلى وصف الواقع، بل إلى إدارته. إنها محاولةٌ لاحتواء أثر الفشل عبر إعادة تعريفه كنجاح. لكن هذه الآلية تواجه مشكلةً أساسيةً: الواقع لا يختفي لأنه لم يُذكر.

حين تستمر الصواريخ في الانطلاق، وحين تتعطل الملاحة، وحين يتردد الحلفاء، تصبح السردية عبئًا على صانعها، لأنه يضطر إلى الدفاع عنها بدلًا من استخدامها. وهذا ما نراه في حالة ترامب: خطابٌ متصاعدٌ، يقابله سلوكٌ يبحث عن مخرج.

هذا التناقض لم يعد محصورًا في التحليل السياسي، بل بات جزءًا من الخطاب الإعلامي داخل الولايات المتحدة نفسها. تقارير صحفية أميركية تشير إلى أن الإدارة الأميركية فوجئت بقدرة إيران على تعطيل إيقاع الاقتصاد العالمي، وعلى توسيع نطاق المواجهة بما يتجاوز التوقعات الأولية. ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، لم يعد السؤال: كيف ننتصر؟ بل: كيف نخرج دون خسارةٍ واضحةٍ؟ هذا التحول في طبيعة الأسئلة هو بحد ذاته مؤشرٌ على أن المأزق لم يعد افتراضًا، بل أصبح واقعًا معترفًا به.

الحلفاء: صمتٌ يكشف أكثر مما يقول
أحد أكثر المؤشرات دلالةً على الأزمة هو موقف الحلفاء. فالدعوة إلى تشكيل تحالفٍ بحريٍ لم تلقَ الاستجابة المتوقعة، ليس لأن الدول لا تملك القدرة، بل لأنها لا تملك القناعة.

الدول الأوروبية، التي لطالما كانت جزءًا من التحالفات الأميركية، تتصرف بحذرٍ غير مسبوقٍ. آسيا تتجنب الانخراط. حتى الدول التي تعتمد أمنيًا على واشنطن تفضّل البقاء في موقع المراقب.

هذا ليس حيادًا، بل شكٌّ: شكٌّ في أهداف الحرب، وفي إمكانية تحقيقها، وفي كلفتها. وحين تفقد القوة العظمى قدرتها على إقناع حلفائها، فإنها تكون قد بدأت بفقدان أحد أهم عناصر قوتها.

لكن ما كشفته تصريحات ترامب الأخيرة يتجاوز مجرد "صمت الحلفاء" إلى مرحلةٍ أكثر حدةً: التوبيخ العلني. حين يهاجم رئيس الولايات المتحدة شركاءه ويتهمهم بالتخاذل، فهو لا يعبّر فقط عن غضبٍ، بل عن إدراكٍ متأخرٍ بأن التحالف لم يعد يعمل وفق قواعده التقليدية. فالدول التي اعتادت الاحتماء بالمظلة الأميركية لم تعد مستعدةً لدفع كلفة حربٍ لا ترى فيها مصلحةً مباشرةً. تصريحاتٌ مثل "ننفق تريليونات الدولارات على الناتو" و"عندما نحتاج إليهم لا نجدهم" ليست مجرد شعاراتٍ انتخابيةٍ، بل هي اعترافٌ ضمنيٌ بأن منظومة الردع الجماعي بدأت تتآكل من الداخل.

اللافت أن الردود الأوروبية والآسيوية لم تكن دبلوماسيةً بقدر ما كانت صريحةً إلى حدٍ غير مسبوقٍ. عبارة وزير الدفاع الألماني "هذه ليست حربنا" تختصر تحولًا عميقًا في نظرة الحلفاء للصراعات التي تقودها واشنطن. لم يعد الخلاف حول الوسائل، بل حول المبدأ نفسه: لماذا ننخرط في حربٍ لم نكن جزءًا من قرارها؟ هذا الموقف لا يعكس فقط تباينًا سياسيًا، بل أزمة شرعيةٍ حقيقيةٍ، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرةً على تقديم الحرب بوصفها "قضيةً مشتركةً".

نتنياهو: إدارة الخطر لا تجنّبه
في المقابل، يتحرك نتنياهو ضمن منطقٍ مختلفٍ تمامًا. فهو لا يرى في التصعيد خطرًا يجب تجنبه، بل أداةً يجب استخدامها. فكلما تعقدت الحرب، زادت فرص إعادة تشكيل المنطقة.

هذه الرؤية تقوم على فكرة أن الفوضى ليست نتيجةً للحرب، بل وسيلةٌ لها. لكن هذا المنطق يصطدم بحدود القوة الأميركية. فواشنطن، رغم قوتها، لا تستطيع تحمّل فوضى مفتوحةٍ دون أن تدفع ثمنًا داخليًا وخارجيًا. وهنا يظهر التناقض: "إسرائيل" تدفع نحو التصعيد، والولايات المتحدة تحاول ضبطه.

ضمن هذا السياق، يمكن فهم إصرار نتنياهو على استمرار الحرب بوصفه جزءًا من رؤيةٍ أوسع تقوم على ما يمكن تسميته "التدمير الخلاق". الفكرة هنا ليست فقط إضعاف الخصم، بل تفكيك البيئة الإقليمية التي ينتج منها هذا الخصم. لذلك، لا يكون الهدف مجرد "ردع إيران"، بل إعادة تشكيل المنطقة بطريقةٍ تجعل أي تهديدٍ مستقبليٍ أقل احتمالًا. لكن هذا النوع من الاستراتيجيات يفترض قدرةً على التحكم في الفوضى، وهي فرضيةٌ أثبتت التجارب السابقة هشاشتها.

التناقض كحالة بنيوية
ما نشهده ليس مجرد خلافٍ بين حليفين، بل تعبيرٌ عن خللٍ أعمق في بنية التحالف نفسه. فحين تختلف الأهداف، يصبح التنسيق مستحيلًا، حتى لو استمر التعاون.

ترامب يحتاج إلى نهايةٍ يمكن تسويقها داخليًا، ونتنياهو يحتاج إلى استمرارٍ يمنع إعلان الفشل. وهذا التباين يجعل من الصعب إنتاج سرديةٍ موحدةٍ، لأن كل طرفٍ يكتب روايته الخاصة.

الأكثر دلالةً من الخطاب العلني هو ما يُقال في القنوات غير المعلنة. فالتقارير التي تتحدث عن سعي ترامب للتواصل مع طهران عبر وسطاء تكشف عن فجوةٍ عميقةٍ بين ما يُقال وما يُفعل. في العلن، تصعيدٌ وتهديدٌ بـ"الحسم خلال أسبوعين أو ثلاثة"، وفي الخفاء، بحثٌ عن مخرجٍ تفاوضيٍ. هذا ليس تناقضًا شخصيًا بقدر ما هو تعبيرٌ عن أزمةٍ بنيويةٍ: حين تعجز القوة عن فرض شروطها، تبدأ بالبحث عن تسوية، لكنها لا تستطيع الاعتراف بذلك دون كلفةٍ سياسيةٍ داخليةٍ.

إيران: استراتيجية "عدم الخسارة"
في هذا المشهد، تبدو إيران وكأنها الطرف الأكثر اتساقًا مع استراتيجيتها. فهي لا تسعى إلى نصرٍ تقليديٍ، بل إلى منع خصمها من تحقيق أهدافه.

هذه المقاربة، التي قد تبدو دفاعيةً، هي في الواقع هجوميةٌ على مستوى أعمق، لأنها تنقل الصراع من ساحةٍ يمكن للولايات المتحدة أن تتفوق فيها (العسكر)، إلى ساحةٍ يصعب عليها السيطرة عليها (الاقتصاد، الزمن، الجغرافيا). وبهذا المعنى، فإن استمرار الحرب يخدم إيران بقدر ما يضر خصومها.

وهم السيطرة
أحد أخطر ما تكشفه هذه الحرب هو وهم السيطرة. فالولايات المتحدة، التي اعتادت إدارة صراعاتٍ بعيدةٍ عن أراضيها، تجد نفسها اليوم في مواجهة صراعٍ لا يمكن احتواؤه بسهولة.

القدرة على الضرب لا تعني القدرة على التحكم، والتفوق العسكري لا يضمن تحقيق الأهداف السياسية. هذه الحقيقة، التي ظهرت في تجارب سابقة، تعود اليوم بشكلٍ أكثر وضوحًا.

ولا يقتصر هذا التآكل على الخارج، بل يمتد إلى الداخل الأميركي نفسه. حين يعلن مسؤولٌ في موقعٍ حساسٍ، مثل مدير مركز مكافحة الإرهاب، عدم قدرته على تأييد الحرب ويختار الاستقالة، فإن ذلك لا يُقرأ كحدثٍ إداريٍ هامشيٍ، بل كإشارةٍ إلى انقسامٍ داخل مؤسسات الدولة. فالحروب التي تفقد إجماعها الداخلي تفقد تدريجيًا قدرتها على الاستمرار، مهما بلغت قوتها العسكرية.

إلى أين يتجه الصراع؟
مع استمرار الحرب، تتقلص الخيارات:
* التصعيد يحمل خطر التوسع
* الاستمرار يعني استنزافًا
* الانسحاب يهدد بالمصداقية

في هذا السياق، يبدو أن ترامب يبحث عن مخرجٍ، حتى لو كان غير معلنٍ، بينما يواصل نتنياهو الدفع نحو مزيدٍ من الانخراط. وهنا تكمن المفارقة: التحالف الذي بدأ بهدف الحسم، يجد نفسه اليوم عاجزًا عن الاتفاق على كيفية إنهاء الحرب. في النهاية، قد لا يكون السؤال من ينتصر، بل من ينجح في تعريف النصر.

إذا استمرت إيران في الصمود، فإنها تكون قد حققت هدفها. وإذا لم تستطع الولايات المتحدة فرض شروطها، فإن إعلان النصر يصبح مجرد خطاب. أما نتنياهو، فيبقى عالقًا بين هدفٍ لم يتحقق، وحربٍ لا يمكن إنهاؤها بسهولة.

هنا تتحول الحرب من صراعٍ عسكريٍ إلى صراعٍ على المعنى. كل طرفٍ يحاول أن يروي القصة بطريقته، وأن يقنع جمهوره بأن ما حدث كان ضروريًا ومبررًا. لكن، كما تُظهر هذه الحرب، لا يمكن للسرديات أن تحل محل الواقع إلى الأبد.

في لحظةٍ ما، يفرض الواقع نفسه، وعندها، لا يعود السؤال: ماذا قيل؟ بل: ماذا حدث فعلًا؟ وهذا هو السؤال الذي لم يعد بإمكان أحدٍ تأجيله طويلًا.

الكلمات المفتاحية
مشاركة