عربي ودولي
كاتب من العراق
منذ اندلاع الحرب العدوانية الأميركية-"الإسرائيلية" ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، تعرضت مقرات الحشد الشعبي في مدنٍ ومناطقَ مختلفةٍ من العراق، لعشرات الاعتداءات السافرة من قبل واشنطن و"تل أبيب"، بالطائرات المسيرة والمقاتلة والصواريخ، والتي تسببت باستشهاد وجرح العديد من مقاتلي الحشد.
الولايات المتحدة الأميركية، بررت تلك الاعتداءات، بأنها جاءت ردًا على الهجمات التي نفذتها بعض الفصائل العراقية المسلحة ضد الوجود الأميركي في العراق، كنوعٍ من الإسناد والدعم للجمهورية الإسلامية في الحرب الدائرة حاليًا.
ولكن حقيقة الأمر، تتجاوز كثيرًا الادعاءات والمزاعم الأميركية الخاوية، التي تغض الطرف عن الواقع القائم بكل تفاصيله وتجلياته. لأنه من المفروض أن يكون الحديث أولًا عن طبيعة الوجود الأميركي، والأدوار التي يضطلع بها، لاسيما ما يتعلق بالحرب ضد إيران.
فمن الواضح جدًا، ووفقًا للكثير من الشواهد والدلائل، أن الولايات المتحدة الأميركية استخدمت وجودها العسكري وغير العسكري في العراق بحربها العدوانية ضد إيران، سواء من الناحية اللوجيستية أو الاستخباراتية-التجسسية، ناهيك عن العمليات العسكرية، ودعم وتشجيع وتحريض الجماعات الإيرانية المعارضة في كوردستان العراق على إحداث الفوضى والاضطراب في إيران تزامنًا مع العمليات العسكرية، من أجل تحقيق هدف "إسقاط النظام" في طهران.
ولا شكّ أن ذلك يتنافى تمامًا مع جوهر الدستور العراقي، الذي يؤكد في الفقرة الثانية من المادة السابعة، على أنه (تلتزم الدولة محاربة الإرهاب بجميع أشكاله، وتعمل على حماية أراضيها من أن تكون مقرًا أو ممرًا أو ساحةً لنشاطه)، أي بعبارةٍ أخرى، عدم جواز استخدام الأراضي العراقية للاعتداء أو تهديد أمن أي بلدٍ آخر.
والأمر الآخر، أن الكثير من مقرات الحشد التي تعرضت للاعتداءات الأميركية و"الإسرائيلية"، لم تنطلق منها أي هجماتٍ على الوجود الأميركي، وهذا ما يثبت أن واشنطن، استخدمت هجمات قوى المقاومة العراقية على مواقعها العسكرية والاستخباراتية في بغداد وأربيل والسليمانية، ذريعةً لاستهداف الحشد الشعبي على نطاقٍ واسعٍ، من أجل "إضعافه"، ومن ثم التمهيد للتخلص منه نهائيًا، وهو ما عملت عليه واشنطن ومعها قوى دولية وإقليمية عديدة طيلة الأعوام العشرة الماضية.
إلى جانب ذلك، فإن هناك رأيًا شعبيًا عراقيًا عامًا، يطالب الحكومة العراقية بمختلف مؤسساتها الرسمية، باتخاذ مواقف داعمةٍ ومساندةٍ للجمهورية الإسلامية الإيرانية، انطلاقًا من كونها دولة جارة، يربطها بالعراق الكثير من القواسم الدينية والعقائدية والثقافية والاجتماعية المشتركة، وكذلك المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، فضلًا عن أن مواقفها المساندة للعراقيين في التصدي للإرهاب التكفيري "الداعشي"، يستدعي من العراق، كحكومةٍ وقوى سياسيةٍ ومجتمعيةٍ، رد الجميل لها، ولعل هذا هو الوقت الأفضل والأنسب للقيام بذلك.
وما ينبغي التأكيد عليه والتذكير به، هو أن غلق ملف الحشد الشعبي، مثّل هدفًا رئيسيًا للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، منذ حوالي عشرة أعوام، إذ لم تتوقف كل من واشنطن و"تل أبيب" والأطراف المرتبطة معهما في عرقلة تكييف وضع الحشد قانونيًا. وما التصدي لإقرار قانون الحشد من قبل البرلمان العراقي العام الماضي إلا دليل على ذلك، علمًا أن ذلك القانون من شأنه جعل الحشد مؤسسةً أمنيةً خاضعةً لإشراف القائد العام للقوات المسلحة.
وقبل هذا وذاك، فإنه في العديد من المرات، كانت القوات الأميركية تقصف مقرات الحشد الشعبي التي تقاتل عصابات "داعش" الإرهابية، بدلًا من استهداف الأخيرة. وحتى بعد الانتصار على "داعش" في أواخر عام 2017، فإن القوات الأميركية لم تتوقف طيلة أعوامٍ عن قصف مقرات الحشد في أماكن ومواقع مختلفة، والآن وجدت الفرص سانحةً والمبررات جاهزةً لإلحاق أكبر الأذى والضرر بصفوف الحشد.
وما علينا فهمه وإدراكه، أن هدف القضاء على الحشد الشعبي، يندرج ضمن هدفٍ أوسع وأشمل، يتمثل في القضاء على كل قوى محور المقاومة في إيران ولبنان واليمن والعراق وفلسطين. ولعل حرب الاثني عشر يومًا في حزيران/يونيو الماضي، وكذلك الحرب الحالية، جاءتا في هذا السياق تمامًا.
والنقطة المهمة والمحورية هنا، هي أن الولايات المتحدة الأميركية، تجيز لنفسها البقاء في العراق وانتهاك سيادته وتهديد أمنه، واستخدام أراضيه لشن العدوان على الآخرين، لكنها لا تتقبل حقيقة أن الحشد الشعبي، وحتى فصائل المقاومة غير المندرجة ضمن الحشد، إنما تدافع عن البلاد، سواء جاء العدوان من تنظيم "داعش" الإرهابي، أو من الكيان الصهيوني، أو من الولايات المتحدة الأميركية نفسها، أو من أي طرفٍ آخر.
وهذه الحقيقة التي لا تتقبلها أيضًا أطراف إقليمية ودولية أخرى، وما التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، ضد الحشد الشعبي، وسوقه لاتهاماتٍ بعيدةٍ كل البعد عن الواقع، عن خطر الحشد وتبعيته الخارجية، إلا تكريس لمنهج التضليل والخداع والتدخل السافر في الشؤون الداخلية، والسعي المحموم لإرضاء واشنطن و"تل أبيب". والأنكى من ذلك، الصمت المطبق حيال كل جرائمهما المتواصلة في فلسطين ولبنان وإيران والعراق، وأحداث ووقائع الماضي والحاضر تؤكد وتثبت ذلك بالأرقام الواضحة والحقائق الدامغة.