خاص العهد
لم يكن نبأ استشهاد الصحافيين في جنوب لبنان مجرَّد خبر عابر في قاعات التحرير التونسية، بل كان زلزالًا مهنيًا أعاد صياغة مفهوم "وحدة المصير" بين ضفّتَيْ العالم العربي بمشرقه ومغربه. في 28 آذار/مارس 2026، تعمَّدت الكلمة الحرة بالدم، معلنةً عن انطلاق ملحمة تضامنية تونسية شاملة ضد سياسة "إسكات الحقيقة" التي ينهجها الاحتلال الصهيوني في جنوب لبنان.
إدانة تونسية
انتفض الجسم النقابي والسياسي والإعلامي في تونس ليوثّق الجريمة في إطارها القانوني الدولي. فقد أكّدت "النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين" أنّ اغتيال الصحافية فاطمة فتوني والمصور محمد فتوني من قناة الميادين والصحافي علي شعيب من قناة المنار هو "جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاك صارخ لاتفاقات جنيف".
وشدّدت النقابة على أنّ "هذا الاستهداف الممنهج يهدف إلى حجب سرديات المقاومة وفرض رواية أحادية الجانب".
من جهته، اعتبر "حزب العمال" أنّ "هذه الجريمة الإرهابية الجبانة التي نُفِّذت مع سابق الإصرار والترصُّد تعكس طبيعة كيانٍ نازي يخشى الشهود ويحاول التغطية على خسائره الميدانية"، فيما أدانت "الشبكة التونسية للتصدّي لمنظومة التطبيع" "الاستهداف الجبان"، مؤكدةً أنّه" يدخل في سياق جرائم الاحتلال ضد كل صوت مقاوم وحر لأنّها تخشى الحقيقة وإعلام المقاومة".
من ناحيته، نعى "حزب التيار الشعبي" في تونس "الصحافيَّيْن اللذين استُشهدا إثر استهداف مباشر من قِبَل قوات الاحتلال "الإسرائيلي" في أثناء أداء واجبهما المهني في جنوب لبنان".
وتقدَّم الحزب بـ"أحر التعازي لعائلات الشهيدين، ولإدارة قناة الميادين والعاملين فيها كافة وقناة المنار"، مؤكّدًا أنّ "هذا الاستهداف يأتي ضمن محاولات إسكات صوت الحق وتعمية الحقيقة عن الجرائم المرتكبة في المنطقة". ووصف الحزب العملية بأنّها "جريمة نكراء تستهدف الجسم الصحافي الحر الذي ينقل واقع العدوان على الأرض".
كذلك، ناشد الحزب الإعلاميين الأحرار والمنظمات الحقوقية والمهنية في العالم "الوقوف صفًا واحدًا في وجه النازية الصهيو-أميركية التي تستهدف القيم الإنسانية والحريات الصحافية".
وأكّد أنّ "دماء الصحافيين ستظل منارة تكشف عن زيف الروايات الصهيونية المضلِّلة وتدعم صمود الشعوب في وجه العدوان".
تضامن إعلامي ووحدة الكلمة
من جانبه، يرى الإعلامي والأكاديمي كمال بن يونس، في حوار خاص مع موقع "العهد" الإخباري، أنّ "هذا الاستهداف يمثّل ضريبة يدفعها أنصار الكلمة الحرة والمدافعون عن حق الشعوب في المعرفة". ويحلل بن يونس الجريمة، فهي في نظره "جزء من "قانون الغاب" الذي بات يحكم العالم، حيث يتجرّأ الاحتلال على تبني اغتيال صحافية في مقتبل العمر وزميل يمثّل "ذاكرة المقاومة" وهو علي شعيب دون رادع دولي".
ويضيف بن يونس أنّ "منع الصحافيين الأجانب من دخول غزة واستهداف الصحافيين المحليين في لبنان هو محاولة لترويع الشعوب التواقة للتحرُّر"، لكنّه يؤكّد أنّ "إرادة الشعوب ستنتصر حتمًا".
بدورها، ترصد الصحافية منى بن قمرة "تحوُّلًا في موازين القوى الإعلامية"، مؤكّدةً، في حديث إلى موقع "العهد"، أنّ "التضامن التونسي ينبع من وحدة العقيدة والمصير".
ومن خلال متابعتها الدقيقة للقنوات الدولية، لاحظت بن قمرة "تغيُّرًا في نبرة بعض وسائل الإعلام الغربية التي كانت خاضعة للوبيات معينة، حيث بدأت تعترف بالطرف المقاوم كقوة حقيقية يُحسَب لها ألف حساب". وتؤكّد بن قمرة أنّ "الإعلاميين التونسيين يجدون أنفسهم في قلب هذه الحرب، يتألَّمون لآلام إخوانهم ويترقَّبون لحظة النصر التي تنهي مآسي الحروب المفروضة".
شهداء الكلمة والحقيقة
بدورها، تؤكّد الصحافية لمياء شريف، لموقع "العهد"، أنّ "استهداف الصحافي علي شعيب والصحفية فاطمة فتوني وشقيقها محمد فتوني في الجنوب اللبناني، يأتي في سياق الإستراتيجية الصهيونية لإسكات الحقيقة التي تفضح ادّعاءات المحتل الميدانية، وهي سياسة تم اتباعها مُسبَقًا في غزة وضد الصحافيين في مختلف مناطق الصراع".
وتشدّد شريف على "ضرورة قيام اتحاد الصحافيين في لبنان والاتحادات العربية باتخاذ مواقف حازمة لفرض قوانين تتيح تقديم قضايا أمام المحكمة الجنائية الدولية لمحاسبة الجناة".
وتدعو كذلك إلى "تفعيل القوانين الدولية التي تضمن حماية الطواقم الإعلامية في مناطق النزاعات المسلحة، وتجريم استهدافها المتعمَّد".
وتقول شريف: "هذه التضحيات لن تكون الأخيرة، والمقاومة مستمرة حتى التحرير الكامل من العدو الغاشم".