مقالات
تميّزت الاستراتيجية العسكرية الإيرانية في تصدّيها للعدوان الأميركي-الصهيوني الحالي بكونها اعتمدت التصعيد الأفقي (Horizontal Escalation)، بهدف رفع الكلفة العسكرية والاقتصادية على الولايات المتحدة و"إسرائيل" وحلفائهما في المنطقة، وذلك منذ اليوم الأول للعدوان، ما أثّر على الأمن الإقليمي في منطقة غرب آسيا والاقتصاد العالمي.
لعلّ قرار العدوان الأميركي-"الإسرائيلي" على الجمهورية الإسلامية في إيران بُني على افتراض مفاده أن اغتيال قائد الثورة الإسلامية وبعض القادة العسكريين سيؤدّي إلى خلل في منظومة القيادة والسيطرة، ما قد يُفقد النظام سيطرته على البلاد ويبدأ بالسقوط شيئًا فشيئًا كأحجار الدومينو. وربما بدا هذا التصوّر منطقيًا إلى حدٍّ ما، لأنّ غالبية الدول، عندما تفقد رأسها بهذه الطريقة التي تُسمّى "الضربة القاضية"، تتعرّض لشلل كليّ.
كانت إدارة ترامب تسعى لتطبيق نموذج فنزويلا على إيران، معتبرة نجاحها في كراكاس دليلًا على فعالية استخدام القوة الصلبة في العلاقات الدولية (Hard Power). بيد أن هذه المقاربة تجاهلت الفروق الجوهرية بين البلدين، فالنجاح في إخضاع فنزويلا للمطالب الأميركية جاء في إطار بيئة سياسية واجتماعية مختلفة جذريًّا عن الظروف والبيئة المعقدة في إيران. وبذلك، لم تستطع الإدارة الأميركية أن تفكر خارج "النموذج الفنزويلي الناجح". وقد تبدّى لاحقًا أنها عاجزة عن تطوير استراتيجية مناسبة للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني في إيران. هذا الاستقراء الناقص أوقع واشنطن في فخ "الانحياز المعرفي" (Cognitive Bias)، الذي أدّى إلى استنتاجات خاطئة في تقدير نتائج الحرب المتوخّاة مع إيران، متجاهلة العوامل الأيديولوجية والثقافية والحضارية التي تحكم بنية النظام ومجتمعه، فضلًا عن العقيدة العسكرية الإيرانية التي بُنيت على مبدأ عدم التماثل في القتال.
لذا، يمكن إيجاز الفشل الحالي للعدوان الأميركي-"الإسرائيلي" على إيران في الأسباب الآتية:
أولًا: إغفال البعد العقائدي والقومي الذي يحكم المجتمع كما يحكم المؤسسات، إذ يميل أغلبية صُنّاع القرار في واشنطن إلى اعتماد المذهب الواقعي الذي يعطي الأهمية للمعادلات المادية التي ترتكز على المكاسب والخسائر، غير مكترثين بتأثير الهوية والقوة المعنوية لدى الطرف الآخر. كما يُقلل الواقعيون (Realists)، بمختلف اتجاهاتهم، من أهمية المجتمعات وخصائصها وأفكارها ومعتقداتها وخطاباتها وتأثيرها سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. يكشف هذا التحليل عن قصور في تحليلات المدرسة الواقعية لخطابات وأفعال القادة في إيران، حيث يكمن الخلل في عدم إيلاء الأهمية الكافية للعقيدة الإيمانية التي تشكل المحرّك الأساسي لسلوك الدولة في إيران.
وخلافًا للواقعية، تعطي النظرية البنائية (Constructivism) في العلاقات الدولية بعدًا تفسيريا أعمق لتحليل بنية النظام والمجتمع في إيران، مركّزةً على دور البُنى الاجتماعية (Social Structures) بما تتضمنه من قيم وهويات وخطابات في تشكيل السلوك الداخلي والخارجي للدول. وعلى عكس الواقعية التي تربط سلوك الدول بالمصالح والقوة، ترى البنائية أن هذه المصالح نفسها تتحدد من خلال السياقات الاجتماعية والثقافية.
ثانيًا: اعتقاد صُناع القرار في كل من واشنطن "وتل أبيب" (يافا) بأن الضربة الافتتاحية التي استهدفت كبار القادة ستفضي إلى فوضى في الشارع الإيراني، كما أنّها ستسهم في تقويض قدرات مؤسسات النظام على حفظ الأمن، غير أنّ ذلك لم يحدث، فقد عُيّن مرشد جديد للثورة، وسرعان ما مُلئث الشواغر العسكرية والسياسية في فترة وجيزة. ويعود هذا التصور الأميركي-"الإسرائيلي" إلى عدم فهم بينة النظام المركبة وطبيعة المؤسسات العسكرية والاقتصادية والمدنية التي تدير البلاد.
ثالثًا: يتفق أغلب المنظرين العسكريين على أن إسقاط الأنظمة لا يمكن أن ينجح بمجرد تبنّي نظرية سلاح الجو، التي تقول إن من يسيطر على السماء يسيطر على الأرض. ويؤكّد المُنظر والأكاديمي في العلاقات الدولية جون ميرشايمر في هذا الصدد أنّه حتى إرسال قوات برية أميركية إلى الأراضي الإيرانية سيكون له تداعيات كارثية على الولايات المتحدة. وبيّن ميرشايمر كيف أنّ واشنطن تخسر الحرب لعدم امتلاكها استراتيجية واضحة للخروج من الحرب وللتفكير في اليوم التالي.
رابعًا: عدم قدرة واشنطن بشخص رئيسها على حشد الحلفاء الأوروبيين لفتح مضيق هرمز بالكامل بسبب عاملين رئيسيين، يتمثل العامل الأول في التباين بين الإدارة الأميركية والقادة الأوروبيين بشأن شرعية الحرب على إيران، فضلًا عن الخلافات الحادة التي برزت مؤخرًا على خلفية محاولة واشنطن الاستيلاء على جزيرة غرينلاند. أمّا العامل الثاني فيكمن في القدرة العسكرية لقوات الحرس الثوري على عرقلة عبور الناقلات النفطية التابعة للولايات المتحدة "وإسرائيل" وبعض دول الخليج عبر المضيق، بوسائل منخفضة الكلفة وذات تأثير فعّال (ألغام بحرية وقوارب هجومية غير مأهولة...).
لذلك، تعتمد قوات الحرس الثوري على أسلوب القتال اللامتناظر (Asymmetric Method) لتعويض فارق القوة مع الولايات المتحدة "وإسرائيل" وحلفائهما. ويُعدّ نموذج حركة أنصار الله في اليمن مثالًا واضحًا على فاعلية هذا الأسلوب، إذ تمكّنت من عرقلة مرور السفن المرتبطة بالولايات المتحدة "وإسرائيل" عبر مضيق باب المندب، رغم تعرّضها لعدوان واسع النطاق. وانطلاقًا من ذلك، تُدرك طهران أهمية توظيف الجغرافيا لإفشال أهداف واشنطن و"تل أبيب" في هذه الحرب، إذ تبرز الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز بوصفه ممرًا حيويًا لنحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
خامسًا: على الصعيد الداخلي في الولايات المتحدة، شكّلت استقالة أحد كبار مستشاري ترامب، جو كينت (مدير المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب)، مؤشرًا على بداية تصدّع إدارته، إذ علّل كينت استقالته بأن هذه الحرب "حرب إسرائيل" وليست حرب الولايات المتحدة، معتبرًا أن إيران لا تمثل تهديدًا وشيكًا لها. علاوة على ذلك، لا يحظى هذا التوجّه بتأييد من الرأي العام الأميركي، ولا سيّما في ظل سقوط قتلى وجرحى من الجنود الأميركيين، فضلًا عن ارتفاع أسعار النفط والمواد الغذائية.
سادسًا: لم يصل محور المقاومة بعد إلى نقطة الذروة (Culminating Point) في استخدام القوة، فعلى الرغم من انخراط المقاومة الإسلامية في الحرب في التوقيت المناسب، دفاعًا عن لبنان، ومشاركة بعض الفصائل المسلحة العراقية في استهداف أصول أميركية في العراق، إلا أنّ التحوّل الأكبر يكتمل عندما تُعلن القوات المسلّحة اليمينية (حركة أنصار الله) إقفال مضيق باب المندب أمام السفن الأميركية و"الإسرائيلية" وحلفاء أميركا و"إسرائيل" في المنطقة. وتكمن أهمية هذا المضيق بأنه يربط البحر الأحمر وقناة السويس بخليج عدن والمحيط الهندي، ما يجعله شريانًا حيويًا للاقتصاد الدولي، إذ يمرّ عبره نحو 10% من التجارة العالمية.
صحيح أنّ المقاومة اليمنية انضمت إلى المعركة مؤخرًا وبدأت باستهداف "إسرائيل"، بيد أنها لم تلجأ بعد إلى استخدام المضيق كورقة ضغط لمساندة محور المقاومة في المنطقة. ويبقى المشهد الجيوسياسي متوقفًا على دينامية الأحداث الميدانية التي تعصف بالمحيط الإقليمي.
سابعًا: يُعدّ عامل الزمن نقطة قوة أساسية لإيران، إذ يمنحها قدرة على استنزاف الولايات المتحدة و"إسرائيل" عسكريًا واقتصاديًا، نظرًا لانخفاض كلفة إنتاج صواريخها مقارنة بالأنظمة الاعتراضية، إضافةً إلى سرعتها الأعلى في الإنتاج.
ثامنًا: قد تكون شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحدّ ذاتها هي المؤشر الأول لفشل الولايات المتحدة و"إسرائيل" في تحقيق أهداف حرب غير واضحة حتى الآن من قبل الدولة العميقة (Deep State) في الولايات المتحدة. فقد وضع الرئيس الأميركي أهداًفا يصعب تحقيقها، بدءًا من تغيير النظام، مرورًا بتدمير القدرات الصاروخية البالستية، وصولًا إلى إضافة هدف جديد هو فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحًا قبل بدء العدوان. لقد بات من الواضح أن الاستراتيجية الأميركية تعاني قصورًا بنيويًا وتبحث عن مخرج (Off-Ramp). وفي هذا السياق، يشير الرئيس السابق للاستخبارات البريطانية (M16) أليكس يونغر (Alex Younger)إلى أنّ ايران تمتلك اليد العليا في الحرب، فقد استخفّت الولايات المتحدة بالنظام الذي وظّف كافة أنواع التكتيكات للقتال من أجل بقائه. من هنا، يمكن أن نستنتج أنّ ايران تسيطر على سلّم التصعيد (Escalation Ladder) في المواجهة القائمة.
وعليه، لا تحتاج إيران إلا إلى إثبات فشل الأهداف الأميركية-"الإسرائيلية" عبر صمود النظام، والاستمرار في استهداف القواعد الأميركية في دول الخليج، بالتوازي مع توجيه ضربات قوية للكيان الصهيوني بالصواريخ البالستية والطائرات المُسيّرة الهجومية بوتيرة منتظمة. وهذا كاف لتقول لشعبها ولكل أحرار العالم إنّها صمدت وحققت نصرًا موضوعيًا أمام أعتى قوة في العالم.
في نهاية المطاف، ستضع الحرب أوزارها عندما تتمكن إيران من تكريس معادلة ردع جديدة تمنع بموجبها الولايات المتحدة "وإسرائيل" من مهاجمتها مستقبلًا.
Bibliography
https://www.wsj.com/opinion/not-losing-has-different-meanings-for-iran-and-the-u-s-41fa1250?mod=e2tw
https://www.economist.com/insider/inside-defence/a-former-spy-chiefs-take-on-intelligence-and-the-iran-war?taid=f9038895-384b-412e-9d6e-3ad6af018447&utm_campaign=trueanthem&utm_medium=social&utm_source=twitter