لبنان
مستجدات الميدان الأربعاء: القيادة السياسية الصهيونية ترفع سقف الأهداف منافية الواقع
جنود العدو يُقتلون في البيوت والمدرعات
في الوقت الذي تعلن القيادة السياسية في الكيان الصهيوني عن سقفٍ عالٍ من الأهداف التي وضعتها لما تسميه المناورة البرية في جنوب لبنان، يبدو جيش الاحتلال أقل حماسة من ذي قبل، رغم أنه، ووفق ما أشارت صحيفة "هآرتس"، هو الذي ضغط على الحكومة لتنفيذ عملية عسكرية ضد حزب الله، هكذا يمكن تلخيص مشهدية الحرب بعد انقضاء الشهر الأول على اندلاعها!
كل هذا، وإن كان مهمًا ويحمل تصورًا حول كيفية اتخاذ قرار هذه الحرب في "إسرائيل" ووضع أهدافها، إلا أنه يؤكد فشل المنظومة الأمنية والسياسية في تقدير الموقف والاستفادة من التجارب السابقة لكل الحكومات وقيادات الجيش التي لطالما وجدت نفسها مضطرة إلى التراجع عن حجم الأهداف، لا سيما الدعاية التي تتكسر دائمًا في الميدان والتي يشيرون إليها باحتلال جنوب نهر الليطاني للقضاء على حزب الله!
فمن يعتقد أن وجود المقاومة متعلق بالأرض، أو أن احتلال أجزاء من لبنان سيؤدي إلى إضعافها وزوالها، واهم بالمنطق المادي حتى، إذ لا يمكن ربط وجودها بأبعاد مادية كالتسليح والأفراد والبيوت التي تدمرها الطائرات والجسور التي تُقطع، أو حتى بقرارات حكومية أو دولية لا تساوي أمام الحاجة إلى الدفاع المشروع عن النفس قيمة الورق الذي تُكتب عليه، كل هذا سيأتي الوقت الذي نتحدث عنه فيه، ولكن المهم اليوم هو البحث في أسباب تراجع اندفاعة الجيش الصهيوني وحماسته تجاه توسيع العمليات في لبنان؟!
في الواقع، ووفق تقديراته العملياتية، كان جيش الاحتلال يظن فعلًا أن وجود المقاومة في جنوب لبنان قد انحسر وتراجع إلى مستوى يخول قواته تحقيق اندفاعة كبيرة خلال ساعات محدودة لاحتلال منطقة الحزام الأمني السابق - الشريط الحدودي ما قبل التحرير عام 2000 - ثم البدء بمناورات واسعة تمكنه من احتلال منطقة جنوب نهر الليطاني والتمركز فيها، وهذا ليس كلام اليوم، فوفق توصيات لجنة فينوغراد بعد حرب تموز 2006، كانت معايير الانتصار واضحة ومدونة بشكل لا ضبابية فيه، إذ اعتبرت أن مجرى نهر الليطاني هو الخط الحدودي الفاصل مع لبنان، وهو المعيار الفعلي للنصر مقابل حزب الله، ولكن ما الذي يجري اليوم؟
قوات العدو التي استفادت من تدميرها للقرى الأمامية في القطاع الغربي مثلًا في أثناء هدنة الستين يومًا بعد الحرب الماضية، ومن تراجع الجيش اللبناني عن مواقعه هناك، حاولت تجاوز قرى الخطين الأول والثاني لتصل إلى البياضة التي تشكل مفصلًا حيويًا بالمعنى الميداني، عبر سلوكها محورًا ساحليًا يمر بأطراف الناقورة مباشرة نحو موقع الرادار في البياضة تحت غطاء مدفعي وجوي مكثف، تعاني اليوم مما نسميه بالضربات خلف خطوط الانتشار، إذ استهدفت المقاومة مساء أمس قوة تتموضع في الناقورة، واشتبكت مع قوة أخرى في شمع واستهدفت آلية كانت في عدادها، فيما شهد المحور الغربي إطلاقات صاروخية مكثفة باتجاه المستوطنات المقابلة، وعدد من الثكنات والمقار العسكرية من روش هانيكرا وصولًا إلى حيفا المحتلة وأبعد من ذلك، ما يعني أنه حتى الوجود الفيزيائي على الأرض للعدو لا يفي بالغرض المطلوب!
وفي القطاع الأوسط، تواصل المقاومة رصد قوات الاحتلال في القوزح وضرب تحركاتهم وتموضعاتهم، إذ أعلنت مجددًا أنها استهدفت قوة كانت تتموضع في أحد منازل البلدة، وفي هذا الاستهداف كشف واضح عن الخلل في تعاطي العسكر "الإسرائيلي" مع قرارات القيادة السياسية التي كانت قد أوصت، عبر رئيس الحكومة، نهار أمس الجنود بعدم اللجوء إلى المنازل حتى لا يُقتلوا بنيران حزب الله!
وكان نتنياهو قد أوصى أيضًا باستخدام المدرعات المصفحة بدلًا من البيوت، ولكن حتى هذه المدرعات تفترسها صواريخ المقاومة على امتداد الجبهة، وتُدمر دبابات وآليات في بيت ليف ورشاف والقنطرة وعيناثا التي تشكل محورًا مستجدًا يلجأ الاحتلال لشقه ليحاصر بنت جبيل من الشمال والشرق، لكنه في الواقع يصطدم بقتال كربلائي هناك، يتخلله تفجير مزيد من العبوات الناسفة والإطلاقات الصاروخية والالتحام المباشر الذي يعيق حركته ويستنزفه بشكل واسع.
وفي الخيام؛ المدينة التي تحولت إلى أسطورة بثباتها المتواصل، يحاول العدو التوسع باتجاه الجهة الشمالية منها، رغم أنه لا يزال يتلقى جرعات النار داخل أحيائها الجنوبية، والجديد محاولات مستميتة طوال فجر الأربعاء تدخلت فيها المروحيات وأسقطت المدفعية وابلًا من القذائف بهدف التمهيد للقوات البرية، إلا أن المقاومين لا يزالون يعيقونها بمواجهات تشتد حينًا وتهدأ حينًا آخر، وسط ضرب وحدات المقاومة لنقاط انطلاق التحركات في التجمعات القريبة.
وفي محور التقدم باتجاه وادي الحجير، استهدفت المقاومة تحركات العدو وتموضعاته لتشتيتها عند أكثر من نقطة، فيما دمرت دبابات ميركافا كانت تتحرك في القنطرة والطيبة، ورصدت موكبًا قياديًا في تلة العويضة في الطيبة واستهدفته أيضًا في عملية تؤكد قدرتها ليس على متابعة ما يجري عند الحدود فحسب، إنما أيضًا على انتقاء الأهداف وضربها وفق ما يسمى بأولويات المرحلة!
هذا جزء من المشهد، وبالضرورة جزء مما يدفع جيش الاحتلال لفرملة آماله وطموحاته، وإن كان رئيس أركان الاحتلال إيال زامير، القادم من سلاح المدرعات إلى القيادة، يطمح بإعادة أمجاد كيانه عبر الدبابات، فثمة من خبروا كيفية تحطيم المدرعات، كما خبروا، بعد إطلاق وحدة إيغوز، تحطيم رؤوس جنودها يوم رفعوا شعار "حطّمنا الجوز" في العيشية والريحان في تسعينيات القرن الماضي!