اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بالفيديو | مشاهد من استهداف المقاومة تجمّع آليات للعدو في جنوب لبنان 

نقاط على الحروف

 سلطة التخاذل ومنطق التصفية.. هل تنجح في إعادة إنتاج ١٧ أيار جديد!؟
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

 سلطة التخاذل ومنطق التصفية.. هل تنجح في إعادة إنتاج ١٧ أيار جديد!؟

113

إعلامي وباحث في الشأن السياسي

لم يكن اتفاق ١٧ أيار ١٩٨٣ مجرد وثيقة ترتيبات أمنية بين لبنان والكيان الصهيوني، بل كان زلزالًا سياسيًا استهدف اقتلاع الوطن من هويته وانتمائه وتحويله إلى حجر زاوية في مشروع "الشرق الأوسط الكبير" الذي ترسمه واشنطن وتنفذه تل أبيب. واليوم، يعيد التاريخ نفسه بصور أكثر قتامة؛ حيث اندفعت السلطة اللبنانية نحو مفاوضات تحت ضغط النار "الإسرائيلية" متجاهلة دروس الماضي ومسقطة أوراق القوة الوطنية، وهو سياق لا يمكن فصله عما يُحاك لفلسطين والمنطقة من تصفية شاملة للقضايا المركزية، وما يستهدف ثروات لبنان المائية والنفطية من أطماع تاريخية.

فخ "الشرعية الزائفة"

جاء الاتفاق في ظل اجتياح "إسرائيلي" وصل إلى قلب بيروت عام ١٩٨٢، واستغل العدو خللًا هائلًا في موازين القوى الداخلية والإقليمية، ولا سيما بعد خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت وتسليم سلاحها. وكانت السلطة اللبنانية آنذاك تعيش وهم الضمانات الأميركية، معتقدة أن التسليم لتل أبيب هو السبيل الوحيد لخروج جيش الاحتلال وجلب الأمن والازدهار للبلد، لكن الحقيقة كانت تكمن في "لبننة" المطامع "الإسرائيلية"، حيث هدف الاتفاق إلى تحويل لبنان إلى محمية أمنية تابعة للمنظومة الصهيونية.

من الناحية القانونية، كان اتفاق ١٧ أيار صك استسلام مقنّع، وتضمن بنودًا تنسف مفهوم السيادة الوطنية أهمها:

 - إلغاء حالة العداء: وهو ما يعني ضمنًا اعترافًا كاملًا بكيان الاحتلال قبل استعادة الأرض، وإلغاء مفاعيل اتفاقية الهدنة لعام ١٩٤٩، ما جرد لبنان من حمايته القانونية الدولية في حدها الأدنى.
 - المناطق الأمنية والقيود العسكرية: إنشاء منطقة في الجنوب تخضع لترتيبات خاصة تقيّد حركة الجيش اللبناني وتشرعن وجود ميليشيات موالية للاحتلال (جيش لبنان الجنوبي)، مع منح "إسرائيل" حق الرقابة والتدخل عبر ما سمّي "لجان التحقق".

 - مكاتب الاتصال: وهي كانت تمثل "سفارات مقنّعة" لفرض تطبيع قسري قبل نيل الاستقلال الفعلي.

إن العداء "الإسرائيلي" للبنان ليس أمنيًا فحسب، بل هو عداء "وجودي نفعي" يمتد إلى جذور الحركة الصهيونية وأهدافها التوسعية في المنطقة، فمنذ "مؤتمر الصلح" في باريس عام ١٩١٩، طالبت الحركة الصهيونية بأن تكون حدود "الدولة اليهودية" ممتدة لتشمل مياه نهر الليطاني والحاصباني والوزاني، حيث تعدّ "إسرائيل" السيطرة على الموارد المائية اللبنانية ضرورة حيوية لمشروعها الاستيطاني. وما التدمير الحالي للقرى الجنوبية إلا محاولة لتفريغ الأرض لتسهيل السيطرة على هذه المنابع المائية في أي تسوية مستقبلية تفرض "إدارة دولية" أو "مناطق عازلة".

ومع اكتشاف حقول الغاز في شرق المتوسط، انتقلت الأطماع إلى البحر، حيث تحاول "إسرائيل" عبر الضغط العسكري و"الوساطات" الأميركية المنحازة قضم البلوكات النفطية اللبنانية، أو على الأقل تعطيل استخراج لبنان لثرواته ليبقى رهينة الانهيار الاقتصادي، ما يسهل فرض تنازلات سياسية عليه. وما سبق ذكره ليس جديدًا في سياق الأهداف الصهيونية، وعليه فإن السلطة اللبنانية التي سيقت إلى واشنطن تفاوض "بأكفٍ فارغة" وتخاطر بمستقبل الأجيال في ثرواتها السيادية.

الإعلام وصناعة "الهزيمة الواعية"

منذ أن أقدمت الحكومة اللبنانية على ارتكاب خطيئتها في تجريم المقاومة في آب ٢٠٢٥ وكرّستها بقرارات تصعيدية لاحقة بحق المقاومة وبيئتها، انتقل الإعلام المرتهن اللبناني والعربي والدولي إلى مستوى أعلى من الشحن السياسي والخطاب الطائفي والمذهبي، وكان وما زال يؤدي دورًا خطيرًا في التمهيد لـ "١٧ أيار جديد" عبر الخطوات التالية:

 - كيّ الوعي: ركّز الإعلام المأجور في تأجيج الحرب النفسية بهدف إقناع اللبنانيين بأن كلفة المقاومة أغلى من كلفة الاستسلام، ولجأ لهذه الغاية إلى التركيز المتعمد على مشاهد الدمار في المناطق المستهدفة ولا سيما في الجنوب، وتحميل الضحية مسؤولية إجرام الجلاد.

 - شيطنة المقاومة وبيئتها: بذلت وسائل الاعلام الموجهة جهودًا حثيثة لمحاولة عزل المقاومة عن نسيجها الوطني، وتصويرها كعامل "عدم استقرار" بدلًا من كونها عامل "ردع".
 - تسويق الأوهام: يروج الإعلام المضلل لوعود  الازدهار والرخاء الاقتصادي والاستقرار الذي سيعقب الاتفاقات الأمنية، وهي الوعود نفسها التي أُطلقت عام ١٩٨٣ ولم تحصد إلا الانقسام وتسعير الحرب الأهلية والارتهان للسياسات الاميركية - "الإسرائيلية".

 - تزييف الحقائق الميدانية: يسعى إعلان الهزيمة بشكل فاقع إلى تضخيم قدرات العدو وتصويره "قوة لا تقهر"، وفي الوقت ذاته التعتيم على إنجازات المقاومة الميدانية وخسائر جيش الاحتلال، بهدف خلق حالة من اليأس الشعبي تضغط على صاحب القرار السياسي للتنازل.

 من غزة إلى بيروت

لا يمكن قراءة ما يحدث في لبنان بمعزل عن حرب الإبادة في فلسطين، فالمخطط المرسوم للمنطقة بمجملها يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر تهجير الفلسطينيين وتحويل غزة ولاحقًا الضفة الغربية إلى مكان غير قابل للحياة.

أما في لبنان فيهدف إلى تحطيم "محور المقاومة" كونه العقبة الوحيدة أمام الهيمنة الأمريكية - الصهيونية، على ان يلي ذلك ترسيم حدود "إسرائيل الكبرى" اقتصاديًا من خلال السيطرة على خطوط التجارة والطاقة في المنطقة، وجعل الكيان الصهيوني المركز القائد لإقليم "مستسلم".

ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف - حسب تصريحات مسؤولي العدو أنفسهم - إلا بتفتيت الكيانات الوطنية عبر تحويل دول المنطقة (ولاسيما لبنان وسوريا والعراق) إلى كانتونات ضعيفة غارقة في أزمات اقتصادية واجتماعية، ما يمنعها من تشكيل أي تهديد مستقبلي للاحتلال.

بين ١٩٨٣ و٢٠٢٦: السلطة في مواجهة الشعب

تظهر المقاربة التاريخية تشابهًا مخيفًا في سلوك السلطة اللبنانية التي تذهب للتفاوض وهي تعادي شعبها وتفرّط بأوراق قوتها، حيث تكرّر السلطة خطأ الثمانينيات بقبول التفاوض تحت النار فيما يواصل العدو احتلال أجزاء من الأرض ويمارس جرائم القتل والاغتيال والتدمير الممنهج، ما يجعل أي اتفاق صك إذعان وليس معاهدة سيادية.

واللافت في هذا السياق السكوت المتواطئ عما يرتكبه الاحتلال من عدوان وحشي في ظل مسح قرى كاملة عن الخريطة، إلا من بيانات خجولة مبتسرة تؤكد فيها السلطة انسلاخها عن تمثيل شعبها، بينما تتماهى مواقفها مع الإملاءات الأميركية التي تطلب تنازلات مؤلمة من لبنان لضمان أمن المستوطنين "الإسرائيليين"!

لقد أمعنت هذه السلطة بالعداء للبيئة الحاضنة، وبدل أن تكون الدولة هي الحصن لمواطنيها الذين يتعرضون للإبادة، نجد خطابًا رسميًا يحاول التنصل من مسؤولياته الوطنية تجاه الجنوب وأهله، انسياقًا مع الاملاءات الأميركية التي تركّز على نزع سلاح المقاومة وتحويل لبنان إلى ساحة مستباحة، والأخطر في هذا الجانب إعلان واشنطن أنها لن تدعم الجيش اللبناني الوطني إلا إذا استهدف حزب الله، ما يؤكد تماهي أبواق الداخل مع المسعى الأميركي وتسويق منطق الانقسام والصدام الداخلي لخدمة "إسرائيل" وأمنها.

١٧ أيار مشروع ساقط حتمًا

أسقط الشعب المقاوم اتفاق ١٧ أيار وبذل في سبيل ذلك الكثير من التضحيات، ولا بد من إسقاط أي مسعى لاستنساخ الخطيئة نفسها لحماية لبنان من التفتت والضياع، ولا يكون ذلك إلا بمجموعة من الخطوات أهمها:
 ١ـ تكريس ثلاثية القوة (الجيش والشعب والمقاومة)،
فلا يمكن لأي مفاوض أن يحقق مكاسب إذا لم يستند إلى قوة ميدانية، ويجب التوقف عن طرح سلاح المقاومة كبضاعة للمقايضة، بل اعتباره الركيزة الأساسية لأي استراتيجية دفاعية وطنية تحمي الأرض والثروات.

 ٢- اعتماد الحوار والوحدة الداخلية، فالحصانة الوحيدة ضد التدخلات الخارجية هي الجبهة الداخلية المتماسكة، وهذا ما يستلزم إطلاق حوار وطني حقيقي يهدف إلى بناء "دولة المقاومة والسيادة"، وليس "دولة الارتهان والاستسلام".

 ٣- حماية الثروات المائية والنفطية من خلال اعتبار المياه والنفط خطًا أحمر سياديًا، ورفض أي تفاهمات لا تضمن حق لبنان الكامل في استثمار ثرواته دون تدخل أو حصار اقتصادي أميركي.

 ٤- التكامل مع المحيط المقاوم، فلبنان ليس جزيرة معزولة، وقوته تكمن في تكامله مع القوى الرافضة للهيمنة في المنطقة. أما الانعزال تحت مسمى "الحياد" فهو دعوة صريحة للاستفراد بلبنان وتصفيته سياسيًا.

إن تجربة ١٧ أيار أثبتت أن الاتفاقات المذلة لا تجلب الأمن والسلام بل تجلب الدمار وشرذمة الكيان اللبناني، والحصانة الوحيدة للبنان تكمن في التمسك بخيار المقاومة كفعل إيمان بالوطن، وهي السبيل الوحيد لنيل استقلاله الحقيقي وتمكينه من التقدم والازدهار.

إن المقاومة اليوم هي "حصن السيادة"، والحوار الوطني هو "طريق الاستقرار"، والتوحد خلف خيار السيادة الحقيقية برفض كل اشكال الاستعمار والهيمنة هو السبيل الوحيد لبقاء لبنان. 

لقد أسقطت الانتفاضة الشعبية اتفاق ١٧ أيار القديم، والشعب اللبناني اليوم، بوعيه وصموده، قادر على إسقاط كل النسخ المحدثة من هذا الاتفاق، مؤكدًا أن الأرض والمياه والكرامة لا تُباع في سوق النخاسة الدولية. وعلى السلطة اللبنانية التي تشيح بوجهها عن المؤامرات التي تحاك للوطن وتتنكّر لحقوق شعبها وتنساق وراء أوهام السلام أن تعلم أن لبنان الذي لا يقهر هو لبنان الذي يعرف عدوّه جيدًا، ويتمسّك بخيار المقاومة ويرفض أن يكون ورقة في مشروع "إسرائيل الكبرى".

الكلمات المفتاحية
مشاركة