اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي العدو زوّد الإمارات ببطاريات "القبة الحديدية" خلال الحرب على إيران

نقاط على الحروف

إيران التي يجهلها ترامب 
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

إيران التي يجهلها ترامب 

100

باحث إيراني

بعد أن تلقّى ترامب ردًّا إيرانيًّا خالصًا برفض تجاوزاته، عاد ليهدّد مجددًا، مؤكدًا أنَّ وقف إطلاق النار بين إيران وأميركا يوجد في "غرفة العناية المركزة"، وضاربًا على طبل استئناف الحرب. ورغم أنَّ الإيرانيين أثبتوا عمليًّا أنَّ آذانهم صمّاء أمام تهديدات كهذه، يبدو أنَّ ما يُشجّع ترامب على تكرار تهديداته هو إغلاق عينيه فقط عن الحقائق الداخلية في إيران. حقائق - على الأقل خلال السبعين يومًا الماضية - فرضت نفسها بقوة على ترامب، لكنَّ رئيس الولايات المتحدة لا ينوي رؤيتها أو أخذ العبرة منها. في هذا المقال، نُلقي نظرة سريعة على جزء من حقائق هذه الأيام في إيران.

ربما كان من الصعب جدًا تصديق القول بأن إيران قادرة على إدارة هذه الأزمة الكبيرة، خاصة قبل بدء الحرب الأخيرة بين أميركا و"إسرائيل" على إيران، على الأقل بالنسبة لأولئك الذين عرفوا هذا البلد من خلال الكتب ووسائل الإعلام وخارج حدوده، وتابعوا أخباره وتطوراته. ففي الصور والتفسيرات الأولية، كان يُعتقد أن حصيلة المعلومات الأمنية والعسكرية التي نتجت عن سنوات من التركيز "الإسرائيلي" والأميركي على القضية الإيرانية، إلى جانب القوة الإقليمية والعالمية المتفوقة لهذين البلدين، لا تترك أمام إيران سوى خيار الاستسلام أو الدمار. 

ورغم أن هذه الصورة وهذا التفسير أثبتا عدم دقتهما في الحرب الأخيرة، إلا أن استمرار غموض مصير الحرب أتاح فرصًا لإعادة إنتاج هذا التصور، خصوصًا مع محاولة ترامب مؤخرًا حشد العالم ضد إيران باستخدام عصا الاقتصاد، عبر الحصار البحري لإيران المقترن بتصاعد التهديدات الأميركية. في غضون ذلك، ما زال البعيد عن وسائل الإعلام والرأي العام العالمي، أو بتعبير أدق ما يُبقى عنه بعيدًا، هو الواقع الداخلي لإيران خلال أكثر من سبعين يومًا الماضية. سبعون يومًا فرضت حتمًا خسائر فادحة على الشعب والحكومة الإيرانيين، سواء كانت خسائر لا تُعوَّض مثل فقدان القيادة وكبار المسؤولين العسكريين والسياسيين والمواطنين العاديين، أو خسائر قابلة للتعويض مثل تدمير البنى التحتية الوطنية والممتلكات العامة. ولكن ما يمكن الحكم عليه حتى الآن من هذه الحرب هو صمود الشعب الإيراني وإصراره على الدفاع عن نفسه وسيادته الوطنية ضد المعتدين. في الأساطير الإيرانية، يُذكر طائر يُدعى "العنقاء" (ققنوس)، الذي حتى حين يحترق ويتحول إلى رماد، تولد من رماده عنقاء جديدة تواصل الحياة. وقصة حضور الإيرانيين في هذه الحرب أشبه بقصة تلك العنقاء الأسطورية، التي قررت هذه المرة أن تقف في "حرب وجودية" ضد أميركا و"إسرائيل"، وطالما أنه يمكن فهمها من سلوكها خلال الشهرين الماضيين، فإنها لا تزال مصممة على عدم التخلي عن حقوقها الأساسية.

بناءً على ما تقدم، فإن القضية الأساسية هنا هي ضرورة النظر بواقعية إلى داخل إيران خلال الحرب ووقف إطلاق النار الأخير، وهو ما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

أولًا: من متطلبات أي حرب، خاصة عندما يُقتل قادة ومسؤولون وصناع قرار في بلد ما، أن ينشأ نوع من الحيرة والارتباك في إدارة الحرب. فغياب القيادة والقيادة الميدانية في مثل هذه الظروف يؤثر مباشرة على التنظيم القتالي وكيفية مشاركة العسكريين في المعركة واستمرارها. لكن في إيران، وبفضل التوقعات والاستشراف المسبق من قبل قادة الحرب، وعلى الرغم من اغتيال القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية وأبرز الجنرالات الإيرانيين، لم يحدث هذا الخلل، ولم يظهر أي اضطراب أو انحراف في مسار الحرب. والحقيقة أن القيادة الراحلة للجمهورية الإسلامية والقادة العسكريين الإيرانيين، عندما قرروا خوض "حرب وجودية" ضد الهجمات الأميركية و"الإسرائيلية" وغيّروا استراتيجية البلاد من الدفاعية إلى الهجومية، حرصوا على عدم إغفال أدق التوقعات في مختلف الأبعاد. ويكفي في هذا الصدد أن نتصور أنه في واقعة واحدة فقط، تم اغتيال قائد الثورة والقائد العام للقوات الإيرانية، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وقائد حرس الثورة، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، ورئيس المجلس الأعلى للدفاع، وحشد كبير من القادة والشخصيات العسكرية، ومع ذلك استمر مسار الحرب ولم ينتهِ إلى طاولة المفاوضات تحت النار.

ثانيًا: من متطلبات أي حرب أخرى ظهور مشاكل اقتصادية ومعيشية للشعب. فبينما تم استهداف أجزاء من الاقتصاد الإيراني، وبخاصة المراكز الاقتصادية الحساسة مثل صناعات الحديد والصلب والبتروكيماويات والبنية التحتية للطاقة والمصانع، إلى جانب شرائح المواصلات كالطرق والجسور والمطارات، وكذلك المراكز الخدمية للناس من متاجر إلى مراكز علاجية وعلمية ومستشفيات، بشكل عنيف وواسع النطاق، وتعطل بعضها عن العمل، إلا أنه لم يُسمع خلال ما يقرب من 70 يومًا الماضية تقارير عن حدوث مجاعة أو جوع أو عطش أو تشرد في إيران. كما لم تنقطع أبدًا عن الناس المياه والكهرباء والغاز المنزلي المتوفر لديهم على مدار الساعة، أو وقود سياراتهم، وذلك على الرغم من أن عمليات إعادة الإعمار والتحديث وتشغيل المناطق والمراكز المتضررة استؤنفت بسرعة ملحوظة. إن الاهتمام بمشاركة الشعب في إعادة بناء الدمار والخسائر الناجمة عن الحرب يُظهر بعدًا آخر مذهلًا لحقيقة اسمها إيران والإيرانيون. وربما يثير اهتمام قراء هذا المقال معرفة أن بعض الإيرانيين تحملوا جزءًا من عبء إعادة بناء البلاد من خلال "نذر مواد البناء" أو "تقديم خدمات مجانية" في المناطق المدمرة.

وكل هذه الأمور حدثت في ظل احتلال احتجاجات شعبية على الظروف الاقتصادية الصعبة صدارة أخبار وسائل الإعلام الخارجية قبل الحرب، وفي الوقت نفسه كان تركيز هذه الوسائل منصبًا على تعميق الهوة بين الشعب الإيراني والحكومة.

ثالثًا: من المعروف في الحروب النفسية أن العدو يحاول، قبل اقتحام الخنادق عسكريًا، أن يستولي على العقول والأفكار، ويحقق أهدافه بكلفة أقل. فرغم أن مسألة فرض حرب نفسية على الشعب الإيراني لها تاريخ طويل يعود إلى عمر الجمهورية الإسلامية، إلا أنه في الحرب الأخيرة، وقبل اندلاعها، بلغ حجم العمليات النفسية الأميركية و"الإسرائيلية" ذروته من حيث الإنتاج والفرض، لكنها توقفت عند سفح الجبل من حيث التأثير والتوقيت أثناء الحرب. دخل ترامب ونتنياهو بشكل خاص المعركة تحت لواء أنهما يدخلان الميدان بشعار دعم شعب تعب من حكم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبعد ذلك سيفتحان طهران بسهولة وسط استقبالهما من الإيرانيين. ففي نظرهما، كان المعارضون والمحتجون في المجتمع الإيراني سينضمون تلقائيًا إليهما، وستلحق بهما بسرعة الفئة الرمادية (المترددة)، وأما الفئة الموالية والمخلصة للنظام الإيراني ففي مثل هذه الظروف، وأمام هذا الحجم الكثيف والمعبأ من المعارضين والمحتجين والفئة الرمادية، إما ستنضم إلى صفوف المعارضة للنظام أو على الأقل لن تقاومها. ورغم كل هذا، فإن المظاهرات الليلية للناس، ومشاركتهم في مراسم تشييع الشهداء وغيرها من المناسبات الوطنية والدينية، لم تُظهر العكس فحسب، بل وصل الأمر إلى حد أن ترامب لم يصدق ما حصل، ووصف حجم المعارضة الشعبية للهجمات الأميركية و"الإسرائيلية" على إيران وإعلان ولاء الشعب للنظام والقيادة الجديدة بأنه من صنع الذكاء الاصطناعي.

رابعًا: إن محاولة شق الصفوف بين الناس وتقسيمهم إلى مؤيدين لترامب ومعارضين له، وفي الوقت نفسه محاولة تضخيم حجم مؤيدي الهجوم الأميركي-"الإسرائيلي" على إيران، ورغم أنها أظهرت عدم فعاليتها في إيران تحت النار، إلا أنها لم تقلل من أمل ترامب في تأثير هذه الأداة. فتوجهت أميركا و"إسرائيل" في المرحلة الجديدة بإنتاج وتضخيم المقولة التالية: إن المسؤولين الإيرانيين ينقسمون إلى قسمين، معتدل ومتطرف، في علاقتهم بأميركا، وأن القسم الأول الذي يشكل أغلبية كبيرة ومؤثرة على اتصال دائم بالجانب الأميركي، وأما القسم المتطرف، وهو الأقلية، فليس لديه فرصة لفرض وجهات نظره فيما يتعلق بعدم الحضور إلى طاولة المفاوضات. هذا النهج، الذي لا يزال متابعًا بشكل مكثف من قبل الأميركيين حتى وقت كتابة هذا النص، اصطدم في إحدى المحطات الأخيرة، بعد الترويج لشائعة استقالة رئيس فريق المفاوضات الإيراني محمد باقر قاليباف، بالصخر الصلب لما يُسمى "رسائل التعاطف" من المسؤولين الإيرانيين. ففي هذه المحطة، نشر جميع كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الإيرانيين، باستخدام فضاءات إعلامية متنوعة، رسالة واحدة بعنوان واحد: "الإله واحد، الوطن واحد، والقائد واحد". وحقيقة هذه الأيام في إيران هي أن جميع المفاوضين الإيرانيين، عندما يحضرون إلى طاولة المفاوضات، ينقلون ويعكسون خلاصة نظرة أغلبية الشعب والقيادة الإيرانية، وبالطبع لا أحد في إيران يملك الحق أو الإذن بالتخلف عن الشعب والقيادة ولو بمقدار ذرة، أو التقدم عليهما.

وبناءً على الحقائق المذكورة، يمكن تلخيص نظرة إيران هذه الأيام إلى الأزمة الحالية على النحو التالي:

أولًا: الحرب الوجودية بين إيران وأميركا لم تنتهِ بعد.

ثانيًا: وقف إطلاق النار الحالي، في ظل الحصار البحري على إيران، هو "وقف إطلاق نار تحت النار" ولا يمكن الوثوق به.

ثالثًا: لا يوجد مخرج من الأزمة الحالية إلا بالطرق السياسية والسلمية البعيدة عن الحرب.

رابعًا: لا يزال الإيرانيون يمتلكون كل أوراقهم الرابحة وأوراق قوتهم للدفاع عن بلدهم.

وأخيرًا: لقد اعتادت آذان إيران على التهديد، وجرّبت الحياة في ظروف الحرب النفسية والحصار والحظر والضغوط الاقتصادية لمدة 47 عامًا على الأقل، وبالطبع، وللتغلب على أي ظرف مهما كان صعبًا، فإن لدى الإيرانيين الحل، أو سيجدون طريقًا للحل ويصنعونه.

الكلمات المفتاحية
مشاركة