اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي رضائي يعلن: هذا خيارنا اذا تعرّضنا لهجوم جديد

نقاط على الحروف

أبناء العملاء: صورة عن
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

أبناء العملاء: صورة عن "الأسرلة"

98

كاتبة من لبنان

منذ أيار/مايو ٢٠٠٠ وحتى الساعة، يواظب "اللّحديون" الذين اختاروا الهروب إلى الأراضي المحتلّة والالتحاق بالعدوّ حتى النَّفس الأخير، على اصطناع مظلومية "الإبعاد"، وقد أغرقوا أولادهم بهذه الكذبة حدّ تحويلهم إلى "جيل" منفصم على مستوى "الهوية"، تائه، وارث لجينات الخيانة، ووقح في التنظير بالوطنية والانتماء. بعد ٢٦ عامًا من العيش داخل كيان الاحتلال، والانتساب الكلّي والطوعيّ للعقل "الإسرائيلي"، تحضر بعض النماذج من هذا الجيل على منصّات التواصل، إذ تقوم بعض المواقع الإلكترونية المعنية بالترويج للسرديات "الإسرائيلية" باستضافة بعض من أبناء اللحديين، ومحاورتهم حول "شوقهم" إلى لبنان وإلى قراهم فيه، وبالطبع حول ما قدّمه لهم العدوّ، بحيث يجري تظهيره كحضن آمن ترعرعوا فيه وكان لهم خير ملاذ وسكن.

قبل الخوض في تفاصيل أكاذيب الجيل اللحدي "الإسرائيلي" الهوية والهوى، تجدر الإشارة إلى أنّ اللّحديين الذين فرّوا إلى فلسطين المحتلة، فعلوا ذلك بملء إرادتهم رغم الإذلال الذي تعرّضوا له عند "بوابة فاطمة" وساعات الانتظار الطويلة التي قضوها وهم يرجون من "الإسرائيلي" السماح لهم بالالتحاق به ومواصلة خدمته. مع العلم أنّ العملاء الذين سلّموا أنفسهم لرجال المقاومة، لم يتعرّضوا لأي إساءة أو فعل انتقاميّ، رغم كلّ ما كانوا قد ارتكبوه بحقّ أهالي بلداتهم وقراهم خلال سنين الخيانة والعمالة، ما يُسقط كذبة "الهروب" من المقاومة. ببساطة، ما فعلته المقاومة يومها، كان تصرّفًا أنموذجيًا في مراعاة وحفظ "سيادة" الدولة ومؤسساتها، إذ سلّمت الملف بكامله للقضاء اللبناني، وللمفارقة، كانت الأحكام التي سطّرها القضاء بحقّ العملاء بمعظمها "مهينة" لعذابات الناس طوال فترة الاحتلال. وبالتالي، حُجّة "الهروب" ساقطة بانتفاء موجباتها، فالعملاء لم يتعرّضوا لأي تهديد لحياتهم، وكان باستطاعتهم تسليم أنفسهم طوعًا للقضاء اللبناني ومواجهة ما فعلوا وارتكبوا، تحت سقف القانون، لكنّهم آثروا عدم التوبة عن الخيانة وأصرّوا على مواصلتها من داخل كيان الاحتلال، الذي حين انسحب تركهم وحدهم في مواجهة الناس والمقاومة.

 هذه الحقائق والوقائع تجعل من كذبة "الإبعاد القسري" حكاية ركيكة، وتؤكد الحقيقة التي لا لبس فيها: جميع من يسمّيهم البعض "مبعدين قسرًا إلى "إسرائيل" هم عملاء اختاروا بكامل إرادتهم العيش في كنف كيان الاحتلال ومواصلة خيانة أرضهم وأهلهم من هناك. هم عملاء يعرفون جيّدًا ما فعلوا وما ارتكبوا، وأيدي معظمهم ما زالت ملوّثة بدماء المعتقلين وبصرخات المعذّبين في زنازين معتقل الخيام ومختلف "المراكز الأمنية" التي كانوا يديرونها تحت إمرة العدوّ مباشرة.

بعد ٢٦ عامًا، بتنا نرى ونسمع أولاد هؤلاء وهم يتحدّثون بلغة عربية "مكسّرة" تغلبها "العبرية" عن مظلوميتهم، وعن حنينهم إلى "الوطن" وعن حقّهم بالعودة إليه، مشترطين طبعًا زوال المقاومة فيه! للوهلة الأولى، قد يبدو هؤلاء ضحايا أهلهم، لكنّهم في الواقع تأسرلوا حدّ التفوّق على آبائهم في "شرعنة الخيانة" وتطبيع "العمالة". فالأكاذيب التي شربوها منذ طفولتهم الأولى تحوّلت داخل أدمغتهم المقيّدة في حظيرة التصهين إلى حقيقة وحيدة، فتراهم ككائنات تحيا داخل فقاعة نسجتها رواية أهلهم الوهمية، ووهم الانتماء إلى "إسرائيل". يتحدثون عن "مظلوميتهم" التي بدأت في يوم التحرير، في أيار/مايو ٢٠٠٠. يستعيدون تلك الأيام، ولم تمحُ ذاكرتهم منها مشهد وقوفهم الطويل والذليل عند بوابة فاطمة بانتظار أن يسمح لهم مشغّل آبائهم بالعبور، ولكنّهم للمفارقة لا يلومون "إسرائيل" على ذلّهم يومها، بل يلومون المقاومة التي حرّرت الأرض ومنعت أهلهم من مواصلة التنكيل بالناس في القرى المحتلة. لم يذكر أيّ منهم كيف عاشوا في بداية الأمر هناك، كيف جُمعوا في ما يشبه "الحظائر" في شمال فلسطين، وكيف عوملوا كقطيع من الخونة الذي أصبح يشكّل عبئًا على راعيه بعد أن انتفت الحاجة إلى خدماته. يتحدّثون، بفخر، عن اندماجهم في المجتمع "الإسرائيلي"، ويسترسلون في رواية الاحتضان الذي حظوا به: تعلّموا في المدارس العبرية، وانخرطوا في كل التفاصيل "الإسرائيلية"، وتؤكد إحداهن أنّهم لم يختلطوا أبدًا بالبيئة العربية الفلسطينية التي لا تتقبّلهم، من دون أن تشير إلى حقيقة أنّ كونهم "خونة" يجعلهم غير مقبولين إلّا كعبيد عند سادتهم.

بحنين ونوستالجيا كاذبة، يتحدث هؤلاء عن قراهم: يشتاقون! يدّعون انتماءً إلى أرض حفظت وقع أقدام آبائهم وهم يمارسون عليها شتّى أنواع الأذى والعدوان وينكّلون بأهلها قتلًا وظلمًا واعتقالًا. إلى قرى في كلّ بيت منها حكاية وجع تسبّب به عميل رخيص، حكاية محفورة في قلوب العائلات التي عاشت تحت ظلم الاحتلال ورأت بالعين المجرّدة ما فعل العملاء. يحنّون إلى حياة كان آباؤهم فيها يؤدّون دور الجلّاد والقاتل والنّاهب. ولأنّهم يعرفون جيّدًا أنّ هذه الأرض لفظت آباءهم، يعبّرون عن أمانيهم بأن يزول منها شرف المقاومة، كشرط يتيح لهم العودة إليها. وفي الوقت نفسه، يتكلمون بأريحية عن "اعتزازهم" بالهوية "الإسرائيلية" وعن وجدانية انتمائهم العميق إلى كيان الاحتلال، وامتنانهم له. وهنا يصبح المشهد أشبه بالتفرّج على هلوسات انفصامية حادّة، فمحاولة الجمع بين انتماءين متعاديين، متناقضين، مهما تجمّلت بالكلمات الوجدانية وبالأوهام والأكاذيب، تظلّ تعبيرًا صادقًا عن انعدام السواء العقلي بالمفهوم المتعارف عليه. الحالة الوحيدة التي تجعل من ثنائية الانتماء هذه منطقية، هي ببساطة أن يصبح لبنان "إسرائيليًا"، وهذا ما لن يكون.

ما يجري اليوم على الساحة الإعلامية المعادية للمقاومة في إطار الحديث عن "حقّ عودة العملاء إلى لبنان" تحت مسمّى "المبعدين قسرًا" ليس منفصلًا في سياقه عن استحضار وتقديم هذه الوجوه "الإسرائيلية-اللبنانية" عبر منصات التواصل والمواقع الإلكترونية. بالدرجة الأولى، يجري استخدام هذه الوجوه "اللطيفة" بظاهرها للقول إنّ "إسرائيل" كيان "لطيف" قام برعاية "لبنانيين"، مع تغييب حقيقتين، الأولى هي أنّ هؤلاء لم يرعهم العدوّ إلّا لإعادة استخدامهم مع آبائهم في كلّ ما قد يخدم مصالحه ضدّ لبنان، والثانية أنّهم واقعًا لم يزلوا يُعاملون كقطيع من خونة، جيلًا بعد جيل، ويعانون من عنصرية "المجتمع الاستيطاني" ضدّهم. بالدرجة الثانية، يأتي التركيز على أبناء العملاء كوجوه لم ترتكب واقعًا الجريمة، وتصويرهم كأبرياء من الدم الذي سُفك طوال فترة الاحتلال، من دون أن يعبّروا عن أي تبرؤ أو ندامة على ما ارتكب آباؤهم. وبذلك يتوخّى هذا الإعلام تقديم مشهدية مجمّلة عن العملاء، باستخدام أبنائهم والبراءة المزيّفة التي يصطنعونها.

بالمختصر، العملاء الذين فرّوا إلى الأراضي المحتلّة، لم يفرّوا من المقاومة، ولم يُرغمهم على الفرار أحد. هم فقط هربوا من مواجهة نتائج ما ارتكبوه طوال سنِي الاحتلال، في القضاء، القضاء الذي تساهل مع زملائهم الذين سلّموا أنفسهم حدّ الأحكام المبكية المضحكة! وهم اليوم، مع أبنائهم، يحاولون تأدية دور في "أسرلة" لبنان، كي يستعيدوا "سلطانهم" الذي تكسّر تحت أقدام أهل الحقّ. وجميع محاولات تصويرهم كضحايا إنّما هي إغراق إعلامي في وهم يُدعى "إبعاد قسري". يرغبون بالعودة ويحسبونها حقًّا لهم؟ فليعودوا ويواجهوا ما فعلوا، وليحاسَبوا على ما ارتكبوا، وليتوبوا عن جرم العمالة والتصهين. وليعتذروا من الأرض وأهلها عمّا فعلوا. بغير ذلك، لا مكان لهم هنا، فليستفيقوا إذًا من وهم "اتفاق" ما قد يفرض عودتهم، فالحكاية لم تنتهِ بعد، ولن تنتهي إلّا كما تشاء لها المقاومة أن تفعل: الحكاية يكتبها الميدان، وكلّ حكايات الميدان خاتمتها النصر، وخيبة العملاء!

الكلمات المفتاحية
مشاركة