اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي كاريكاتور العهد

نقاط على الحروف

إيران كمرآةٍ كاشفةٍ.. لماذا يخشى العرب إيران كقوةٍ «مقاومة»؟
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

إيران كمرآةٍ كاشفةٍ.. لماذا يخشى العرب إيران كقوةٍ «مقاومة»؟

76

إعلامي يمني

يروي لنا القرآن الكريم كيف تآمر إخوة يوسف عليه السلام عليه. لم يكن يوسف عدوًا لإخوته ولم يسلبهم حقًا، بل كان شقيقهم الصغير، لكن الجريمة وقعت بدافعٍ واحدٍ هو الحسد. لقد لاحظ الإخوة في يوسف تميّزًا ورفعةً لم يتحملوا رؤيتهما، فكان القرار: اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضًا يخلُ لكم وجه أبيكم. هم لم يدركوا أن المكانة تُكتسب بالاستحقاق والتقرّب إلى أبيهم، وليس بإقصاء أخيهم، فبعد أن ألقوا يوسف في الجب، لم تزد مكانتهم عند أبيهم، بل ازداد حزن الأب وانكشف عجز الأبناء.

اليوم يتكرر المشهد ذاته لكن من زاويةٍ حادة، حيث تعاني إيران من «حسدٍ سياسيٍ» من قبل أنظمةٍ تخشى أن نجاح الطرف الآخر، المتمثل بإيران، يكشف عجزها. عندما تنجح دولةٌ ما في بناء منظومة قوةٍ ذاتيةٍ وتفرض وجودها كلاعبٍ لا يمكن تجاوزه، فإنها تضع الأنظمة الخانعة في موقفٍ حرجٍ أمام شعوبها.

عندما يرى الأخ شقيقه يبني وطنًا قويًا ومستقلًا رغم الحصار، يشعر بضآلة خياراته التبعية، ومن هنا يبدأ التآمر: «إنهم أناسٌ يتطهّرون». ليس لأن الآخر شرير، بل لأنه مرآةٌ تكشف عيوب المتقاعسين.

لقد قدمت إيران نموذجًا استثنائيًا للدولة الناجحة من خلال الاعتماد على الذات وتحويل التحدي إلى فرصة، وركّزت على بناء قاعدةٍ صناعيةٍ وتكنولوجيةٍ مستقلةٍ مكّنتها من تحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاعاتٍ استراتيجيةٍ كالدفاع، والصناعات الدوائية، وتكنولوجيا النانو، والطاقة النووية السلمية، واستطاعت أن تكسر قيود الحصار المالي والتقني، ونجحت سياسيًا في صياغة هويةٍ وطنيةٍ صلبةٍ ترفض التبعية وتتمسك بالندية في العلاقات الدولية. هذا النموذج أثبت للشعوب أن الخروج من العباءة الأميركية هو الطريق الوحيد لامتلاك سيادةٍ حقيقيةٍ ومشروعٍ وطني، وهو ما جعلها تملأ الفراغ الذي خلفته الأنظمة التي استمرأت دور التابع واكتفت باستهلاك ما ينتجه الآخرون.

من الواضح لمن يتأمل بتجرّد أن المسألة ليست خلافًا مذهبيًا أو حدوديًا، بدليل أن من يرفعون راية الخلاف مع إيران هم، في ذات الوقت، يتقاربون مع أطرافٍ هي أشد خلافًا دينيًا وثقافيًا وحضاريًا، وأبعد جغرافيًا، بل هي واضحةٌ في معاداة العروبة والإسلام، ولم تكن واضحةً كما هي عليه اليوم، وهذا يقرّب إلى الأذهان حقيقة ما يجري ويضعه في خانة صراع الهوية والإرادة ودوافع الحسد والحقد.

الشعوب العربية والإسلامية بطبعها تنحاز لمن يرفع رأسها، لمن يتحدث بلغة الكرامة والندية في وجه القوى الاستعمارية، وهذا الالتفاف الشعبي حول نموذج «المقاومة» والسيادة يمثل تهديدًا وجوديًا للأنظمة التي اختارت الانبطاح وسيلةً للبقاء.

إن الشعوب لا تحب الضعفاء، ولا تصفق للمنبطحين، فالتاريخ يكتبه من يجرؤ على قول «لا». وبينما ينشغل البعض بحياكة المؤامرات ضد شقيقهم وجارهم القوي، تظل الحقيقة الساطعة: يوسف خرج من الجب ليحكم، وبقي الحسد يأكل قلوب أصحابه، الذين وصلوا أخيرًا إلى البلاط الملكي وخرّوا سجدًا لمن أرادوا قتله وتغييبه إلى الأبد.

إن محاربة إيران في جوهرها هي محاولةٌ يائسةٌ لإزاحتها عن «عرشها» في قلوب الأمة، وشيطنة النموذج الفريد الذي أرسته الثورة الإسلامية كبديلٍ للارتهان والتبعية. هذه الحملات الممنهجة تسعى لكسر الرمزية التي تمثلها إيران كدولةٍ استطاعت المزاوجة بين العزة والاقتدار الذاتي رغم الحصار. إنهم يحاولون استبدال العدو الحقيقي بعدوٍ وهميٍ لضمان بقاء الأمة في حالة استنزافٍ داخليٍ بعيدًا عن مشروع نهضتها الحقيقي.

الهجوم المسعور ضد إيران من بعض الجهات الجارة لها، والمشتركة معها في الدين والمصير، ليس نابعًا من الخوف على الإسلام إذًا، كما يحاولون تمريره على البسطاء من أبناء الأمة، وإنما الحقيقة أنه من الخوف على الكراسي التي يهددها نموذج الدولة التي ترفض التبعية. لقد آن الأوان لتدرك تلك الأنظمة والقائمين عليها أن التآمر على القوي لا يجعلك قويًا، بل يجعلك مجرد أداةٍ في يد الأعداء الحقيقيين.

تستمد إيران قوتها من الحق الذي تمسكت به الثورة الإسلامية، وكذلك من كونها تقدم نموذجًا لنظامٍ يمتلك مشروعًا. وبغض النظر عن المتفقين أو المختلفين مع هذا المشروع، فإن وجوده في حد ذاته يملأ فراغًا تركه الآخرون الذين اكتفوا بدور المتفرج أو التابع أو الخاضع الخانع، مهما جمّلوا خنوعهم بعبارات التحالفات أو الاتفاقات أو مقتضيات السيادة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة