نقاط على الحروف
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
حبس مضيق هرمز أنفاسه في الليلة التي أعلن فيها دونالد ترامب بدء ما سمّاه «مشروع الحرية» لفتح المضيق، بتوقيت الشرق الأوسط. وظنّ كثيرون أنّ الصباح التالي سيكون إعلانًا صريحًا عن عودة العدوان على إيران، لكنّ العكس تمامًا هو ما حدث، إذ استفاق المضيق، ومعه العالم، على ثرثرات ترامبية لا تختلف كثيرًا عن بيانات القيادة المركزية المليئة بفوارغ الكلام ومكتنزات الكذب.
وفي اليوم التالي لهذه الثرثرات، أعلن ترامب تعليق «مشروع الحرية»، بزعم إفساح المجال للتوصل إلى حل تفاوضي، وذلك بناءً على رغبة باكستانية بحسب ادعاءاته. غير أنّ الحقيقة كانت أشدّ وهجًا من القدرة على تغطيتها، مهما كانت الأغطية داكنة وسميكة، إذ بدا التهيّب الأميركي من الاقتراب من المضيق أو مرافقة السفن واضحًا للعيان.
وقد أجمع الإعلام على وصف العملية بالفشل الصادم، حتى الإعلام "الإسرائيلي" أقرّ بأنّ الفشل سيّد الموقف. ولم يشذّ عن هذا الإجماع سوى ترامب وإدارته وأركان جيشه، الذين أصرّوا على تعداد الإنجازات واجترار الانتصارات كل ساعة، لكنهم وجدوا في الوساطة الباكستانية غطاءً مناسبًا للتعمية على هذا الفشل بطعم الهزيمة. ومع ذلك، بقي هذا الفشل صادمًا ومؤذيًا للهيبة الأميركية في آنٍ واحد.
لذلك، كان ترامب بحاجة إلى تصعيد يظنّه مأمون العواقب، على قاعدة الإلهاء، بحيث تتجه الأنظار بعيدًا عن مؤشرات الهزيمة في هرمز. فجاء العدوان الصهيوني على الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو ما يُعدّ خرقًا سافرًا لاتفاق وقف النار الذي فرضته إيران على الطاولة في إسلام آباد، حيث جرى حصر المعارك في جنوب لبنان.
وبالإضافة إلى سياسة الإلهاء، يُعتبر هذا العدوان بمثابة تمهيد لتجدد العدوان على إيران. كذلك، فإنّ هذا التصعيد سيُعدّ إحراجًا لإيران، من خلال وضعها بين ثلاثة خيارات: التصعيد العسكري، أو التصعيد التفاوضي، وفي كلتا الحالتين ستُتّهم بأنّها معتدية أو معرقلة، أو الصمت كخيار ثالث، وهو ما سيُعتبر ضربةً لما تكرّس في إسلام آباد من واقع «وحدة الساحات».
وفي الأصل، هي محاولة لإحراج حزب الله من جهة، والضغط عليه من جهة ثانية، إذ سيعتبر الحزب أنّ الرد على التصعيد بالتصعيد هو الخيار الوحيد. وهنا قد تتدحرج الوقائع نحو تجدد العدوان، بذريعة وقحة كعادة الكيان، وهي «تصعيد حزب الله»، حيث يعتبر الكيان أنّ ردود الحزب على اعتداءاته خرق لاتفاق وقف النار، بينما يعدّ اعتداءاته وجرائم حربه المتواصلة «حقًا مشروعًا».
ومن ناحية ثانية، يُعتبر هذا التصعيد تشجيعًا للسلطة في لبنان على المضي قدمًا في خطة لقاء البيت الأبيض بين الرئيس اللبناني وبنيامين نتنياهو، تحت عنوان تصدير صورة ضعف الحزب وعدم جدوى السلاح من جهة، ومن جهة أخرى تكريس فكرة أنّ اليد الطولى هي للكيان، وأنّ نهاية المعركة ستكون لصالحه حتمًا، وأنّه يمتلك من القوة ما يمكّنه من تحقيق أهدافه، وإن استعصى عليه تحقيقها، فهو يمتلك المزيد من القوة لفعل ذلك.
لكنّ هذا ليس سوى تكرار لسوء التقدير الذي أدّى إلى شنّ العدوان على إيران ابتداءً، إذ كانت التقديرات الأميركية و"الإسرائيلية" أنّ إسقاط إيران لن يستغرق سوى ثلاثة أو أربعة أيام، قبل أن تكتشف الولايات المتحدة أنّها فقدت أصولها الثمينة في المنطقة، وأنّها خسرت قواعدها التي استثمرت في تحصينها على مدى ثلاثة عقود. كما اكتشفت أنّ أساطيلها البحرية، التي أرعبت بها العالم ليجثو على ركبتيه، لم تكن سوى هياكل متهالكة وأهداف ضخمة أمام الإرادة الإيرانية.
أمّا حزب الله، فقد اتخذ قراره منذ إطلاق الصواريخ الستة الأولى ردًا على عدوان استمر 15 شهرًا، وهو قرار اللاعودة إلى ما قبل الثاني من آذار/مارس، حيث التصعيد بالتصعيد، والقصف بالقصف، إلى جانب قرار عدم الالتفات إلى المفاوضات المباشرة، التي أعلن الحزب أنّها لا تعنيه، فلا تفاوض مباشر مع العدو سوى بالنار وفي الميدان.
وعليه، فإنّ من أفشل أهداف العدوان في أيامه الأولى وحقق المفاجآت، في لبنان أو إيران، لن يعدم وسائل احتواء كل تداعيات ذلك العدوان، وهو قادر على إفشال كل المكائد، بعدما استعدّ لكل الاحتمالات، سيّئها وأسوئها. وفي المقابل، فإنّ من أساء التقدير ابتداءً سيظل عالقًا في سوء تقديراته، حربًا أو سلمًا، وستظل خياراته مدفوعة بعمى القوة ومكابرة العجز.