اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي لا تغيير في مقاربة "إسرائيل" حول لبنان خلال 70 عامًا!

نقاط على الحروف

🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

"السيادة اللبنانية" و"الدبلوماسية الأميركية".. وجهان لكذبة واحدة ! 

86

كاتبة من لبنان

مرّ أكثر من أربع وعشرين ساعة ولم يسجّل مقياس "السيادة" في لبنان أي علامة اهتزاز؛ على الرغم من زلزال الانتهاك الفاضح الذي أحدثه السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى.. كما يجري، في كواليس تسجيل الهزّات السياديّة، حديث عن تلاعب ما في نظام هذا المقياس؛ حيث لا يسجّل كلّ ما يصدر عن أميركا ومبعوثيها مهما بلغت قوّة تعرّضه لصفائح السيادة والكرامة والشرف الوطني، في ما رجحّت مصادر أخرى أن يكون العجز عن التسجيل ناتج عن تكرار الاهتزازات المشابهة، ففقد باتت تُعد محطة طبيعية ومعتادة يستسيغها المسار "السياديّ" في لبنان! 

واقعًا، ما تفوّه به السفير عيسى، من على منبر بكركي، لا يهين من وجّه إليهم الدعوة إلى مغادرة لبنان والبحث عن بلد آخر، بقدر ما يهين مدّعي السيادة والحرص على الكرامة الوطنية. وقوله إن نتنياهو "ليس بعبعًا" وإن كان مجرّد استخفاف باللبنانيين الذين يرون فيه عدوًّا يمارس قتلهم وتدمير قراهم، هو أيضًا استخفاف بغالبية البشر من مختلف الأعراق والأديان والقوميات والبلدان والقارات، فذلك الذي "منّو بعبع" هو ببساطة مجرم حرب تأنف دول العالم استقباله أو اللقاء به، وكثير منها تمنع مروره في أراضيها تحت طائلة الاحتجاز! 

بمقياس الأعراف والأصول الدبلوماسية، يصنّف كلام السفير عيسى انتهاكًا في قيم السيادة يستدعي المساءلة، وحتى الطرد، باستدعائه إلى وزارة الخارجية ومنعه من تكرار كلام مماثل، أو توجيه كتاب تنبيه له على الأقل، وإبلاغه بأنه "شخص غير مرغوب به في لبنان"، لولا أنّ شاءت الظروف أن يكون على رأس هذه الوزارة شخصية "قواتية" اختلط في ذهنها العمل الوزاري والدبلوماسي مع العمل ناشطًا في حزب القوات اللبنانية. 

في المحصّلة، ابتلعت وزارة الخارجية، كما سائر حاملي شعار "السيادة"، الإهانة التي وجّهها عيسى للبلد، وتحاشوا الحديث عنها أو حتى تسويغها، بعد أن تعلّموا من سابقة توم بارّاك المبعوث الأميركي حين خاطب اللبنانيين بـــــ"animalistic" وهبّوا لمحاولة تغيير سياقها أو تمويه معناها بشكل يجعلها أقل حدّة على السمع السيادي.. وقد بلغ أحدهم حدّ تكذيب آذان من سمع، فما كان من برّاك إلا أن كرّرها وشرح قصده منها! 

قبل عيسى وبرّاك، صمت السياديون أنفسهم حين قامت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، ومن على منبر قصر بعبدا، بشكر "إسرائيل" على قيامها بالاعتداء على فئة من اللبنانيين.. ولو فتحنا باب سرد الانتهاكات التي ارتكبتها "الدبلوماسية" الأميركية بحقّ السيادة اللبنانية بالتسلسل الزمني، سنحتاج إلى صفحات وصفحات.. فالانتهاك عادة "دبلوماسية" أميركية، لا سيّما في الدّول التي يحترف المتأمركون المحليّون فيها صناعة الشعارات السيادية الخاوية! 

إذًا، ما ارتكبه ميشال عيسى لا ينفصل عن سياق العمل الدبلوماسي على الطريقة الأميركية، مع أنّ الرجل ليس متمرّسًا في هذا السلك، ولا يملك أيّ مؤهل علميّ أو مهنيّ حتى لمنصب سكرتير في سفارة أو في أي مؤسسة ذات طابع دبلوماسي..! المؤهّل الوحيد الذي منحه مركز "سفير الولايات المتحدة في لبنان" هو ببساطة رغبة "أحمق البيت الأبيض" بذلك.. ومن عادة الحمقى أن يختاروا من يشبههم في السلوكيات للمناصب والمراكز جميعها. في هذا الإطار؛ يمكن التأكيد أن فريق عمل ترامب في العالم هو عبارة عن نسخ مختلفة من "الحماقة" نفسها، وعيسى إحدى هذه النسخ المتكررة والمتنافسة في ما بينها على إرضاء ترامب والامتثال الكلّي لحماقاته... 

نستنج من هذا كله، أنّ الدبلوماسية على الطريقة الأميركية لا تحتاج إلى علم ولا فهم للبروتوكولات والأصول، فهي مجرّد إطار ذي عنوان برّاق، تمارس فيه ومن خلاله الولايات المتحدة الأميركية استكبارها وعنجهيتها كلها، وحماقة ساكن بيتها الأبيض.. 

كما أن الدبلوماسية الأميركية هي مجرّد عنوان مزيّف لحقيقة تتناقض ووجوه العمل الدبلوماسي كلها. كذلك السيادة في لبنان: عنوان شعاراتي مزيّف يحوي مختلف أنواع الأدواتية والارتهان والخنوع والخضوع والانبطاح للأميركي وكلّ أداة له.. فالسياديون، والذين لم يخدش حياء "سياداتهم" احتلال العدو لأراضٍ لبنانية وقتله اللبنانيين وتهجيرهم، هم في الواقع عبيد مقنّعون بقناع "السيادة".. هؤلاء الذين ما اكتفوا بالصمت حيال المجازر المتواصلة منذ سنين ضدّ هذا البلد وأهله، وبلغوا حدّ التصفيق للقاتل وإعطائه حق مواصلة القتل حتى آخر نفس مقاوم، بل وعتابه إن ظهرت مؤشرات على عجزه، هم على شاشات التلفزة ومنصات التواصل أفصح المحاضرين بالسيادة.. 

تلقى اللبنانيون كلمات ميشال عيسى، وهو ممثّل الغطرسة الترامبية في بيروت، بذهول سرعان ما تحوّل إلى سيل من السخرية السوداء.. بعضهم، تناول المشهد بنفس كوميدي، وهزأ من وقاحة "ضيف" يطرد أهل الدار من دارهم.. والبعض الآخر محّص في شخصية عيسى ودقّق في سماته بصفته مهاجرًا توقّف لديه الزمن يوم مغادرته، وعاد ينضح بما اكتسب من عنجهية وتسلّط، وبما راكمه من انعدام المقدرة على فهم طبيعة البلد وتوازناته.. 

في السياق نفسه، طرح العديد من الناشطين سؤالًا افتراضيًا: ماذا لو طلب السفير الإيرانيّ، من على منبر لبنانيّ أو حتى في منصة الكترونية، من فئة لبنانية أن تغادر لبنان وتبحث لنفسها عن بلد آخر! كيف كان سيسجل ريختر الخارجية اللبنانية هذه "الهزّة السيادية"؟ أيّ نوبات هلع وغضب كانت ستغزو الشوارع ومنصات التواصل تنديدًا بهذا الانتهاك لللسيادة، وأيّ كلمات كانت ستكفي الناطقين من عبيد "الأمريكان" للتعبير عن حنقهم ورفضهم لهذا التدخّل السّافر في شأن لبناني داخليّ!؟ 

في المختصر، لا صدمة من كلام عيسى سفير واشنطن في بيروت وممثل الحماقة الترامبية في لبنان، ولا من صمت الفريق الذي من شدّة ما تشدّق بالشعارات السيادية، كذبًا وزورًا، شوّه دلالات السيادة كلها في معجم الوطنية.. لكنّ للتاريخ وللذاكرة، كان لا بدّ من الوقوف أمام مشهدية الخضوع هذه، والتي مهما تكرّرت، تظلّ إدانة ووصمة عار على جبين الشركاء فيها.
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة