اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي ابن فرحان يوفد نواب جعجع لدعم رئيس الجمهورية!

مقالات مختارة

لا تغيير في مقاربة
🎧 إستمع للمقال
مقالات مختارة

لا تغيير في مقاربة "إسرائيل" حول لبنان خلال 70 عامًا!

49

إبراهيم الأمين - صحيفة الأخبار
يوسي بن آري أحد المحلّلين الذين تنشر لهم صحيفة «هآرتس» مقالات ذات طابع بحثي أو تقديري. ويستند في كتاباته إلى خلفيته العسكرية وعمله في مجال الاستخبارات، إذ يحمل رتبة عميد احتياط في جيش العدو، بعد عقود من الخدمة في أجهزة مثل «أمان» و«الموساد».

وقد عُرف خلال السنوات الأخيرة بمقاربات نقدية لاستراتيجية قيادة العدو في إدارة المواجهات. وفي بعض الحالات، لم يتردّد بن آري في توجيه انتقادات حادّة للخطط العسكرية والسياسية لحكومة العدو في مواجهة قوى المقاومة، واستخدم استعارات لافتة، مثل فكرة «الوهم» و«صناعة العجّة»، للسخرية من السياسات التي تضحّي بالجنود والموارد (كسر البيض)، من دون امتلاك رؤية سياسية واضحة تحقّق النتائج المرجوّة (العجّة). واعتبر أن الاستمرار في الحرب من دون أفق سياسي لا يعدو كونه «مطاردة للوهم».
بن آري لجأ إلى استعارة من التراث الشعبي، تقوم على قصة رجل ادّعى أمام أهل قريته أنه اكتشف طريقة صنع «عجّة الملوك»، وهي وصفة لا تحتاج إلى بيض، بل تُحضَّر من «الهواء والبهارات والنوايا الحسنة فقط». وراح يصف لهم مذاقها الذي لا يُقاوَم ورائحتها الشهية التي تملأ الأرجاء، حتى صدّقه كثيرون وجمعوا له الأموال لشراء البهارات النادرة والزيت الفاخر. وعند لحظة الاختبار، وضع المقلاة على النار وبدأ بتحريك «العدم» وسط ذهول الحاضرين الذين سيطر عليهم الإيحاء والوهم إلى حدّ أنهم صاروا يتخيّلون رائحة الطعام. وحين سأله أحدهم ساخراً: «أين البيض؟»، أجاب المحتال: «أصحاب الرؤية النافذة يأكلون العجّة بقلوبهم!».
لكن بن آري نفسه يقدّم الآن نصاً حول تصوّره للحل في لبنان، يُظهِره غارقاً في الوهم أيضاً. ومناقشته ليست من باب السجال العابر، بل لأن ما كتبه سبق أن ورد في أوراق بحثية وعسكرية عُرضت على حكومة العدو، وتداولها موفدون غربيون وعرب في إطار البحث عن تسويات للصراع مع "إسرائيل".

في مقالة نشرتها صحيفة «هآرتس»، يقدّم بن آري قراءة للوضع في لبنان، معتبراً أنه «رغم وقف إطلاق النار، الذي لا يشبه في الواقع وقف إطلاق النار، فإن لبنان لا يزال يدفع أثماناً باهظة، ويُقتل المزيد من الجنود "الإسرائيليين" ويصاب آخرون، ما يوجب التذكير بأن القتال في لبنان، بصيغته المتكررة منذ عام 1978، لم يؤدِّ إلى تحقيق تسوية وهدوء دائمَيْن، على غرار ما حدث مع مصر والأردن؛ وكل العمليات العسكرية، منذ سبعينيات القرن الماضي، مروراً بحرب لبنان الأولى، وعمليتي تصفية الحساب وعناقيد الغضب، وحرب لبنان الثانية، وصولاً إلى عملية سهام الشمال عام 2024، كانت كلها تكراراً للنمط نفسه من دون حلّ حقيقي، وكما واجهت "إسرائيل" فشلاً كبيراً من خلال دعم سعد حداد، وخليفته أنطوان لحد، في إدارة الحزام الأمني، وكانت النتائج محدودة، فإن محاولة نقل نموذج المنطقة العازلة من غزة إلى الجنوب اللبناني اليوم ليست سوى وهمٍ جديد يُسوَّق للجمهور».

عند هذا الحدّ، يبدو الرجل واقعياً في قياسه للوقائع. لكنه يبدأ بتحليل الوضع في لبنان، منطلقاً من آلات قياس أظهرت تطورات العقود الخمسة الماضية أنها غير علمية ولا صلة لها بالواقع، إذ يقول إن «لبنان دولة كانت جوهرة الشرق الأوسط، لكنها تفكّكت منذ الحرب الأهلية، وأصبحت ساحة لتدخلات خارجية من دولٍ مثل سوريا وإيران و"إسرائيل"، فضلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية وحزب الله، ولا تملك القدرة على النهوض بنفسها»، وهو «يحتاج إلى خطة مارشال دولية شاملة، بقيادة الولايات المتحدة، وإطلاق برنامج يمتد ما بين خمسة وعشرة أعوام لمعالجة جميع أزماته».

أكاديميون وعسكريون وخبراء لا يرون علاجاً لـ«المرض اللبناني» سوى بإبعاد السكان إن رفضوا الاستسلام


عند هذه النقطة، يعود بن آري إلى أدوات التحليل والتقدير التي خبرها طوال عقود عمله في الاستخبارات. وهو، في هذه الحالة، لا يعكس فشلاً في التعلّم، بل ثبات الخلل في منهجية التفكير، الأمر الذي تتّسم به عقول كل أصحاب القرار في إسرائيل. وهذا خلل نابع من «قناعة» تكوّنت لديهم، بأن الخرائط يجب أن تُرسم وفق ما يرونه مناسباً لهم. ولذلك يورد بن آري مقترحاته للحل وفق الآتي:

«أولاً، يجب معالجة التحدّيات الأمنية، وعلى رأسها نزع سلاح حزب الله بالتدريج، وبالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، فضلاً عن اعتقال العناصر المسلّحين، أو ترحيلهم، وتعزيز قوات الأمن اللبنانية لتتمكّن من فرض الاستقرار الداخلي وحماية الحدود.

ثانياً، ينبغي معالجة الجوانب الاقتصادية والمدنية بعمق، لخلق الاستقرار وفرص العمل، ومن المتوقّع أن يحتاج لبنان إلى مبالغ مالية ضرورية، لأن نجاح الخطة سيشجّع الشباب على اختيار العمل والبناء بدلاً من الانخراط في العنف.

ثالثاً، رغم التجارب السابقة المؤلمة، مثل تفجيرات سنة 1983 في بيروت، ربما تكون هناك حاجة إلى نشر قوة عسكرية أميركية كبيرة، بالتعاون مع قوات فرنسية، وأُخرى من حلف الناتو، لحماية جهود إعادة الإعمار.

رابعاً، يُقترح وجود محدود لقوات "إسرائيلية" في الجنوب (من دون تجاوز نهر الليطاني)، وقوات سورية في الشرق، لمنع تسلّل الجماعات المسلّحة، وذلك ضمن تنسيق دولي شامل، وتحت قيادة أميركية. ولضمان نجاح الخطة، يجب إشراك دول إقليمية، مثل مصر وتركيا، والحصول على دعم رسمي من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة».

هذا هو نص بن آري. وللتذكير، فإن غالبية الافكار التي وردت فيه، سبق أن أوردها باحثون كبار في معهد الأمن القومي للعدو، وكرّرها إعلاميون في مقالات نُشرت في الإعلام "الإسرائيلي". والمثير في الأمر أن النقاط نفسها أُثيرت في المناقشات الجانبية، وغير الرسمية، التي جرت بين موفدين دوليين وعرب وبين مسؤولين وقوى سياسية في لبنان، وصولاً إلى المقترح الذي قدّمه الموفد الأميركي توم برّاك، والقائم على ضرورة خلق واقع اقتصادي - اجتماعي جديد في جنوب لبنان للوصول إلى ما أسماه «عدم حاجة السكان إلى وجود حزب الله».

المشكلة في كل ما يُعرض ليست في أنه مجرّد تمرين نظري، وأن كل حروب "إسرائيل" لم تنجح في تحقيق أيّ من هذه الشروط، بل في كون معدّيه يتعاملون مع أهل بلادنا كمجموعات يمكن التحكّم ليس بحاضرها ومستقبلها فحسب، بل يمكن إعادة كتابة تاريخ مختلف لها. كما يبدو أن العدو الذي اعتمد سردية «الوكلاء» في مواجهة قوى المقاومة صدّق كذبته، خصوصاً عندما يدعو إلى طرد المقاومين أو ترحيلهم، كما يفعل في قسم من فلسطين وكما يريد أن يفعل الآن في غزة ولبنان. والمشكلة الأكبر، تكمن في وجود لبنانيين وفلسطينيين باتوا يصدّقون هذه السردية، وصاروا هم أيضاً يتحدّثون، ليس عن التقسيم والفدرالية، بل عن أن من يقاتل "إسرائيل" وأميركا لا يمكن أن يكون من أهل هذه الأرض، وبالتالي يجب تحييده بالإبعاد إن لم ينفع القتل!
 

الكلمات المفتاحية
مشاركة