اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الصين تؤكد عدم امتثالها للعقوبات الأميركية على مصافٍ تتعامل مع النفط الإيراني

نقاط على الحروف

عقولٌ فوق السحاب: إرث
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

عقولٌ فوق السحاب: إرث "أيوب" و"حسّان"

86

محمد دعيبس

لم يعد الخطر يأتي من خلف الحدود فقط، أيضًا من فوقها. في مشهدٍ يتبدّل بهدوءٍ عميق، انتقلت المواجهة جنوب لبنان من جغرافيا الأرض إلى فضاء السماء، حيث تُرسم معادلات جديدة بأدواتٍ أخفّ وزنًا وأكثر فتكًا في أثرها. هنا، لا يعود حجم السلاح هو العامل الحاسم، إنما قدرته على الوصول والمفاجأة، وعلى تحويل كل نقطةٍ في الميدان إلى هدفٍ محتمل.

هذا التحوّل لم يكن طارئًا، هو حصيلة مسارٍ تراكمي بدأ منذ سنوات طويلة. في زمن الكاتيوشا، كانت المعركة تُدار بمنطق تثبيت الردع بالكثافة النارية، حيث يُراد للضربات أن تقول للعدو إن كل اعتداء سيُقابَل بنارٍ مقابلة. كانت تلك المرحلة ضرورية لتكريس معادلةٍ أولى، عنوانها كسر احتكار القوة.

لكن مع تطوّر أدوات الرصد والاستهداف، تغيّر جوهر السؤال: لم يعد كافيًا أن تُصيب، بل أن تُصيب بدقّة؛ ولم يعد الهدف مجرد الردّ، بل التحكم بإيقاع الاشتباك. من هنا، جاءت المسيّرات الانقضاضيّة ترجمةً عملية لهذا التحوّل، حيث تلتقي التكنولوجيا بالإرادة، ويتحوّل الفضاء الجوي إلى ميدانٍ مفتوح لعملياتٍ دقيقة ومباغتة.

هذا المسار لا يمكن فصله عن دماءٍ وعقولٍ أسهمت في رسم ملامحه الجوية؛ فقد بدأت أولى البوادر تلوح في الأفق مع إطلاق طائرة "مرصاد"، في العام 2004، ليتعزز هذا الحضور لاحقًا مع طائرة "أيوب"، في العام 2012، والتي حملت اسم الاستشهادي حسين أنيس أيوب (ارتقى شهيدًا في العام 1996)؛ في دلالةٍ واضحة على استمرارية النهج وتطوره. 

يُقرأ هذا المسار بصفته جزءًا من البدايات التي فتحت باب الاشتباك نحو البعد الجوي، حيث لم تعد المواجهة محصورة بالأرض، أيضًا بدأت تلامس فكرة اختراق السماء نفسها كونه مساحة عملٍ مقاوم. في امتداد هذا الخط، يبرز الشهيد الحاج حسّان اللقيس (استشهد في العام 2013)، والذي حملت طائرة "حسّان" اسمه تخليدًا لدوره المحوري؛ بوصفه من الذين دفعوا بهذا المسار الجوي نحو مستوى أكثر تنظيمًا وفاعلية، بتثبيت حضور التكنولوجيا الجوية عنصرًا أساسيًا في معادلة القوة.

اليوم، في الوقائع الميدانية، تظهر المسيّرات أحد أبرز أدوات فرض المعادلة. العدو، على الرغم مما يمتلكه من منظومات متقدّمة، يجد نفسه أمام تحدٍّ معقّد: كيف يُواجه تهديدًا صغير الحجم منخفض الكلفة ومتعدد الاتجاهات وقادرًا على التكيّف بسرعة؟ معظم أنظمته الدفاعية صُمّمت لاعتراض صواريخ أو طائرات تقليدية، لا أسرابًا من الأهداف الصغيرة التي تُناور وتُباغت وتختار توقيت ضربتها بدقّة.

في هذا السياق، يتجاوز تأثير المسيّرات بعدها العسكري المباشر، ليصل إلى البعد النفسي. هي لا تستهدف الآليات والمواقع فقط، أيضًا تُربك الجندي نفسه، تُفقده شعور الأمان، وتجعله تحت تهديدٍ دائم لا يمكن التنبؤ به.. هكذا، تتحوّل إلى أداة استنزاف مركّبة، تضغط على العدو في ميدانه وعقله في آنٍ.

إذا كان العالم قد شاهد في الحرب، بين روسيا وأوكرانيا، كيف غيّرت المسيّرات شكل المعارك، فإن إسقاط هذا النموذج على جنوب لبنان يبدو واقعيًا إلى حدٍّ بعيد. هناك، كما هنا، أثبتت هذه الوسيلة أن الكلفة لم تعد معيارًا وحيدًا للقوة، بل القدرة على تحقيق أثرٍ نوعي بأدواتٍ بسيطة نسبيًا. إنها معادلة "الذكاء مقابل التفوّق"، حيث يمكن للطرف الذي يملك أقل الإمكانات فرض قواعد جديدة إذا أحسن استخدام ما لديه.

بهذا المعنى، لا تبدو المسيّرات الانقضاضيّة مجرّد تطوّرٍ تقني، هي مرحلة جديدة في فلسفة القتال. مرحلة تُعيد تعريف السيطرة، وتمنح المبادرة لمن يملك الجرأة على الابتكار. بين الكاتيوشا التي أرست أولى معادلات الردع، وهذه المسيّرات التي تعمّقها اليوم، يمتدّ خطٌّ من التضحيات والعقول التي صنعت هذا التحوّل، ليبقى الجنوب مساحةً حيّة لتجربة شكلٍ جديد من الحروب، حيث السماء لم تعد حدودًا، بل بداية الاشتباك.

الكلمات المفتاحية
مشاركة