اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حزب الله وجمهور المقاومة يشيّعون الشهيد المجاهد علي محمد عواضة في جبشيت

نقاط على الحروف

تدنيس الصليب: لماذا يتجذر العنف الرمزي في العقيدة المتطرفة؟
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

تدنيس الصليب: لماذا يتجذر العنف الرمزي في العقيدة المتطرفة؟

فعل في جنوب لبنان يكشف عداءً لاهوتيًا أعمق
104

محمد حمود

إن الصورة الأخيرة لجندي "إسرائيلي" وهو يحطم عمدًا صليبًا مسيحيًا في جنوب لبنان قد ترددت أصداؤها في وسائل الإعلام الدولية، وأثارت موجة من الغضب والنقاش. وبعيدًا عن كونها حادثة معزولة من التخريب في زمن الحرب، فإن هذا الحادث يشير إلى تيار أعمق من العداء اللاهوتي. وبينما يتمسك كثيرون في العالم الغربي، وخاصة في أوساط الإنجيليين الأميركيين، بفكرة "المرآة الروحية"، حيث تعكس التقاليد اليهودية والمسيحية احترامًا متبادلًا، فإن الواقع على الأرض غالبًا ما يكون أكثر تعقيدًا. ووفقًا لوكالة أسوشييتد برس، فإن الفصائل المتطرفة داخل الجماعات القومية المتشددة في "إسرائيل" لا تنظر إلى الرموز المسيحية بوصفها مجرد قطع دينية، بل كتهديد لما تعتبره نقاءً روحيًا للأرض. وتعتمد هذه الجماعات على التلمود لتبرير أفعالها، حيث تصوّر المسيحية كقوة معادية بدلًا من كونها إيمانًا شبيهًا.

التأطير التلمودي ليسوع كساحر

غالبًا ما تركز التأويلات المتطرفة للتلمود على شخصية يسوع بهدف تعزيز ثقافة من الاستياء المعاصر والإقصاء الديني. وتشير بعض الجماعات إلى مقاطع محددة، مثل تلك الواردة في "سانهدرين 43أ"، والتي تفسرها على أنها تصوّر يسوع كساحر قاد شعب "إسرائيل" إلى الضلال. ووفقًا لأبحاث نُشرت في الجامعة العبرية في القدس، فإن مثل هذا الخطاب يُعزز غالبًا بنصوص تشهيرية من العصور الوسطى مثل "توليدوت يشو"، والتي تُستخدم لتأكيد التفوق اللاهوتي. وغالبًا ما تتضمن هذه السرديات ادعاءات مهينة ضد السيدة العذراء مريم، وتُصوَّر بطرق تهدف إلى تقويض قدسية المسيحية المتصوَّرة. ومن خلال تصوير الشخصيات المركزية في الإيمان المسيحي كأعداء حاولوا "تدمير اليهودية" من أجل المجد الشخصي، تخلق هذه الجماعات بنية تبريرية لاهوتية للمضايقات الحديثة. هذا التأطير يحوّل الجدالات القديمة إلى دليل عملي للصراع الديني المعاصر.

تجليات مادية للاحتقار النصي في القدس

شهدت حوادث التعصب المادي ارتفاعًا في الأشهر الأخيرة، خاصة في المناطق التي تشهد احتكاكًا دينيًا مرتفعًا، حيث يكون تطبيق القانون متساهلًا بشكل ملحوظ تجاه الشباب المتطرفين. وفي نيسان/ أبريل 2026، أفادت وكالة "يني شفق" الإخبارية بأن جرائم الكراهية ضد المسيحيين ارتفعت بنسبة 63% في عام 2025، مع كون البصق الشكل الأكثر شيوعًا من المضايقات في البلدة القديمة بالقدس. وغالبًا ما يدّعي هؤلاء الأفراد أنهم يؤدون واجبًا دينيًا استنادًا إلى تصنيف العبادة المسيحية كـ"عبادة أوثان" (أفوداه زراه). وقد أعرب قادة الكنائس في المنطقة عن قلق متزايد من أن هذا السلوك بات يُطبَّع بين الشباب المتطرفين الذين يشعرون بالحماية في ظل مناخ من الإفلات من العقاب. هذه الثقافة القائمة على البصق ليست مجرد إساءة اجتماعية، بل رفض لاهوتي محسوب للوجود المسيحي، وتعكس رؤية صفرية تعتبر وجود دين آخر تهديدًا لقداسة الأرض.

تاريخ من التدنيس والإفلات السياسي من العقاب

لا يزال تدنيس الرموز المسيحية أداة قوية يستخدمها المتطرفون اليهود لإظهار هيمنتهم على الأماكن المقدسة في الأراضي المحتلة. ويعكس تدمير الصليب في لبنان حوادث تاريخية من العنف الرمزي، مثلما حدث في تموز/ يوليو 2012 عندما قام عضو الكنيست ميخائيل بن آري بتمزيق نسخة من العهد الجديد علنًا. ووفقًا لصحيفة "ذا فوروارد"، فقد برر بن آري هذا الفعل بوصف الكتاب بأنه "مُشين" وأن مكانه "سلة مهملات التاريخ". وتُعد مثل هذه الأفعال بيانًا بصريًا يرسل إشارة إلى الأتباع بأن الرموز المقدسة للأديان الأخرى لا تستحق الحماية. وتشير هذه الأفعال البارزة إلى أن مشاعر الديانات الأخرى تُعتبر غير ذات أهمية ضمن هذا التصور المتطرف. كما أن فشل السلطات المحلية في ملاحقة هذه الحوادث بشكل متسق يخلق شعورًا خطيرًا بالإفلات من العقاب، غالبًا ما تحميه علاقات استخباراتية وصمت حكومي.

الصراع المتجذر خلف الواجهة السياسية

في نهاية المطاف، إن تحطيم صليب في لبنان، والبصق على الحجاج في القدس، وتمزيق نسخ من الكتاب المقدس في الكنيست، ليست مجرد انفجارات هامشية، بل أفعال متجذرة في تعاليم دينية محددة. قد يحاول سياسيون من الجانبين إضفاء طابع دبلوماسي على هذه الأحداث، لكن مثل هذه الجهود لا يمكنها حل عداء متجذر أساسًا في تفسير النصوص المقدسة. وحتى تعالج السلطات الدينية هذه الأسس التعليمية بشكل مباشر وتقوم بإصلاحها، سيظل التدخل السياسي غير فعال إلى حد كبير في تغيير الواقع على الأرض. بالنسبة لكثير من المسيحيين، يتزايد الشعور بأن العلاقة غير متكافئة بعمق؛ فبينما يفسرون الكتاب المقدس على أن الله يبارك من يبارك "إسرائيل"، يجدون أن هذا الاحترام لا يُقابل بالمثل من قبل من يعتبرون إيمانهم دينًا "وثنيًا" غير شرعي. ومع اتساع هذه الفجوة اللاهوتية، تتحطم "المرآة الروحية"، كاشفةً مستقبلًا قد يدرك فيه العالم المسيحي أخيرًا عمق العداء المدوّن ضده.

الكلمات المفتاحية
مشاركة