اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي مشروع "إسرائيل الكبرى" قيد التنفيذ ولا يوقفه إلا المقاومة

نقاط على الحروف

تركيا في مرحلة ما بعد الحرب: فرص الصعود وحدود الاشتباك مع
نقاط على الحروف

تركيا في مرحلة ما بعد الحرب: فرص الصعود وحدود الاشتباك مع "إسرائيل"

245

كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق

ليست الحروب الكبرى مجرد صدامات عسكرية تُختزل بنتائج المعارك المباشرة، بل هي لحظات لإعادة توزيع النفوذ داخل النظام الإقليمي والدولي. والحرب الأميركية-الصهيونية على إيران، سواء انتهت بتسوية مؤقتة أو باستنزاف مفتوح، تبدو أقرب إلى لحظة إعادة تشكيل لموازين القوى في “الشرق الأوسط”، حيث تتحرك تركيا لاقتناص الفراغات التي تخلّفها التحولات الجيوسياسية، بينما يحاول الكيان الصهيوني منع ولادة أي قوة إقليمية قادرة على منافسته على الوظيفة الاستراتيجية التي منحته إياها الولايات المتحدة منذ عقود.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة التوتر المتصاعد بين أنقرة و"إسرائيل" بوصفه مجرد خلاف سياسي هامشي، أو نتيجة مباشرة لتداعيات حرب غزة، بل باعتباره تعبيرًا عن تناقض بنيوي بين مشروعين يتصارعان على الجغرافيا ذاتها، والممرات ذاتها، والأسواق ذاتها، وحتى على الدور الوظيفي نفسه داخل الاستراتيجية الأميركية.

لقد اعتادت "إسرائيل" طوال العقود الماضية أن تكون القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على الجمع بين التفوق العسكري والدور اللوجستي والاحتكار التكنولوجي، لكن التحولات الأخيرة، وخاصة بعد الحرب على إيران، دفعت تركيا إلى التقدم بوصفها مرشحًا بديلًا أو شريكًا منافسًا في “إدارة الشرق الأوسط الجديد”. وهنا تحديدًا يكمن جوهر الصدام.

من حليف استراتيجي إلى خصم محتمل

لسنوات طويلة، حافظت تركيا و"إسرائيل" على علاقات عسكرية واستخباراتية وثيقة، رغم الخطاب الشعبوي الذي استخدمه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في الداخل الإسلامي. لم يكن ذلك تناقضًا أخلاقيًا بقدر ما كان جزءًا من طبيعة النظام الإقليمي الذي صممته واشنطن، حيث جرى توزيع الأدوار بين قوى وظيفية مرتبطة بالمصالح الأميركية الكبرى.

لكن ما تغيّر بعد "طوفان الأقصى" لم يكن فقط ارتفاع حدة الخطاب التركي تجاه "إسرائيل"، بل إدراك المؤسسة الصهيونية أن تركيا لم تعد تكتفي بلعب دور الوسيط أو الشريك الاقتصادي، وإنما بدأت تتحرك باعتبارها مركز ثقل إقليمي يسعى إلى وراثة أجزاء من النفوذ الأميركي المتراجع.

لقد قرأت "إسرائيل" سقوط النظام السوري السابق، وصعود النفوذ التركي في شمال سورية، وتنامي الحضور التركي في ليبيا والقرن الأفريقي، بوصفها مؤشرات على مشروع جيوسياسي واسع يهدف إلى إعادة إنتاج نفوذ "عثماني" بصيغة حديثة. هذا المشروع لا يعتمد على الاحتلال المباشر، بل على أدوات أكثر تعقيدًا: الممرات التجارية، شبكات الطاقة، القواعد العسكرية، القوة الناعمة، والاستثمار في الجماعات المحلية الحليفة.

ومن هنا بدأت "إسرائيل" تنظر إلى تركيا باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا طويل المدى، لا مجرد خصم سياسي مؤقت.

الصراع الحقيقي: من يسيطر على الممرات؟

الخطأ الشائع في قراءة الصراع التركي-الصهيوني هو اختزاله في البعد الأيديولوجي أو الديني. في الحقيقة، يدور الصراع حول سؤال أكثر أهمية: من يسيطر على حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا؟

إن القرن الحادي والعشرين يشهد انتقالًا من الحروب التقليدية إلى حروب الممرات. ومن يسيطر على خطوط النقل والطاقة والمعادن، يملك القدرة على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. ولهذا السبب تحولت مشاريع مثل "الحزام والطريق" الصيني، وممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا، ومشروعات الطاقة في شرق المتوسط، إلى ساحات صراع جيوسياسي حاد.

تركيا تدرك أنها تمتلك ميزة جغرافية نادرة، فهي تتحكم بمضيقي البوسفور والدردنيل، وتشكل نقطة العبور الطبيعية بين آسيا وأوروبا، كما تمر عبر أراضيها خطوط غاز ونفط حيوية تربط روسيا والقوقاز وآسيا الوسطى بأوروبا. ولذلك فإن المشروع التركي يقوم على تحويل البلاد إلى عقدة لوجستية عالمية، تجعل أوروبا معتمدة عليها في الطاقة والتجارة والأمن.

في المقابل، يسعى الكيان الصهيوني إلى لعب الدور نفسه عبر مشاريع بديلة، مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا، ومشروعات الربط السككي مع الخليج، ومحاولة السيطرة على باب المندب، والتوسع في شرق المتوسط. وبذلك يصبح الصدام بين المشروعين حتميًا، لأن كلًا منهما يريد احتكار الوظيفة ذاتها.

لماذا تخشى "إسرائيل" صعود تركيا؟

المشكلة الأساسية بالنسبة إلى "إسرائيل" لا تكمن فقط في القوة العسكرية التركية، بل في قدرة أنقرة على بناء شبكة نفوذ متعددة المستويات تمتد من البلقان إلى القرن الأفريقي.

في سورية، تعمل تركيا على ترسيخ منطقة نفوذ دائمة في الشمال، مع طموح واضح للتأثير في مستقبل دمشق السياسي والأمني. وفي العراق، تحاول تثبيت حضورها عبر ملفي الأمن والطاقة. أما في لبنان، فثمة تحركات تركية متزايدة في الشمال، خصوصًا في طرابلس وعكار، تقوم على الاستثمار الاقتصادي والعمل الإنساني والتأثير الثقافي.

وفي القرن الأفريقي، بنت تركيا خلال السنوات الأخيرة واحدًا من أكبر مشاريع النفوذ الخارجي في تاريخها الحديث، خاصة في الصومال، حيث تمتلك قواعد عسكرية ومشاريع اقتصادية واتفاقيات بحرية طويلة الأمد. وهذا الحضور لا يهدد فقط النفوذ الإماراتي والإثيوبي، بل يضع أنقرة مباشرة في مواجهة الطموحات الصهيونية المرتبطة بباب المندب والبحر الأحمر.

الأخطر بالنسبة إلى "إسرائيل" أن تركيا لا تتحرك وحدها، بل تحاول بناء محور إقليمي مرن يضم دولًا مثل السعودية وقطر وباكستان، وربما لاحقًا مصر، في حال تزايد الفراغ الأمني الناتج عن الانسحاب الأميركي التدريجي من المنطقة.

هنا يصبح الصراع أكثر تعقيدًا: "إسرائيل" لا تواجه دولة منفردة، بل احتمال تشكل كتلة "إقليمية سنية" كبيرة قادرة على تقليص هامش التفوق الصهيوني.

واشنطن بين حليفين متنافسين

المفارقة أن الولايات المتحدة تبدو أقل حماسة من "إسرائيل" لمواجهة تركيا. فواشنطن، وخاصة في عهد دونالد ترامب، تنظر إلى أنقرة باعتبارها أداة مفيدة لاحتواء روسيا والصين وإيران في آن واحد.

لقد أصبح واضحًا أن جزءًا من التفكير الأميركي الجديد يقوم على تقليل الكلفة المباشرة للوجود العسكري الأميركي في “الشرق الأوسط”، مقابل الاعتماد على قوى إقليمية تتولى إدارة التوازنات المحلية. وفي هذا السياق تبدو تركيا مرشحًا مثاليًا: دولة عضو في حلف شمال الأطلسي، تمتلك جيشًا كبيرًا، وقاعدة صناعية متطورة، وطموحًا جيوسياسيًا يسمح لها بلعب أدوار هجومية.

لكن هذه المقاربة الأميركية تخلق معضلة لـ"إسرائيل". فكلما توسع الدور التركي، تراجعت مركزية الكيان الصهيوني داخل الاستراتيجية الأميركية. وهذا ما يفسر الحساسية الصهيونية المفرطة تجاه أي تقارب أميركي-تركي، سواء في سوريا أو شرق المتوسط أو ملفات الطاقة.

بمعنى آخر، تخشى "إسرائيل" أن تتحول من "الشريك الذي لا غنى عنه" إلى مجرد رأس حربة عسكرية ضمن تحالف أوسع تقوده واشنطن بطريقة مختلفة.

إيران وتركيا: تنافس الضرورة

ورغم التنافس التاريخي بين إيران وتركيا، فإن الحرب الأخيرة كشفت حدود الصدام بينهما. فأنقرة تدرك أن تفكيك إيران أو انهيارها الكامل سيطلق فوضى جيوسياسية هائلة تمتد آثارها إلى الداخل التركي نفسه، خاصة في الملف الكردي.

لهذا السبب بدا الموقف التركي معارضًا للهجمات الأميركية-الصهيونية على إيران، ليس حبًا بطهران، بل خوفًا من النتائج الاستراتيجية لانهيارها. فالدول الكبرى لا تتحرك وفق العواطف، وإنما وفق حسابات البقاء.

في الوقت ذاته، استفادت تركيا اقتصاديًا وجيوسياسيًا من الحرب. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وارتفاع المخاطر في البحر الأحمر، عززا أهمية الممرات البرية وخطوط الطاقة التي تمر عبر الأراضي التركية. وهكذا تحولت الأزمة إلى فرصة لرفع قيمة تركيا داخل أوروبا وداخل "الناتو".

ولذلك يمكن فهم الموقف التركي الحالي باعتباره محاولة لتحقيق توازن دقيق: منع سقوط إيران، ومنع انتصارها الكامل في الوقت نفسه، مع استثمار الاستنزاف المتبادل لتعزيز الموقع التركي.

سيناريوهات ما بعد الحرب

إذا انتهت الحرب من دون حسم واضح، فإن المنطقة ستدخل مرحلة صراع مفتوح بين المشروعين التركي والصهيوني، خاصة في سورية ولبنان والقرن الأفريقي وشرق المتوسط.

في سورية، ستسعى "إسرائيل" إلى تثبيت نفوذها في الجنوب وربط مناطق نفوذها بالمجموعات الكردية شرقًا، بينما ستعمل تركيا على منع أي كيان كردي مستقل وتعزيز سيطرتها على الشمال والعمق السوري.

وفي لبنان، سيظهر التنافس بصورة أكثر هدوءًا ولكن أكثر خطورة. فبينما يعتمد الكيان الصهيوني على القوة العسكرية المباشرة ومحاولة "إعادة تشكيل" الجنوب اللبناني أمنيًا وديموغرافيًا، تعتمد تركيا على أدوات النفوذ الاقتصادي والثقافي والتجاري، خصوصًا في الشمال اللبناني.

أما في القرن الأفريقي، فإن الصدام يبدو شبه حتمي. فمحاولة "إسرائيل" بناء نفوذ في "أرض الصومال" والتقارب مع إثيوبيا والإمارات، تصطدم مباشرة بالمصالح التركية والمصرية وحتى الصينية في البحر الأحمر وباب المندب.

وفي شرق المتوسط، سيبقى التنافس على الغاز وخطوط النقل والتحالفات البحرية أحد أكثر الملفات قابلية للانفجار.

أما إذا خرجت إيران من الحرب أقوى وأكثر قدرة على فرض شروطها، فإن المشهد سيتغير بصورة مختلفة. وهذا السيناريو الأقوى؛ فعندها قد تضطر الولايات المتحدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، عبر الاعتماد على محور إقليمي تقوده تركيا والسعودية وباكستان لاحتواء النفوذ الإيراني من دون التورط الأميركي المباشر.

في هذه الحالة، ستكون "إسرائيل" مضطرة إلى تقليص سقف طموحاتها التوسعية، والتركيز على حماية أمنها المباشر بدلًا من السعي إلى الهيمنة الكاملة على الإقليم.

حدود القوة التركية

لكن صعود تركيا لا يعني أنها قادرة على التحول بسهولة إلى قوة مهيمنة. فأنقرة تواجه بدورها مجموعة من القيود البنيوية. أول هذه القيود هو الاقتصاد التركي الذي يعاني من أزمات تضخم وديون وتراجع في قيمة العملة، ما يحد من قدرة الدولة على تمويل مشاريع توسعية طويلة الأمد.

أما القيد الثاني فهو التناقضات الداخلية، خاصة في الملف الكردي، حيث تخشى أنقرة من أي تحولات إقليمية قد تعيد إحياء النزعات الانفصالية.

والقيد الثالث يتمثل في أن تركيا، رغم طموحاتها، لا تزال مرتبطة بالنظام الغربي اقتصاديًا وعسكريًا. فهي ليست قوة مستقلة بالكامل مثل الصين أو روسيا أو إيران، بل دولة تحاول المناورة داخل النظام الدولي لا خارجه.

ثم هناك معضلة العلاقة مع العالم العربي. فالكثير من الدول العربية تنظر بقلق إلى الطموحات التركية، حتى عندما تتقاطع معها تكتيكيًا. ولذلك فإن قدرة أنقرة على بناء محور دائم ومستقر ستظل محدودة بالتناقضات العربية نفسها.

الشرق الأوسط الجديد: صراع على الوكالة الأميركية

في النهاية، تكشف الحرب على إيران أن “الشرق الأوسط” يدخل مرحلة جديدة، لا تقوم على إنهاء الصراعات بل على إعادة توزيعها. فواشنطن لم تعد قادرة أو راغبة في إدارة المنطقة بالطريقة القديمة، ولذلك تحاول نقل أعباء السيطرة إلى قوى إقليمية متنافسة.

ضمن هذا السياق، تتحول تركيا و"إسرائيل" إلى مشروعين متصارعين على الوكالة الاستراتيجية الأميركية: كلاهما يريد أن يكون الحارس الإقليمي للمصالح الغربية، وكلاهما يسعى للسيطرة على الممرات والطاقة والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية.

لكن المفارقة الكبرى أن هذا الصراع يجري داخل بنية إقليمية منهكة، حيث تغيب أي استراتيجية عربية مستقلة قادرة على فرض توازن مختلف. ولذلك تبدو المنطقة وكأنها تنتقل من مرحلة الهيمنة الأميركية المباشرة إلى مرحلة إدارة الصراعات عبر قوى وسيطة تتنافس على النفوذ تحت السقف الأميركي ذاته.

في هذا المشهد، قد يبدو انتصار إيران الجزئي هزيمة للمشروع الصهيوني، لكنه في الوقت نفسه يمنح تركيا فرصة تاريخية للصعود. غير أن هذا الصعود سيظل محكومًا بحدود دقيقة، لأن أنقرة، مهما توسعت، ستبقى مطالبة بالتعايش مع حقيقة أساسية: أن الولايات المتحدة لا تسمح عادة بظهور قوة إقليمية مهيمنة بصورة كاملة، بل تفضّل دائمًا إبقاء التوازنات في حالة توتر دائم يضمن استمرار الحاجة إلى الحماية الأميركية.

وهكذا، فإن تركيا ما بعد الحرب لن تكون "إمبراطورية" جديدة، كما يتخيل بعض أنصارها، لكنها أيضًا لن تبقى مجرد دولة هامشية داخل النظام الإقليمي. إنها تتحرك في المنطقة الرمادية بين الصعود والاحتواء، بين الطموح "الإمبراطوري" وحدود النظام الدولي، وبين فرصة التحول إلى مركز إقليمي كبير، واحتمال الانزلاق إلى استنزاف طويل في ساحات الاشتباك المفتوحة مع "إسرائيل" ومنافسيها الآخرين.

الكلمات المفتاحية
مشاركة