خاص العهد
عزل كريم خان.. العدالة الدولية تحت مِقصلة ترامب ونتنياهو
عزل كريم خان لا يُسقط مذكرات توقيف نتنياهو.. وشكوى لبنانية مرتقبة ضدّ ترامب ونتنياهو
تُسخّر الولايات المتحدة الأميركية كامل جهودها وضغوطاتها بدعم من اللوبي الصهيوني لحماية رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو من العدالة الدولية، رغم جرائم الحرب المروعة التي ارتكبها ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، ومجازر العدوان التي ارتكبها أمام أنظار العالم. وفي السياق، يأتي قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان في (24 تموز/ يوليو 2026)، على خلفية اتهامات غير أخلاقية، ليثير شكوك وانتقادات بأن تلك الاتهامات لُفقت خدمةً لنتنياهو، بعد تصويت 82 دولة من أصل 125 دولة عضوًا في المحكمة خلال "اقتراع سري" جرى في اجتماع جمعية الدول الأطراف بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، ما يكشف مدى تأثير اللوبي الصهيوني بالقرارت الدولية ومنها قرارات المحكمة الجنائية.
ومن هذا المنطلق، يكتسب عزل كريم خان دلالات تتجاوز البعد الإجرائي، إذ يعكس كيف يمكن أن تصبح العدالة الدولية انتقائية، ويثير تساؤلات عميقة حول مدى قدرة نتنياهو على الانتقام من المحكمة الجنائية الدولية التي فقدت كما يبدو قدرتها على أداء رسالتها وأضحت أسيرة الضغوط السياسة الأميركية - "الإسرائيلية".
ولفهم أبعاد هذا القرار ومدى تأثيره على مذكرتيْ التوقيف الصادرتين بحق نتنياهو ووزير الحرب "الإسرائيلي" السابق يوآف غالانت، يوضح الباحث والأكاديمي المتخصص في العدالة الجنائية وحقوق الإنسان الدكتور عمر نشابة في حديث لموقع "العهد" الإخباري، أن قرار المحكمة الجنائية الدولية بحق المدعي العام كريم خان، حوّل الأنظار من مذكرات التوقيف بحق نتنياهو إلى المحكمة ذاتها، ومن ملاحقة نتنياهو إلى الجدل حول مصير خان في ظلّ الضغوط الأميركية، المدعومة من اللوبي الصهيوني.
وذكّر نشابة بالضغوط والتهديدات التي تعرضت لها المدعية العامة السابقة للمحكمة؛ فاتو بنسودا، من جانب مسؤولين "إسرائيليين" خلال فترة عملها، في محاولة لثنيها عن المضي في التحقيقات المتعلقة بفلسطين، خدمةً لنتنياهو، إلا أنها لم تتقدم بشكوى.
وأكد نشابة أن تنحي المدعي العام لا يؤدي قانونيًا إلى سقوط أوامر التوقيف الصادرة بحق نتنياهو وغالانت، لأن هذه الأوامر صدرت عن هيئة قضائية مستقلة داخل المحكمة، وليست قرارات شخصية للمدعي العام.
وأضاف أن الضغوط الأميركية و"الإسرائيلية" على المحكمة ليست جديدة، مشيرًا إلى فرض عقوبات أميركية على عدد من مسؤولي المحكمة وقضاتها، في إطار محاولة التأثير في عملها، إلا أن هذه الضغوط، لا تلغي القرارات القضائية الصادرة عنها.
وفي ختام حديثه لـ"العهد"، رأى نشابة أن إعلان رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو تنحي كريم خان على أنه انتصار سياسي يدخل في إطار المعركة الانتخابية والإعلامية، لكنه لا يغيّر من الواقع القانوني؛ إذ إن أوامر التوقيف الصادرة بحقه ما تزال قائمة ونافذة من الناحية القانونية، إلى أن تقرر المحكمة خلاف ذلك وفق الإجراءات القضائية المعتمدة.
الخنسا: نحن بصدد تقديم شكوى بحق ترامب ونتنياهو
من جهتها، قالت رئيسة منظّمة التحالف الدولي لمكافحة الإفلات من العقاب المحامية مي الخنسا: "إن وجود مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك يجعل المنظمة، من الناحية العملية، أسيرة واقعة تحت تأثير وسلطة الولايات المتحدة الأميركية"، مبيّنةً أن ذلك ينعكس على العديد من القرارات الدولية.
في حديثها لـموقع "العهد" تعليقًا على إقالة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، أوضحت الخنسا أن هناك جدلًا قانونيًا وتناقضًا بشأن مدى مشروعية القرار، مشيرة إلى أن نظام روما الأساسي يجيز إقالة المدعي العام إذا ثبت ارتكابه مخالفة أو إخلالًا بواجباته، لكنه في المقابل يمنحه ضمانات قانونية تكفل استقلاليته وتحميه من أي ضغوط أو تدخلات، وهو ما يفتح الباب أمام الطعن في قرار الإقالة، وهو ما يعتزم فريق الدفاع عن خان القيام به.
وأضافت أن ما يجري اليوم يؤكد، أن السياسة تتحكم في القانون، وقالت إن التجربة اللبنانية خير دليل على أن التدخل السياسي في القضاء يؤدي إلى صدور قرارات ذات طابع سياسي بدلًا من أن تستند إلى أسس قانونية بحتة، موضحةً أن هذا الواقع بات حاضرًا أيضًا داخل المحكمة الجنائية الدولية.
وأكدت الخنسا، كما نشابة، أن إقالة كريم خان لا تؤثر قانونيًا في مذكرتيْ التوقيف الصادرتين بحق رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، مؤكدةً أن هاتين المذكرتين لا تزالان نافذتين، رغم ما قد تتعرض له المحكمة من ضغوط سياسية خلال المرحلة المقبلة.
وأشارت إلى أن القضية ستبقى محل نقاش وسجال بين الدول، إلا أن قرار الإقالة صدر بأغلبية الدول الأعضاء، الأمر الذي يجعله مستوفيًا للإجراءات من الناحية الشكلية.
وفي ما يتعلق بالطعن في مذكرتي التوقيف بحق نتنياهو وغالانت، أوضحت الخنسا أن محامين "إسرائيليين" سبق أن تقدموا بطعون منذ العام الماضي لوقف تنفيذ المذكرتين، إلا أنها لا تعتقد أن إقالة كريم خان ستكون سببًا لإلغائهما، بل ترى أن القضاة والمحققين في المحكمة يدركون طبيعة الجرائم التي يجري التحقيق فيها، سواء في قطاع غزّة أو في لبنان، وأن هذه الملفات ستستمر في مسارها القضائي.
وحول احتمال إقالة قضاة آخرين في الجنائية الدولية، لفتت الى أن الولايات المتحدة تمارس ضغوطًا كبيرة لمنع أي إجراءات قد تؤثر في ملاحقة المسؤولين "الإسرائيليين".
وكشفت الخنسا أنها تعمل حاليًا على إعداد شكوى جديدة لتقديمها أمام المحكمة الجنائية الدولية بشأن الجرائم المرتكبة في لبنان وإيران، بعد الجهود القانونية التي بُذلت سابقًا في ملفات غزّة وفلسطين.
وأضافت أن الشكوى تستند إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم عدوان وغيرها من الجرائم المنصوص عليها في نظام روما الأساسي، مؤكدة أنها تعتزم تقديمها خلال منتصف شهر آب المقبل.
وأشارت إلى أنها تعمل، بالتعاون مع عدد من المحامين، على إعداد ملف قانوني يتناول أيضًا مسؤولية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، استنادًا إلى تصريحاته ومواقفه، مؤكدة أنها تستوجب الدراسة من منظور القانون الدولي، وأن المحكمة هي الجهة المختصة بالنظر في مثل هذه الادعاءات وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.