خاص العهد
لم تكن السنوات الإحدى عشرة الماضية من العدوان على اليمن كافية لدفع السعودية إلى مراجعة حساباتها واستخلاص نتائج حرب طويلة استنزفت المنطقة وأغرقت اليمن في واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية بسبب الحصار السعودي الظالم، إلا أن الشعب اليمني صمد وبرهن أنه قادر على مواجهة التحديات، وهذا ما تأكد من خلال قدرة القوات المسلحة اليمنية على إنجاز مهامها بعد استكمال ضرب تحشيدات العدو السعودي في مديريات الساحل الغربي.
مع ذلك، فإن هذه العمليات الجارية حاليًا هي "محددة الأهداف وفق ما تم الإعلان عنه سابقًا وتأتي في الإطار الدفاعي، وتعاملت مع التحديات والأطماع التي تهدد السلم الأهلي"، وفق ما أكده الناطق الرسمي لحركة أنصار الله اليمنية محمد عبد السلام.
وسط هذه التطورات يؤكد الوزير اليمني السابق وعضو المجلس السياسي الأعلى علي الديلمي أن اليمن لم يعد البلد الذي بدأت عليه الحرب قبل 11 عامًا، وأن معادلة المواجهة تغيّرت بصورة جوهرية.
يرى الديلمي أن استمرار الحرب كل هذه السنوات كان يفترض أن يدفع السعودية إلى إعادة النظر في خياراتها، بعدما عجزت عن تحقيق الأهداف التي دخلت الحرب من أجلها. ويؤكد أن جوهر المطالب اليمنية لم يكن معقدًا، بل تمثل في وقف العدوان ورفع الحصار واحترام سيادة اليمن واستقلال قراره الوطني.
ويشير إلى أن الشعب اليمني، رغم ما تعرّض له من قصف وحصار وضغوط عسكرية وسياسية، لم يتخلَّ عن هذه المطالب، بل تحولت مع مرور الوقت إلى قضية وطنية راسخة لدى شريحة واسعة من اليمنيين، بعدما باتت الحرب بالنسبة إليهم مرتبطة مباشرة بحق البلاد في السيادة والاستقلال ورفض الوصاية الخارجية.
ويضع الديلمي التصعيد الحالي في سياق محاولة لإعادة فتح الجبهات الداخلية وتوظيف قوى محددة في معارك تخدم أهدافًا خارجية. ويشير إلى اعتماد السعودية على قوى "العفافيش" والتنظيمات المتطرفة وغيرها من التشكيلات لإشعال جبهات متعددة وتشتيت الجهد اليمني، مؤكدًا أن هذه الأدوات لم تتمكن طوال السنوات الماضية من تغيير جوهر المعادلة.
ميدانيًا، يرى الديلمي أن التصعيد الأخير، بما رافقه من غارات على مأرب والجوف وتعز والحديدة وصعدة والبيضاء وتحركات على عدد من الجبهات، يمثل استمرارًا لنهج العدوان السابق، لكنه لا يعني أن النتائج ستكون شبيهة بما كان متوقعًا في بداية الحرب.
ويؤكد أن الاعتماد على القوة الجوية لم يعد كافيًا لتغيير مسار المواجهة، بعدما اكتسب اليمن خلال سنوات الحرب خبرة عسكرية واسعة وطوّر قدراته الدفاعية والهجومية. ولذلك، فإن الحديث عن حسم سريع أو إخضاع اليمن من خلال الضربات الجوية، بحسب الديلمي، لا يستند إلى واقع المعادلة التي تشكلت خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، يشير إلى أن اليمن بات يمتلك القدرة على الرد على مصادر الهجوم، موضحًا أن العمليات الصاروخية وعمليات الطيران المسيّر التي طالت خميس مشيط وجيزان ونجران ومواقع مرتبطة بـ"أرامكو" تأتي، وفق رؤيته، في إطار الرد على البنية العسكرية والاقتصادية المرتبطة بالحرب.
ويضع الديلمي منشآت "أرامكو" ضمن البنية الاقتصادية التي تموّل الحرب، مؤكدًا أن استهدافها يدخل في سياق الرد على العمليات العسكرية، وليس في إطار استهداف المدنيين.
ومن هنا، يخلص إلى أن معادلة المواجهة تغيّرت، فلم تعد السعودية قادرة على شن الحرب من موقع الطرف الذي يوجه الضربات من دون أن يتحمل تداعياتها. وكلما اتسع نطاق التصعيد، وفق الديلمي، أصبح الرد اليمني قادرًا على الوصول إلى أهداف أكثر أهمية وحيوية، بما يرفع كلفة استمرار الحرب.
المشاهد القادمة من الداخل السعودي
ويتوقف الديلمي عند "مشاهد وثقها مواطنون سعوديون، وأظهرت ألسنة اللهب وسحب الدخان وآثار الضربات في مناطق مرتبطة بـ"أرامكو" في "أبها" ونجران وجيزان، إضافة إلى قاعدة "خميس مشيط" الجوية والمنطقة الاقتصادية".
ولفت إلى أن "هذه المشاهد تتعارض مع الرواية الرسمية السعودية التي تحاول تقديم الاستهدافات على أنّها موجهة ضد مواقع مدنية"، مؤكدًا أن طبيعة الأهداف التي جرى الحديث عنها ترتبط بالبنية العسكرية والاقتصادية للحرب.
ويشير الديلمي كذلك إلى القيود التي تفرضها السلطات السعودية على تصوير نتائج الضربات ونشرها، وما يرافق ذلك من تهديدات وعقوبات بحق من يوثق المشاهد، معتبرًا أن الهدف من هذه الإجراءات هو الحد من وصول المعلومات والصور المتعلقة بالأضرار إلى الرأي العام.
ويرى أن محاولة ضبط الصورة الإعلامية لا تلغي واقع الضربات ولا تمنع تشكل معادلة جديدة، بل تكشف، في تقديره، حجم الحساسية التي باتت تحيط بأي استهداف يطال مواقع حيوية داخل السعودية.
اليمنيون ليسوا وقودًا لحرب الآخرين
ويرفض الديلمي تحويل اليمنيين إلى أدوات في الصراع، معتبرًا أن استمرار تجنيد أبناء البلاد في تشكيلات مرتبطة بمشاريع خارجية لا يؤدي سوى إلى إطالة أمد النزيف الداخلي.
ومن هذا المنطلق، يدعو المجندين ضمن التحشيدات المدعومة سعوديًا إلى العودة عن المشاركة في هذه المعارك، مؤكدًا أن الدم اليمني الذي يسيل في المواجهات الداخلية هو خسارة وطنية لا يمكن تعويضها.
ويشدد على أن اليمن لن يتمكن من النهوض وبناء دولته ما دام أبناؤه يُستخدمون لخدمة مشاريع خارجية، معتبرًا أن الأولوية يجب أن تكون لحماية البلاد ووحدتها وسيادتها، لا الدخول في صراعات تستنزف المجتمع وتعمق الانقسام.
معركة السيادة والاستقلال
وفي قراءة أوسع لمسار الحرب، يرى الديلمي أن الصراع تجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، وأصبح في جوهره صراعًا بين مشروع يقوم على التبعية والوصاية الخارجية، ومشروع يتمسك بالسيادة والاستقلال وحق اليمنيين في امتلاك قرارهم الوطني.
ويؤكد أن الحرب الطويلة لم تكسر إرادة اليمنيين، بل عززت لديهم الشعور بأن الدفاع عن السيادة أصبح جزءًا أساسيًا من المعركة الوطنية. ولذلك، فإن محاولات الضغط العسكري أو استخدام القوى المحلية لإضعاف الداخل لم تعد قادرة على تحقيق النتائج التي كانت متوقعة في بداية العدوان.
السعودية أمام خيارين
ويضع الديلمي السعودية أمام خيارين؛ الأول "الاستمرار في الحرب والرهان على الأدوات العسكرية التي لم تحقق أهدافها طوال 11 عامًا"، أو "الانتقال إلى مسار حقيقي ينهي العدوان ويرفع الحصار ويحترم سيادة اليمن واستقلال قراره".
ويؤكد أن استمرار التصعيد لن يؤدي إلى إخضاع اليمن، بل سيزيد من كلفة الحرب على جميع الأطراف، بعدما أصبحت لدى اليمن القدرة على الرد وفرض أثمان مباشرة على الطرف الذي يختار مواصلة المواجهة.
وفي المحصلة، يرى الديلمي أن السنوات الإحدى عشرة غيّرت طبيعة المعادلة، وأن اليمن الذي واجه الحرب والحصار طوال هذه المدة لم يعد اليمن الذي يمكن إخضاعه بالقصف وحده. فالمواجهة، بحسب رؤيته، "أنتجت واقعًا جديدًا يقوم على امتلاك القدرة على الرد، وعلى تمسك متزايد بالسيادة والاستقلال، بما يجعل الطريق الأقصر إلى الاستقرار هو وقف العدوان ورفع الحصار واحترام حق اليمنيين في تقرير مستقبل بلادهم بعيدًا عن الوصاية والتدخل الخارجي".