خاص العهد
على وقع الجدل المتصاعد حول ملف بطاقات التشريج وخدمة "Credit Transfer"، وما أثير بشأن إمكان إجراء تعديلات على الآلية المتاحة لتشريج الأيام وتحويل الدولارات، بدأت السوق اللبنانية تشهد حالة من الارتباك انعكست سريعًا على المواطن الذي فوجئ بارتفاع أسعار بعض بطاقات وخدمات التشريج لدى عدد من نقاط البيع.
ففي بلد يعيش مواطنوه أصلًا تحت وطأة أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة، تحوّل الحديث عن أي تعديل محتمل في طريقة تشريج الخطوط المسبقة الدفع إلى عامل قلق إضافي، خصوصًا بعدما سجلت بعض نقاط البيع ارتفاعات ملحوظة في أسعار تشريج الأيام والدولارات، قبل صدور أي آلية واضحة ونهائية تشرح للمواطنين حقيقة ما سيجري في هذا الملف.
وبحسب المعطيات المتداولة، ارتفعت كلفة تشريج بعض الخطوط لمدة شهر بنحو 100 ألف ليرة لدى عدد من نقاط البيع. فبعدما كان تشريج الأيام لخط "ألفا" لمدة شهر يُباع في بعض الأماكن بنحو 250 ألف ليرة، وصل السعر لدى نقاط أخرى إلى نحو 350 ألف ليرة، فيما سجلت خدمات التشريج لمدة سنة ارتفاعات أكبر، وصلت في بعض الحالات إلى مستويات تقارب الضعف.
المشكلة، بالنسبة إلى المواطن، لا تكمن فقط في قيمة الزيادة، بل في توقيتها أيضًا. فالسوق تحركت على أساس تصريحات وتوقعات، فيما بقي المستهلك أمام واقع جديد: أسعار ترتفع، ومعلومات متضاربة، ولا جواب واضح حول ما إذا كانت هذه الزيادات مرتبطة فعلًا بكلفة جديدة، أم أنها جاءت نتيجة حالة من الاستباق والارتباك في السوق.
وفي جولة على عدد من العاملين في قطاع الهواتف الخلوية والتشريج، برزت حالة ترقب واضحة بانتظار ما ستؤول إليه قرارات وزارة الاتصالات. فصاحب محل Zone Cell يرى أن المشكلة الأساسية التي تواجه السوق هي غياب الوضوح الكامل بشأن الآلية التي ستعتمد، معتبرًا أن أي تغيير في نظام التشريج ينعكس مباشرة على حركة البيع وعلى الزبائن.
ويشير إلى أن المواطن يدخل إلى المحل اليوم وهو يحمل أسئلة مختلفة: هل ستبقى الأيام مرتبطة بالرصيد؟ وهل ستتغير قيمة التشريج؟ وكيف ستُحتسب الصلاحية؟ وهي أسئلة يقول أصحاب المحلات إنها تحتاج إلى إجابات رسمية واضحة؛ لأن استمرار الضبابية يفتح المجال أمام اختلاف الأسعار والتفسيرات بين نقطة بيع وأخرى.
أما العاملون في قطاع الهواتف، ومن بينهم أصحاب محلات مثل Merhi Mobile، فيلفتون إلى أن السوق شهدت في الأيام الأخيرة حركة استباقية نتيجة المخاوف من أي تعديل محتمل في آلية التشريج. لكن من الضروري التمييز بين أي زيادة رسمية قد تنتج عن تعديل فعلي في الأسعار أو الخدمات، وبين الزيادات التي قد تفرضها بعض نقاط البيع بصورة منفردة.
وهنا تكمن إحدى العقد الأساسية في هذا الملف. فالمواطن لا يملك دائمًا القدرة على معرفة السعر الحقيقي للخدمة أو الكلفة التي يفترض أن يدفعها، خصوصًا مع انتشار آلاف نقاط البيع وتفاوت الأسعار والخدمات. وبالتالي، فإن أي غموض رسمي سرعان ما يتحول إلى مساحة مفتوحة للمضاربة، ويجد المواطن نفسه في النهاية الحلقة الأضعف بين القرارات الرسمية والسوق.
واللافت أن ارتفاع أسعار التشريج جاء في وقت يعاني فيه اللبنانيون أساسًا من ارتفاع كلفة خدمات الاتصالات التي باتت تشكل بندًا ثابتًا وثقيلًا في ميزانية كثير من الأسر. فالهاتف لم يعد مجرد وسيلة للاتصال، بل أصبح أداة للعمل والتعليم والتواصل وإجراء المعاملات، ما يجعل أي زيادة في كلفة التشريج ذات انعكاس مباشر على الحياة اليومية.
ومن هنا، يرى متابعون أن معالجة ملف التشريج لا يجب أن تقتصر على الجانب التقني أو المالي، بل ينبغي أن تراعي أيضًا واقع المواطنين. فإصلاح أي خلل في الإيرادات أو مكافحة التلاعب أمر مطلوب، لكن السؤال يبقى حول كيفية تنفيذ ذلك دون أن يتحول المواطن إلى من يدفع الفاتورة في نهاية المطاف.
ويزداد هذا السؤال إلحاحًا مع الحديث عن وجود تسرب في الإيرادات المرتبطة بعمليات التشريج والتحويل، بحسب ما أكد وزير الاتصالات شارل الحاج، فإذا كانت المشكلة تتعلق بآليات الرقابة أو بوجود ثغرات في السوق، فإن المسؤولية تقتضي معالجة هذه الثغرات من مصدرها، بدل ترك المواطن يواجه ارتفاعًا جديدًا في الأسعار.
كما أن الرقابة على نقاط البيع تبدو ضرورة أساسية في هذه المرحلة. فالتفاوت الكبير بين محل وآخر في أسعار الخدمة نفسها يطرح علامات استفهام حول الجهة التي تراقب السوق، وحول ما إذا كانت هناك تسعيرة واضحة ومعلنة يستطيع المواطن الاحتكام إليها.
إن ما يحتاج إليه اللبنانيون اليوم ليس مزيدًا من الغموض في ملف حيوي كالاتصالات، بل قرارًا واضحًا يشرح بالتفصيل ما الذي سيتغير، ومتى سيتغير، وكيف سينعكس ذلك على قيمة الرصيد وفترة صلاحية الخطوط. فالوضوح وحده يمكن أن يوقف حالة البلبلة، ويمنع استغلال المواطنين تحت عنوان توقعات السوق.
يُشار إلى أن وزير الاتصالات أوضح في منشور له على إكس أن المواطن يدفع كلفة تشريج هاتفه، لكن جزءًا من هذه الإيرادات "لا عم يوصل لا للشركات ولا للخزينة"، كاشفًا عن "فروقات في الإيرادات دفعته إلى طلب التدقيق فيها، ليتبيّن وجود شبكة تستخدم خدمة وُضعت أساسًا لتسهيل حياة المواطنين بطريقة غير مخصّصة لها، ما أدى إلى تسرّب في الإيرادات".
وأكد الحاج أنه "لم يصدر أي قرار حتى الساعة من وزارة الاتصالات ولم يحدد أي تاريخ لأي إجراء"، مشددًا على "أن أي خطوة مستقبلية لن تطاول خدمة المشترك قبل تأمين بديل رسمي يحافظ على إمكانية الحصول على الخدمة بسعر مناسب، ولا سيما لأصحاب الدخل المحدود".