مقالات
في نظريّة العلاقات الدوليّة، "الهيمنة" هي حالة يقوم فيها قطب بإدارة النظام العالمي بالقوّة أو بالنفوذ. وقد اضطلعت أميركا بهذا الدور بعد الحرب العالمية الثانية، وخصوصًا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، إذ راحت تعتبر نفسها شرطي العالم.
لكن تصريحات وزير الحرب الإرهابي الأميركي الأخيرة، وتغريدة الإرهابي ترامب لوقف العمليات في مضيق هرمز، إنّما تشير إلى نهاية هذا النظام الأحادي الجانب.
فبالأمس قال وزير الحرب الأميركي للحلفاء الأوروبيين: "لعلّ من الأفضل لكم أن تتوقفوا عن الكلام وتركبوا القوارب"، مؤكّدًا أنّ "كونكم حلفاء هو طريق ذو اتجاهين".
هذه العبارات الصادرة عن مسؤول عسكري أميركي، تمثّل ترجمة عمليّة لمفهوم نظري مهم: الانتقال من "الهيمنة" إلى "توازن التهديد".
إنّ نهج ترامب في هذه المرحلة متجذّر في نظريّة شهيرة أخرى هي "الواقعية الهجومية"، فوفقًا لهذا المنظور، لا تشبع القوى الكبرى من قوّتها أبدًا، وهي تسعى دائمًا لتعظيم مصالحها، ومن هذا المنظور، فإنّ الحفاظ على التحالفات القديمة ليس أولوية لأميركا.
ترامب يقول عمليًا لأوروبا: إنّ النظام الذي تتصدّر فيه دولة واحدة دور الشرطي ويجني فيه الباقون الفوائد فقط، لم يعد صالحًا، إذا كنتم تريدون أن تكون الملاحة في مضيق هرمز آمنة، حسب زعمه، فعليكم أن تدفعوا ثمن ذلك، إمّا أن تحضروا بقوّة عسكرية، أو تقدّموا تنازلات سياسية وتجارية لواشنطن، وببساطة: ادفعوا الجزية.
كلّ هذه التحليلات أدّت إلى نتيجة ملموسة في ميدان المعركة: انسحاب أميركي آخر. ترامب، بينما كان يزعم وفق أكاذيبه وسرديته أنّه "دمّر البحرية الإيرانية تمامًا"، دخل المرحلة العسكرية في مضيق هرمز وواجه قوّة ومواجهة كبيرة من القوات البحرية الإيرانية.
وعلى أرض الواقع، لم يقف الأوروبيون إلى جانب الأميركي، ولا حلفاؤه الآخرون.
هذا هو ما يُسمّى في نظريّة الألعاب "فشل الإشارة" (Signaling Failure)، أي عدم قدرة فاعل دولي على جعل تهديداته ذات مصداقية. إنّ وقف العمليات بحجة المفاوضات الدبلوماسية هو في الواقع اعتراف بـ"العزلة الاستراتيجية" الأميركية.
ينبغي الانتباه إلى أنّ عصر النظام الذي كانت فيه أميركا وحدها شرطي العالم قد انتهى عمليًا. لقد أظهرت أوروبا أنّها تعتبر حرب غرب آسيا خطًا أحمر، ولم تستجب لابتزاز واشنطن، وكانت النتيجة أنّ أميركا تكبّدت، في صراع محوري، خسائر فادحة وأُجبرت على التراجع دون أي مكسب استراتيجي.
العبرة من هذه القضيّة لكل الدول هي: في النظام الدولي اليوم، ينبغي لكل دولة أن تدفع بنفسها ثمن النظام الذي تريده، ولم يعد النظام القديم هو السائد. في هذا الوضع الراهن، ما يهم هو قوّة الدول؛ يجب أن تكون الدول قوية لتتمكن من كسب حصتها في الفضاء خارج حدود أراضيها.
في عالم ما بعد عدوان الأربعين يومًا لأميركا والكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يبدو بلوغ عناصر القوّة أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ هذا هو ما قاله القائد العظيم للأمة وللثورة الإسلامية الشهيد آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي مرارًا، والأهم من ذلك، أنّه طبّقه عمليًا.
اليوم، الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقائدها الحكيم ومسؤوليها الدؤوبين وشعبها البصير الحاضر في الساحات وقواتها المسلحة الباسلة، غيّرت موازين القوى في العالم، وأصبحت اليوم إيران قوّة عالمية تقف بقوّة بوجه القوى التي كانت تظن يومًا أنّها تهيمن على العالم، ولكن إيران أفشلت هذا المشروع الأميركي ووكيله الصهيوني.