مقالات
صحافية لبنانية
"لم نعهد ما نعيشه اليوم حتى في ظلّ أجداد الملك"، هكذا يقول أحد المواطنين في معرض تعليقه على ما تمرّ به البحرين من تصعيدٍ أمني خطير ضدّ مُكوّن واحد ومحدّد في البلد. وكحال هذا المواطن، هناك العشرات والمئات الذين يشعرون بحصارٍ خانق يُركّز على وجودهم التاريخي منذ ما قبل وصول آل خليفة الى الحُكم.
41 عالمًا دينيًا اعتُقلوا خلال ساعة واحدة في البحرين صباح التاسع من أيار/مايو 2026. هؤلاء جميعًا يُمثّلون الصف الأوّل من العلماء والمشايخ والسادة، الذي يعتمد عليهم الخطاب الديني والاجتماعي داخل المملكة، وهم على تماسٍ مباشر مع الناس، يحكون لُغتهم، وينقلون هواجسهم المعيشية والاجتماعية والسياسية والحقوقية.
السياق المتدحرِج
في العدوان الأخير على إيران، شارك النظام البحريني في الحرب وعمليات الاستهداف التي كانت تنطلق من أراضيه. بفعل اصطفافه الأعمى في المحور الأميركي "الإسرائيلي"، قرّر أن يُعرّض هذه الأراضي التي تستضيف القواعد والمصالح الأميركية للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، غير أنه عِوَض العدول عن تسخير أرضه للأميركيين، ذهب الى الانتقام من شعبه مرة جديدة عبر إطلاق حملة أمنية تطال كل مواطن نَشَر صورةً أو فيديو عن الضربات في البحرين، وكلّ من لامَ الدولة على خياراتها العسكرية غير المحسوبة. توقيفاتٌ عشوائية بالجملة، لم تقف عند حدّ.
بالموازاة، خرج الملك حمد بن عيسى ليُشْهر مجدّدًا سلاح إسقاط الجنسيات بعد أن خَبِرَه الشعب جيدًا عقب حراك 2011. هذه المرة كان مستوى التهديد عاليًا، إذ خرج من أعلى الهرم. 69 مواطنًا وُلدوا في البحرين جُرّدوا من جنسيّاتهم . بالموازاة، تحرّك مجلس النواب لمؤازرة الخطوة فشرّع قانونًا يُخرج مسائل الجنسية من سلطة القضاء. اعترض 3 نواب فقط على الطْرح. مرةً أخرى، هدّد الملك هؤلاء الثلاثة بالاعتذار وإلّا. اعتذروا في بيان يُقال إن المجلس النيابي هو من صاغَه وليس هم شخصيًا. وبأوامر جديدة، اتّفق 37 نائبًا من أصل 40 نائبًا على إسقاط عضويّتهم بتهمة "خيانة الوطن".
هذا السيناريو لم يُشبِِع الحاكم، بل قرّر الانقضاض على التيار العلمائي في البحرين. أمرَ بسوْق 41 شيخًا ومُعمّمًا شيعيًا الى الزنازين دفعةً واحدة تحت عنوان "القبض على خليّة الحرس الثوري الإيراني داخل البحرين". هذا هو العنوان الدعائي للعملية، مدعومًا بحملة إعلامية ضخمة في وسائل الإعلام المحلية والذباب الالكتروني لإشاعة سردية "خيانة الوطن" في الداخل والخارج.
افتراءاتٌ مكشوفة
دحْض الافتراءات المُلفّقة بحقّ العلماء في فيديو وزارة الداخلية لا يحتاج الى جهدٍ كبير. التهمة البارزة هي "ولاية الفقيه"، وكأنّ الاعتقاد بها بات جريمة في منطق الدولة الحاكمة. في الأصل، يكفل الدستور البحريني حرية المعتقد. هذا ما تنصّ عليه المادة 22 منه حيث جاء فيها: "حرية الضمير مطلقة، وتكفل الدولة حرمة دور العبادة وحرية القيام بشعائر الأديان والمواكب والاجتماعات الدينية طبقًا للعادات المرعية في البلد".
صور "المضبوطات" التي عرضتها الداخلية صادمة. إذ لا وجود لأسلحة تُثبت كذبة "المشروع الإرهابي". كلّ ما عُرض كان عبارة عن كتبٍ دينية وعقائدية وسياسية وأموالٍ بالعملة بالوطنية ومنظار مدني وهواتف وأجهزة "ipad". حتى أن أحد الكتب يحمل عنوان "الحركة الإسلامية واليسار".
استهداف الهوية والوجود
ثمّة قراءة موحّدة لدى "البحارنة"، أي شيعة المملكة الأصيلين والمتجذّرين في البلد، تقول إن كلّ ما يجري اليوم هدفه القضاء أو التخلّص من هويّتهم ووجودهم. لا تفسير لديهم سوى ذلك. حربُ تطهير غير مسبوقة تطالهم شخصيًا. البعض منهم يطرح سلسلة تساؤلات إزاء هذا المشهد المعقّد:
* هل سيبقى رجل دين بمنأى عن الملاحقة والسجن في ظلّ هذا الوضع المستجدّ؟
* هل التوقيفات ستنسحب على كلّ مواطن شيعي بشكل "أوتوماتيكي" طالما أنه يعتقد بولاية الفقيه؟
* هل ستُعاقب هذه الفئة بسبب تقليدها واعتقادها الديني؟
* من سيبقى خارج الزنازين إذًا؟ النساء والأطفال؟
الموسم العاشورائي في الواجهة
بالموازاة، هناك من يرى أن الهجوم على فئة علمائية واسعة يُشير حتمًا الى تأزيم وتعميق أكثر للمشهد الداخلي. تحييد هذا التيار في هذا الوقت يهدف الى إسكات أيّة حالة من شأنها أن تنتقد سياسة الحُكم الذي يغرق ويغرق أكثر في الوحل الأميركي، وينغمس حدّ الثمالة في المشروع "الإسرائيلي" في المنطقة. كذلك، فإن الغاية من تغييب العلماء مُعاقبتهم جراء رفضهم لأيّ تأييد أعمى لقرارات الملك ولا سيّما خلال الحرب الأخيرة.
في المُحصّلة، الوضع الداخلي مضطربٌ الى حدّ كبير في البحرين. كلّ المؤشرات تدلّ على أن القادم لا يُطمئن. الدولة تسعى لإنتاج طبقة من الشيعة في المملكة لا تتعاطى السياسة بل تتنفّس من أجل الأكل والشراب والصلاة بدينٍٍ فارغٍ من المبادئ والعقائد الحسينية. ولهذا، يتوقّع أيضًا أن يُستهدف الموسم العاشورائي الذي يُعتبر في البحرين مناسبة مركزية يحيي فيها الموالون لأهل البيت (ع) الشعائر بمشاركة حاشدة في كلّ المناطق.
منطق الفريسة
وعليه، يسأل أحد المراقبين "هل بناء الوطن وتقوية النسيج الاجتماعي وتطبيق شعار التعايش مع الآخر يكون عبر إقصاء مكوّن أساسي عن المشهد؟ هل يكون عبر استهداف رموز طائفته جميعًا؟". المسألة حسّاسة كثيرًا، والدولة تُدير الملفات الداخلية بمنطق الفريسة وتمزيق المجتمع أكثر وليس التكاتف الوطني. أمّا ما حُكي في المرحلة الماضية عن تصفير السجون فبات محض خيال، مع توسيع أزمة المعتقلين وفتح أبوابها على مصاريعها.