اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي أخطر مشروع أمني في البحرين.. انقضاضٌ يطال طائفة واحدة!

مقالات

تزوير الذاكرة… حين تتحوَّل السياسة إلى معركة على التاريخ والمصطلحات
🎧 إستمع للمقال
مقالات

تزوير الذاكرة… حين تتحوَّل السياسة إلى معركة على التاريخ والمصطلحات

125

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  


في لبنان، لا تقتصر المواجهة على السياسة اليومية أو التوازنات الإقليمية، بل تمتد إلى ساحة أكثر عمقًا وخطورة: ساحة الذاكرة واللغة. فثمة مسعى متدرِّج لإعادة صياغة التاريخ، لا عبر قراءات نقدية مشروعة، بل عبر تبديل الوقائع، وإعادة تعريف المفاهيم، وصياغة خطاب جديد يهدف إلى إعادة تشكيل وعي اللبنانيين بما يتلاءم مع تحوُّلات سياسية راهنة.

أولى حلقات هذا المسار تبدأ من التشكيك في حقيقة أن المقاومة اللبنانية كانت العامل الحاسم في إجبار "إسرائيل" على الانسحاب عام ٢٠٠٠. هذا الحدث، الذي شكَّل نقطة تحوُّل مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، يُعاد تقديمه أحيانًا كأنه نتيجة حسابات "إسرائيلية" داخلية أو ضغوط دولية، في تجاهلٍ واضح لسنوات من الاستنزاف العسكري والمواجهة الميدانية وسقوط مئات الشهداء والجرحى. هنا لا يدور النقاش حول اختلاف في التفسير، بل حول محاولة قلب العلاقة بين الفعل ونتيجته.

بالتوازي، يجري العمل على إعادة تعريف المقاومة نفسها، من فعلٍ ارتبط بالدفاع عن الأرض إلى توصيفها ككيان (خارج عن القانون). ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى محاولات صريحة لإلغاء المصطلح ذاته من التداول الإعلامي، كما صرَّح به وزير الإعلام، في خطوة تعكس توجهًا نحو ضبط اللغة بما يسبق ضبط الوعي. فحين تُمحى الكلمة، يصبح من الأسهل محو دلالاتها.

وفي السياق نفسه، تبرز محاولات لإعادة صياغة الموقف القانوني والأخلاقي من "إسرائيل"، من السعي إلى إلغاء تجريم التواصل معها، إلى حذف توصيف (العدو الإسرائيلي) من الخطابات الرسمية، وهي خطوات لا يمكن فصلها عن مناخ دولي وإقليمي ضاغط يدفع باتجاه (تطبيع لغوي) يسبق أي تطبيع سياسي. وقد زاد الجدل مع مواقف منسوبة إلى   الرئيس ترامب حول تشجيع تعديل هذه القوانين، بالتوازي مع تصريحات السفير الأميركي في لبنان  الذي اعتبر أن  نتنياهو (ليس بعبعًا)، في وقت ارتكب انتهاكات جسيمة ومجازر يندى لها الجبين،وتُلاحقه اتهامات أمام المحكمة الدولية. هذه المفارقة بين توصيفين متناقضين تعكس حجم الصراع على اللغة قبل الوقائع.

ولا ينفصل ذلك عن محاولات إعادة تلميع صورة "جيش أنطوان لحد"، الذي ارتبط بالتعامل مع الاحتلال "الإسرائيلي"، وتقديمه في بعض الخطابات كـحالة بطولية أو خيار اضطراري. كما يُعاد توصيف من فرُّوا إلى "إسرائيل" بعد عام ٢٠٠٠ تحت مسمى (لبنانيون مبعدون قسرًا)، في محاولة لطمس الفارق بين من عانى من الاحتلال ومن ارتبط به. هنا تتحوَّل المصطلحات إلى أدوات لإعادة إنتاج سردية مغايرة، تساوي بين المتناقضات وتخلط بين المسؤوليات.

في موازاة ذلك، يُلاحظ انتشار خطاب جديد في بعض وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، حيث يعلن مسؤولون ومؤثرون بشكل متزايد رغبتهم في (السلام مع إسرائيل)، بل ويعبِّر بعضهم عن (حلم زيارة إسرائيل)، فيما يشارك لبنانيون في مساحات حوارية عبر منصة إكس مع "إسرائيليين"، في مشهد لم يكن مألوفًا في السابق لا بل يعاقب عليه القانون اللبناني . هذه الظواهر، بغضِّ النظر عن تقييمها، تعكس تحوُّلًا تدريجيًا في الخطاب العام، وتطرح أسئلة جدية حول الحدود بين حرية التعبير وإعادة تشكيل الموقف الوطني.

في المقابل، يجري منذ فترة طويلة الترويج لمصطلحات من نوع (الاحتلال الإيراني) لوصف علاقات داخلية لبنانية، في حين يتم التغاضي عن أشكال أخرى من التدخل الخارجي، سواء من الولايات المتحدة أو بعض الدول العربية، التي لا تخفي دورها في التأثير على القرار اللبناني، وصولًا إلى تفاصيل إدارية واقتصادية حساسة. هذا الاستخدام الانتقائي للمفاهيم يؤكد أن المعركة ليست توصيفًا موضوعيًا بقدر ما هي صراع على توجيه الإدراك العام.

إن ما يشهده لبنان اليوم يتجاوز الخلاف السياسي إلى صراع على الرواية: من يملك تعريف الحقيقة؟ ومن يحدد المصطلحات التي تُبنى عليها هذه الحقيقة؟ وحين تصبح اللغة نفسها موضع إعادة هندسة، يصبح التاريخ عرضة لإعادة كتابة لا تخلو من الانتقائية.

الحفاظ على الذاكرة الوطنية لا يعني رفض النقاش أو تقديس الماضي، بل يتطلب التمييز بين المراجعة النقدية المشروعة وبين محاولات التزوير التي تهدف إلى إعادة تشكيل الوعي بما يخدم توازنات آنية. فالدول التي تفقد بوصلتها التاريخية، تفقد معها قدرتها على بناء مستقبل متماسك. وفي زمن تتكاثر فيه الروايات، تبقى الحقيقة رهينة من يملك الجرأة على قولها، لا من يملك القدرة على إعادة صياغتها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة