اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي  وزارة الصحة اللبنانية: 2869 شهيدًا و8730 جريحًا ضحايا العدوان منذ 2 آذار الماضي

عين على العدو

يتسحاق بريك: نتدحرج ككرة ثلج نحو الهاوية
🎧 إستمع للمقال
عين على العدو

يتسحاق بريك: نتدحرج ككرة ثلج نحو الهاوية

68

قال اللواء احتياط في جيش الاحتلال يتسحاق بريك لصحيفة "معاريف" إن معظم "الاسرائيليين" يعيشون اليوم في حالة إنكار أمام الواقع القاسي، وهو سلوك يقرّب "إسرائيل" من خطر وجودي، كما حدث في خراب الهيكل الأول والثاني وفي سنوات المحرقة. 

وفي مقال مطوّل له، لفت إلى أن ""الشعب" منقسم: قسم منه يهاجم من يحاول أن يضع أمامه مرآة، بدافع الرغبة في تجنّب الحقيقة وأمل أعمى بمعجزة، بينما يلتزم القسم الآخر الصمت ويخشى إسماع صوته".

وتابع: "نحن نتدحرج ككرة ثلج نحو الهاوية، وأجد نفسي كصوت ينادي في الصحراء، أصرخ للجميع: "استيقظوا قبل فوات الأوان!". لكي نغيّر المسار، علينا أن نفهم بعمق آلية "الإنكار": لماذا يميل الناس إلى إغماض أعينهم تحديدًا عندما يكونون في أصعب الظروف؟".

ورأى أن "الإنكار هو أحد أعمق وأكثر آليات الدفاع النفسي شيوعًا. وهو يعمل تقريبًا دائمًا كـ"ممتصّ صدمات" نفسي أمام واقع يصعب جدًا احتواؤه في لحظة معيّنة". 

وبحسب بريك، يمكن تقسيم أسباب الإنكار إلى عدة مستويات مركزية:

1. آلية بقاء عاطفية

عندما يتعرّض الإنسان لمعلومات تشكّل تهديدًا وجوديًا أو عاطفيًا أو جسديًا، قد تقوم النفس "بحجب" المعلومات لمنع الانهيار. هذا الإنكار يسمح للإنسان بمواصلة أداء وظائفه على المدى القصير، من دون الانهيار تحت وطأة القلق أو الصدمة أو الفقدان. وبهذا المعنى، فهو يُستخدم كأداة مؤقتة لمعالجة الواقع بجرعات صغيرة.

2.  التنافر المعرفي

عندما يواجه الإنسان معلومات تتناقض بالكامل مع الطريقة التي يرى بها نفسه أو قيمه، ينشأ توتر داخلي لا يُحتمل. ولحل هذا التوتر، يكون من الأسهل إنكار الحقائق بدل تغيير النظرة إلى العالم أو الاعتراف بالخطأ. ويبرز ذلك خصوصًا في حالات المسؤولية عن الإخفاقات: فصعوبة الاعتراف بالخطأ تدفع الإنسان إلى إنكار وجود المشكلة أصلًا؛ وكذلك في حالات الولاء الأعمى: إنكار العيوب في الأشخاص أو المؤسسات التي نعجب بها.

3. الحفاظ على الشعور بالسيطرة

الواقع أحيانًا فوضوي ومخيف. والاعتراف بوجود تهديد - أمني أو صحي أو اقتصادي - يُلزم الإنسان بالتحرك أو بالتسليم بعجزه. يتيح الإنكار الحفاظ على وهم "الأعمال تسير كالمعتاد"، ويمنع الحاجة إلى مواجهة تغييرات جذرية ومؤلمة في الحياة.

4. ثمن الاعتراف بالحقيقة

أحيانًا يفهم الناس في وعيهم الباطن أنهم إذا اعترفوا بالحقيقة، فسيتوجب عليهم دفع ثمن باهظ: تفكيك علاقة، تغيير نمط حياة، فقدان مكانة أو سلطة. والخوف من هذا الثمن يدفعهم إلى التمسك بنسخة أكثر راحة من الواقع.

5. التأثير الاجتماعي والثقافي

أحيانًا يكون الإنكار جماعيًا. فعندما تتجاهل بيئة كاملة - منظمة أو وحدة أو مجتمع - إشارات التحذير، تتشكل "تصوّرات راسخة": عمى إرادي هدفه الحفاظ على التماسك الجماعي. الشخص الذي يحاول الإشارة إلى الحقيقة قد يُعتبر "مثيرًا للاضطراب"، ولذلك تختار المنظومة بأكملها الإنكار كأسلوب حياة.

خلاصة القول، وفقًا لبريك، "إن الإنكار غالبًا ليس اختيارًا واعيًا للكذب، بل محاولة يائسة من النفس لحماية نفسها من ألم أو تغيير تشعر بأنها غير قادرة على تحمّله في تلك اللحظة. وتبدأ المشكلة عندما يتحول الإنكار من آلية دفاع مؤقتة إلى حاجز دائم يمنع الإصلاح ومواجهة الواقع".

وأكد أن آلية الإنكار التي ترافق "شعب إسرائيل" قادت في الماضي إلى كوارث ثقيلة، وهي تقف اليوم في أساس الكارثة التي تتشكل أمام أعيننا، مضيفًا أن الفحص العميق لجوهر الإنكار يكشف الدوافع للهروب من الحقيقة: لماذا يُظهر الناس لامبالاة تجاه الحقائق ويختارون الهروب إلى "واقع افتراضي".

واعتبر أن "هذا الحيّز المحمي، الذي يبنيه كثيرون لأنفسهم لتجنيب أنفسهم القلق الوجودي، هو وهم خطير. فبينما يمنح هدوءًا نفسيًا مؤقتًا، فإن هذا الواقع الافتراضي هو ما يجرّ "إسرائيل" بأكملها على منحدر حاد نحو الفناء والضياع"، مردفًا: "يعلمنا التاريخ أن ثمن الإنكار الاستراتيجي باهظ لا يُحتمل فعلًا".

كذلك أضاف: "للتغلب على الإنكار على المستوى القومي والاستعداد للتحديات، هناك حاجة إلى تغيير عميق في الثقافة التنظيمية والسياسية والأمنية". 

وفي ما يلي الخطوات المركزية المطلوبة، طبقًا لبريك:

1. تحطيم "المفهوم" واعتماد مبدأ "الرأي المعاكس"

الإنكار يتغذى من الإجماع الواسع أكثر من اللازم. ومن أجل إنقاذ "إسرائيل"، يجب على المنظومتين الأمنية والسياسية إرساء آليات نقد داخلي حاد: طواقم "حمراء" مستقلة، إقامة هيئات لا تخضع للمستوى القيادي المباشر، تكون مهمتها الوحيدة دحض الافتراضات الأساسية للاستخبارات وهيئة الأركان، وثقافة الشك، تشجيع الضباط والمستويات الميدانية على طرح التحذيرات حتى لو خالفت رأي الأغلبية، من دون الخوف من المساس بالتقدم المهني.

2. الانتقال من "جيش تكنولوجي صغير" إلى جيش قوي ومرن

يتجلى الإنكار أحيانًا في الاعتقاد بأن التكنولوجيا - الأسوار الذكية وأجهزة الاستشعار - يمكن أن تحل محل الكتلة الحرجة من القوى البشرية والوجود الميداني. وهناك حاجة إلى إعادة تأهيل القوات البرية:

زيادة حجم قوات الاحتياط والقوات النظامية. في مواجهة تهديدات متعددة الساحات وتحالفات إقليمية، لا بديل عن كتلة من المقاتلين المدرّبين والمجهزين.

كما أن هناك حاجة إلى الاستعداد لسيناريوهات متطرفة: التوقف عن الاعتماد على "إدارة الصراع"، والانتقال إلى التحضير لحرب شاملة، بما في ذلك التزوّد بمخزونات هائلة من الذخائر والغذاء والطاقة.

3. مواجهة التحالفات الإقليمية والتهديد الإيراني

في مواجهة محاولات دفع "إسرائيل" خارج المنطقة، هناك حاجة إلى استراتيجية متعددة الأبعاد: تعزيز "المثلث الاستراتيجي"، بناء متسارع لقوة جوية وبحرية وبرية تستطيع العمل بالتزامن في عدة ساحات بعيدة، وكذلك دبلوماسية أمنية مبادِرة، ليس فقط الرد على تحالفات الآخرين، بل إنشاء تحالفات مضادة وتعزيز العلاقات مع قوى عظمى وجهات إقليمية تتشارك مصالح مشابهة في مواجهة المحور الراديكالي.

4. التوعية والشفافية أمام الجمهور

ينبع الإنكار القومي أحيانًا من رغبة القيادة في "عدم تخويف" الشعب.

يجب إجراء حوار صادق: على القيادة أن تعرض على الجمهور صورة الوضع كما هي، من دون تجميل أو تزويق، كما أفعل أنا. كما يجب الاستعداد لتحصين الجبهة الداخلية: فالجبهة الداخلية هي الجبهة الجديدة. والاستثمار في الملاجئ والتحصين والتثقيف لحالات الطوارئ أمر حاسم لمنع الانهيار في لحظة الحقيقة.

5. التعلّم من الماضي

إن خراب الهيكل الأول والثاني نجم أيضًا عن الانقسام الداخلي وعن عدم القدرة على قراءة الخريطة الجيوسياسية. التماسك الاجتماعي هو عنصر أمني: الانقسام الداخلي هو "وقود" للإنكار.  فعندما ننشغل بالصراعات الداخلية، نفشل في رؤية الذئاب المتجمعة حول السياج.  المنعة القومية تبدأ من الاتفاق على مصير مشترك.

في ما يلي البنية المطلوبة للتغيير الفكري والعملي:

1. شفافية كاملة كأساس للثقة

يتغذى الإنكار القومي كثيرًا من إخفاء الواقع من قبل المستوى السياسي والأمني بهدف "الحفاظ على المعنويات". والنتيجة تكون عكسية: يُفاجأ الجمهور ويشعر بالخيانة في لحظة الحقيقة.

يجب عرض الحقيقة: يجب التحدث إلى الجمهور بصراحة. إن كشف الحقائق المتعلقة بتعاظم قوة العدو وتحالفاته لا ينبغي أن يتم بنبرة كارثية، بل بنبرة مهنية ومتزنة. الثقة هي أصل استراتيجي: فقط عندما يثق الجمهور بأن المعلومات المقدمة له موثوقة، سيكون مستعدًا لتحمل التضحيات المطلوبة، خدمة احتياط طويلة، الاستثمار في تحصين الجبهة الداخلية وغير ذلك.

2. الانتقال من "السلبية" إلى "الفاعلية"

يعلمنا علم النفس أن الفعل هو أفضل مضاد للقلق. يجب العمل على تجنيد المواهب الوطنية، بدل أن يكون الجمهور مشاهدًا سلبيًا للأخبار، يجب فتح قنوات يستطيع المواطنون وجنود الاحتياط وأصحاب التكنولوجيا من خلالها المساهمة مباشرة في حل المشكلات.

كما يجب العمل على إعادة تأهيل "جيش الشعب": إعادة الشعور بأن أمن "إسرائيل" مسؤولية مشتركة للجميع، وليس فقط مسؤولية "جيش صغير وذكي" موجود في مكان ما.

3. خلق رؤية إيجابية إلى جانب التحذير

إن الإلحاح على العمل يجب أن ينبع ليس فقط من "الهروب من الموت"، بل أيضًا من "التطلع إلى الحياة". يجب تحديد هدف: لا يكفي القول "نحن في خطر".  يجب عرض رؤية لـ "إسرائيل" قوية ومستقلة ومستعدة. كما يجب تعزيز الشعور بالقدرة.

4. القدوة الشخصية وقيادة موحِّدة

يزدهر الإنكار القومي في ظل الانقسام. فعندما يرى الجمهور قادته منشغلين بصراعات داخلية بينما الذئاب عند السياج، فإنه يميل إلى كبت التهديد الخارجي والتركيز على الصراع الداخلي.

هناك حاجة إلى: إقامة مجلس طوارئ قومي دائم، بغض النظر عن الانتماء السياسي، للتعامل فقط مع التهديدات الاستراتيجية.

5. نموذج "الأمل الواقعي"

يجب اعتماد مقاربة تجمع بين الواقعية القاسية والتفاؤل الحازم: مواجهة السيناريوهات المرجعية. بدل الخوف منها، يجب التدرب عليها.  وكلما كانت الجبهة الداخلية والجيش أكثر تدريبًا على أصعب السيناريوهات، تعزز الشعور بالسيطرة وتراجع اليأس.

الكلمات المفتاحية
مشاركة