نقاط على الحروف
أكرم بزي
عندما يجتمع الخصم والحكم تحت عباءة واحدة، تدرك الضحية أن الموازين قد انقلبت، وأن ما يُحاك خلف الكواليس ليس سوى فصل جديد من فصول الحصار ومحاولات الإنهاء. وهذا تمامًا ما يترجمه الواقع اللبناني اليوم، حيث تتحول المحادثات السياسية إلى غطاء يشرعن استمرار النزيف بدلًا من وقفه، فتغدو الطاولات الدبلوماسية امتدادًا لآلة الحرب، يسعى العدو عبرها إلى انتزاع ما عجز عن تحقيقه بالنار والدمار، وسط تماهٍ رسمي يُضعف الموقف اللبناني ويمنح الاحتلال مزيدًا من الوقت لاستكمال عدوانه الممنهج.
وتحمل تصريحات السفير "الإسرائيلي" في واشنطن يحيئيل ليتر دلالات عميقة تكشف جوهر المسار الذي تسلكه المفاوضات اللبنانية-"الإسرائيلية" الحالية، إذ تؤكد أن ما يجري يتجاوز البحث عن وقف مؤقت لإطلاق النار إلى محاولة فرض واقع استراتيجي جديد في المنطقة برعاية أميركية مباشرة. فعندما تحدث ليتر، في مقابلته مع موقع "والا" "الإسرائيلي" في أيار 2026، عن "معركة مشتركة" تجمع "إسرائيل" والولايات المتحدة والسلطة اللبنانية ضد حزب الله، فإنه كشف بوضوح حجم تقاطع المصالح الذي أدار العمليات العسكرية الأخيرة، من توغل واغتيالات وتدمير ممنهج، باعتبارها أدوات تنفيذية لتحقيق هدف سياسي واحد.
وتؤكد هذه المواقف أن المقاومة في لبنان لم تعد تواجه القوة العسكرية "الإسرائيلية" وحدها، بل باتت في مواجهة منظومة متعددة الأبعاد تضم القوة "الإسرائيلية" والضغط السياسي الأميركي والتماهي الرسمي اللبناني مع هذه الطروحات.
ويأتي تشديد السفير "الإسرائيلي" على أن تل أبيب لن توقف ملاحقة حزب الله حتى في ظل أي وقف لإطلاق النار، منسجمًا مع وثائق وتقارير تاريخية تؤكد أن الأهداف "الإسرائيلية" في لبنان تتجاوز البعد الحدودي لتصل إلى إعادة هندسة الواقعين السياسي والأمني اللبنانيين. فبحسب ما كشفته تقارير "هآرتس" والوثائق التي أفرج عنها "الموساد" في أيلول 2022، فإن التخطيط "الإسرائيلي" لعمليات واسعة في لبنان كان يهدف دائمًا إلى فرض ترتيبات أمنية تضمن إخضاع القرار اللبناني للمصالح "الإسرائيلية".
كما أن وصف السفير لتصريحات الحكومة اللبنانية بشأن نزع السلاح بأنها "بعيدة عن الواقع" يضع السلطة في موقع العاجز أو الشريك الصامت الذي يقدم وعودًا لا يملك أدوات تنفيذها، فيما تتمسك "إسرائيل" بما تسميه "حق الدفاع عن النفس" كذريعة دائمة لانتهاك السيادة اللبنانية متى تشاء. وهو مسار يعيد إلى الأذهان ما كشفته الوثائق المتعلقة باجتماعات نهاريا عام 1982، حين مورست الضغوط "الإسرائيلية" لانتزاع تنازلات سيادية مقابل وعود أمنية واهية.
بناء على ذلك، يتأكد أن المشهد التفاوضي الحالي ليس سوى وجه آخر للحرب، تسعى عبره واشنطن و"تل أبيب"، بالتنسيق مع أطراف داخل السلطة اللبنانية، إلى تحقيق ما عجزت القوة العسكرية عن فرضه بالكامل، أي تحويل لبنان إلى ساحة أمنية مكشوفة تحت شعار "منع إعادة التسلح"، بما يضع المقاومة أمام مواجهة مع منظومة متكاملة تهدف إلى تصفية حضورها السياسي والعسكري دفعة واحدة.
وفي هذا السياق، أعد الأميركيون ورقة قُدمت بوصفها نتيجة للمفاوضات بين وفد رئيس الجمهورية العماد جوزف عون والعدو "الإسرائيلي"، لتكون بمثابة إعلان نيات سياسي وأمني بين لبنان وكيان الاحتلال. وتشير المعطيات إلى أن مضمون هذه الورقة قد يكون أشد خطورة من تفاهم 16 نيسان 2026، لأنه يضع إطارًا عمليًا لتطبيق بنوده، بما يدخل السلطة اللبنانية في حالة من التحالف العملي مع العدو.
وتكشف التسريبات المتعلقة بالمقترح الأميركي، المنبثق عن الجولة الثالثة من المفاوضات، ملامح هذا المسار الخطير، إذ يتضمن تمديد وقف إطلاق النار وفق ترتيبات أمنية وعسكرية مجدولة، وانسحابًا "إسرائيليًا" تدريجيًا من لبنان خلال فترة قد تصل إلى عامين، بالتوازي مع تنفيذ الدولة اللبنانية لالتزاماتها.
وتشمل هذه الالتزامات إطلاق خطة شاملة لنزع سلاح حزب الله، وإعادة تفعيل لجنة "الميكانيزم" لمراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية، ومنح الجيش اللبناني، بدعم دولي، صلاحية الدخول إلى أي منشأة عامة أو خاصة للتحقق من نزع السلاح، إضافة إلى استخدام الأقمار الصناعية وآليات رقابة أميركية لمتابعة المنشآت التابعة للحزب، وإنشاء قوة خاصة داخل الجيش مهمتها منع إعادة التسلح بدعم أميركي مباشر.
وفي المقابل، تتبنى واشنطن بالكامل الرواية "الإسرائيلية" التي تتهم حزب الله بخرق وقف إطلاق النار، وتؤكد دعم "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، مع الإقرار الضمني باستمرار استهداف عناصر الحزب أينما وجدوا، واعتبار سلاحه أصل الأزمة، والضغط على لبنان للشروع الفوري في خطة نزع السلاح من دون أي ضمانة فعلية بوقف العدوان.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال عدوانه المستمر منذ تشرين الثاني 2024، مخلفًا القتلى والدمار وتجريف القرى واستهداف الإعلاميين والمسعفين وحتى مواقع الجيش اللبناني و"اليونيفيل"، كشفت كواليس وزارة الخارجية الأميركية عن لقاء جمع أعضاء الوفد اللبناني، الذي ضم سيمون كرم وندى معوض ووسام بطرس والعميد أوليفر حاكمة والعميد وديع رحمة وآخرين، مع أعضاء وفد حكومة الاحتلال، بينهم يحيئيل ليتر ونوا عينوسار والعميد إريك بندول والعميد هميخاي ليفين ويوري درزنين.
ويطرح هذا المشهد تساؤلات حادة حول طبيعة هذا التقارب السياسي، وما إذا كانت هذه اللقاءات تمهد فعليًا لمسار يستهدف تصفية المقاومة وإقامة منطقة عازلة في الجنوب ونزع سلاح المقاومين بالقوة، وصولًا إلى فتح قنوات تطبيع سياسي وأمني تدريجية مع الاحتلال.
إن هذا التماهي مع المشروع الأميركي-"الإسرائيلي" لا يمكن أن يمر بالصمت، ولن ينجح في كسر الإرادة الشعبية التي أسقطت من قبل اتفاق 17 أيار 1983. فكما أفشل اللبنانيون آنذاك مشروع الإخضاع، فإن الشارع اللبناني قادر اليوم أيضًا على إعادة رسم المعادلة والتأكيد أن إرادة الشعوب تبقى أقوى من رهانات التآمر والاحتلال.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل المقاومة وبيئتها معنيون فعلًا بهذا الاتفاق؟
المؤشرات الميدانية توحي بعكس ذلك تمامًا، إذ تعتبر المقاومة وبيئتها أن أي اتفاق لا يراعي توازنات القوة وحقوق لبنان وسيادته هو اتفاق ساقط بحكم الوقائع قبل النصوص، فضلًا عن الرفض المبدئي لأي اتفاق أمني مع "إسرائيل" باعتبارها كيانًا محتلًا ومغتصبًا للأرض.
ومن هنا، تتصرف المقاومة على قاعدة أن المفاوضات الحاسمة لا تُحسم في أروقة البنتاغون أو غرف الضغط الأميركية، بل في الميدان أولًا، وفي مسارات إقليمية ودولية أوسع تتصل بموازين القوى الحقيقية في المنطقة، وبالمعادلات التي يفرضها محور المقاومة على امتداد ساحات الاشتباك السياسي والعسكري.